طرد الشهود من اليمن وإغلاق البلاد على حروب غير محدودة – نبيل سبيع

طرد الشهود من اليمن وإغلاق البلاد على حروب غير محدودة – نبيل سبيع

أجرت منظمة دولية مرموقة بحثا في اليمن حول إيجاد شروط أساسية لبناء سلام دائم في صعدة وتزمع إصدار تقرير حول ذلك بعد أسبوعين، لكن القصة ليست هنا. القصة في أن التقرير تسبب بطرد الباحث الفرنسي بونفوا الذي عمل عليه وهذه قد تكون بداية سياسة جديدة تنتهجها صنعاء:
الوضع في اليمن ذاهب إلى الأسوأ. خلال الأسابيع القليلة الماضية، اتجهت صنعاء الى دفع الوضع داخل الجنوب نحو التفجر في أحداث عنف شاملة. وترفع من احتمالات دخول البلد مستنقعات دماء غير محدودة ولا معروفة النتائج ثلاثة أمور رئيسية: الأول، تصاعد أحداث العنف والفلتانات الأمنية جراء هشاشة الدولة وانتشار السلاح والجريمة في أكثر من منطقة في الجنوب والشمال والوسط. والثاني، تلويح الرئيس صالح السبت الماضي بحرب متبادلة وغير محدودة النتائج داخل الجنوب إذا ما استمرت الاحتجاجات المتواصلة هناك منذ أكثر من عامين. أما الأمر الثالث فيتمثل في مجيء هذا كله بالتزامن مع مؤشرات اتجاه السلطات الى انتهاج  سياسة طرد الشهود الدوليين العاملين داخل العاصمة وإغلاق البلاد أمام المنظمات والصحافة الدولية.
 وفقا لمعلومات متطابقة، فإن القنصليات اليمنية في كل من واشنطن وباريس ولندن رفضت مؤخرا طلبات عدد كبير من المنظمات (حقوقية وبحثية) إضافة الى الكثير من وسائل الإعلام للحصول على تأشيرات دخول الى اليمن. وأتى هذا الاهتمام المكثف بزيارة اليمن بعد تصاعد نبرة تحذيرات التقارير الدولية، الصادرة مؤخرا، من انزلاق البلد الفقير والهامشي الى وحول حروب عديدة واضطرابات شتى. وتشير حادثة طرد أحد الباحثين الفرنسيين العاملين في اليمن منذ 8 أعوام أواخر الأسبوع الماضي الى ما قد يتعرض له الباحثون والعاملون الأجانب داخل البلاد من معاملة في الأيام القادمة.
 في فجر الخميس الماضي، أقدمت السلطات الأمنية في مطار صنعاء على طرد باحث فرنسي من البلاد رغم حصوله على تأشيرة من القنصلية اليمنية في باريس. وطرد الباحث لوران بونفوا، المقيم مع أسرته في صنعاء على خلفية مشاركته في إعداد تقرير حول حرب صعدة من المزمع أن تصدره منظمة “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG) المرموقة بعد أسبوعين.
 الموضوع الأساسي للتقرير، الذي أثار حفيظة الاستخبارات اليمنية، هو البحث عن إيجاد شروط أساسية لبناء سلام دائم في صعدة. والتقرير، الذي يصدر قريبا عن منظمة معروفة بالشفافية، تضمن وجهات النظر المختلفة لكافة الأطراف وانبنى على مقابلات شخصية أجريت مع مسئولين رفيعي المستوى ومع قيادات حوثية بالإضافة الى مهتمين من الساسة والصحفيين المعروفين.
 قبل أن تبدأ العمل في التقرير، تقدمت (ICG) بطلب ترخيص من الحكومة اليمنية وحصلت عليه. بناء على هذا، أوفدت مطلع العام أحد خبرائها الى اليمن حيث يعمل بونفوا الذي كان قد اختير للمشاركة في العمل على التقرير. بدأ الاثنان مقابلات شخصية مع كافة الأطراف المعنية والمتابعة للوضع. قابلا عددا من مسئولي الدولة ابتداء من المستشار السياسي لرئيس الجمهورية عبدالكريم الإرياني ومرورا بوزير الخارجية القربي ورشاد العليمي وصولا الى مدير مكتب الرئيس ومدير الأمن القومي علي الآنسي. ويتذكر لوران أنهما أخبرا الأخير خلال اللقاء بأنهما أجريا اتصالا هاتفيا مع المتحدث باسم الحوثيين صالح هبرة وأنه رد بأنه على علم بذلك دون أن يبدي موقفا سلبيا من الأمر. “التقينا كل المسئولين ولم نواجه ردا سلبيا من أي منهم. وجدنا تعاونا منهم جميعا وتعاملوا معنا بانفتاح، وقد خرجت بانطباع ايجابي”.
 بالمثل، حاول بونفوا مع الخبير الموفد من (ICG) الحصول على ترخيص من وزارة الداخلية لزيارة صعدة كي يتسنى لهما الالتقاء بالطرف الآخر والاطلاع مباشرة على الوضع. لكن الوزارة لم ترد على طلبهما لا بالموافقة ولا بالرفض. “وفهمنا أن عدم ردهم علينا يعني الرفض، فاحترمنا رفضهم ولم نحاول الذهاب بأي طريقة. اكتفينا بالاتصالات الهاتفية”.
 تصرفت (ICG)، التي حصل رئيس مجلس أمنائها على جائزة نوبل للسلام العام الماضي، كمنظمة محترمة توفد وتتعاقد مع خبراء وباحثين محترمين، وتنتظر بالتالي تعاملا محترما من الدول التي توافق على استقبالها. “إذا كانوا رافضين لأن نجري البحث، ليش أعطونا ترخيص واستقبلونا في مكاتبهم. نحن قابلنا وزراء ومسئولين رفيعي المستوى في الدولة ولم نقابل سماسرة لا يمكن الوثوق بهم”.
 لم تستطع الدولة اليمنية أن تكون محترمة، وكأن هذا فوق إمكانياتها وطاقتها. فبعد أن انتهى بونفوا من إعداد التقرير في نسخته الأولية، قرر التوجه الى باريس لغرض إجراء مقابلة توظيف في إحدى الجامعات. في 17 أبريل الجاري، وبينما كان في مطار صنعاء، قام أمن المطار بإيقافه وأجروا تفتيشا على كاميرته وموبايله وكمبيوتره الشخصي مع كل الوثائق والمستندات بحوزته. ثم قاموا بنسخ كل شيْ وصادروا منه كتابين. “الغريب أن الكتابين لا علاقة لهما بالسياسة ولا بالتاريخ ولا بأي شيء قد يثير قلق أحد. كانا كتابين عن زبيد.. كتابين مصورين.. عبارة عن صور فقط”.
 “قلت لهم لماذا توقفوني وتفتشوني بهذه الطريقة؟ كان يمكنكم استدعائي في أي وقت قبل سفري وسأحضر فورا وأجيبكم عن كل الأسئلة التي تطرحونها. أنا أعمل بشفافية وكل ما أكتبه موجود على الانترنت بما في ذلك سيرتي الذاتية”. ويقول إنهم أجابوه بأنه لا توجد مشكلة وسمحوا له بالمغادرة دون أن يعرف سبب الإجراء الذي اتخذوه ضده.
 بمجرد خروجه من مكتب الأمن، اتصل بالمنظمة وأخبرهم بما حدث. في اليوم التالي، وجهت (ICG)، التي يتكون مجلس أمنائها من عدد من الشخصيات المعروفة عالميا ككوفي عنان والأخضر الابراهيمي، رسالة الى وزارة الخارجية اليمنية تستفسر عما حدث لبونفوا وتخبرها أنها حين اختارته للعمل على تقريرها اختارته بناء على معرفتها بأنه يحترم الثقافة اليمنية ومنفتح عليها ويتمتع بالحياد والتوازن. لكن الوزارة لم ترد حتى يوم عصر أمس، وقت إجراء هذا الحديث.
 وصل بونفوا باريس وأجرى مقابلته للحصول على وظيفة من 3 يتنافس عليها نحو 160 باحثا. حصل على الوظيفة رقم 3. وفي 20 من الشهر، توجه الى القنصلية اليمنية بباريس للتأكد من أن دخوله اليمن غير محظور. طلب تجديد تأشيرة دخوله وأعطوه على الفور: “خلال ساعة فقط ودون أي مشاكلـ”.
 بعد 3 أيام، سافر الى اليمن ووصل مطار صنعاء عند الثالثة فجر الخميس الماضي. وهناك، تلقى صدمة كبيرة: “منعني رجل بدا أنه من الأمن السياسي من دخول البلاد وقال إن علي العودة. قلت له إن لدي تأشيرة دخول من القنصلية اليمنية في باريس وأننا حصلنا على ترخيص لإجراء البحث. قلت له إنني قابلت أغلب المسئولين وإنه يستطيع الاتصال بهم هاتفيا للاستفسار عني. طلبت منه الاتصال بعلي الآنسي أو رشاد العليمي. لكنه رفض وقال لي: نرحلك أولا وبعدين نسألهم ونستفسر عنك (يضحك). سألته ليش وما هو السبب فرد بأن هناك قرارْ من فوق”.
 بعد أن يئس، طلب من رجل الأمن أن يسمح له بالاتصال بزوجته التي تنتظره مع طفلته البالغة شهرين في صنعاء كي يخبرها بما حدث له وأنه لن يتمكن من دخول البلاد. لكن طلبه هذا أيضا قوبل برفض قاطع. قال لي: “لا، غادر ولا تفكر بالاتصال بأحد. طردوني ورفضوا السماح لي بالاتصال بالسفارة الفرنسية وزوجتي كي أخبرها أيش حصل لي.. أردت أن أعرف سبب هذا الاجراء لكنهم أيضا رفضوا ذلك.. طردوني فقط مستخدمين القوة”.
 “بالنسبة لي، لو سجنوني كان أفضل لي. كنت على الأقل سأعرف ما هي تهمتي. وكنت سأتمكن من الدفاع عن نفسي ويتمكن من الدفاع عني آخرون. السفارة الفرنسية أو المنظمات الحقوقية أو زملائي وأصدقائي”. يضيف بونفوا: “هذا انتهاك ضد الحقوق الأساسية”.
  وهو انتهاك صارخ أيضا للدستور اليمني. فهو يكفل حرية البحث و”المواصلات البريدية والهاتفية والبرقية وكافة وسائل الاتصالـ” والمعلومات الشخصية للأفراد أيا كانوا ويحظر مراقبتها أو تفتيشها أو مصادرتها “إلا في الحالات التي يبينها القانون وبأمر قضائي”. ووفقا للفقرة (ب- 48)، “لا يجوز القبض على أي شخص أو تفتيشه أو حجزه إلا في حالة التلبس وبأمر (…) يصدره القاضي أو النيابة العامة وفقا لأحكام القانون”. وفي الفقرة (د) من نفس المادة، نقرأ: “عند إلقاء القبض على أي شخص لأي سبب يجب أن يخطر فورا من يختاره المقبوض عليه”. وتختتم الفقرة (ه) المادة الدستورية قائلة: “يحدد القانون عقاب من يخالف أحكام أي فقرة من فقرات هذه المادة كما يحدد التعويض المناسب عن الأضرار التي قد تلحق بالشخص من جراء المخالفة”. لكن مثلا أميركيا يقول: “لا تنظر الى ما يقوله المرء بل الى ما يفعله”. والدستور اليمني لا يفعل شيئا.
 لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فحين رحل الأمن اليمني الباحث بونفوا رحله إلى مصر وليس الى بلده، وترك هناك يتكفل بنفسه مسألة وصوله الى فرنسا. لم يحترم الأمن اليمني حتى مسئوليته في ترحيل غير اليمنيين من أرضه. “إذا قامت فرنسا بطرد يمني من أرضها، فلن ترسله الى مصر أو الى الهند بل الى اليمن. هذا بديهي ومعروف”.
 “كانت صدمة”، قال. يعمل بونفوا في اليمن منذ 8 أعوام ويقول إن هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها لصدمة بهذا الحجم. لقد طرد من اليمن بطريقة غير محترمة. وانتظر وصول زوجته وطفلته بعد 3 أيام كي يدلي بهذا الحديث، إذ كان قلقا عليهما. لقد غيرت هذه التجربة كل فكرته عن اليمن. “أنا أحترم اليمن كبلد وثقافة وناس. وكنت أحترم النظام أيضا لأنه يسمح بهامش ديمقراطي غير موجود في الكثير من البلدان المجاورة. ولهذا رغبت دوما بالعمل والبقاء في هذا البلد الذي أحبه وأحترمه. لكن الصدمة التي خرجت بها أوضحت لي صعوبة الاستمرار في اليمن. من الصعب العمل والحياة في بلد لا تشعر فيه بالثقة”. يقول إنه يعمل على زيارة البلد لفترة قصيرة كي ينهي بعض الأمور المادية الخاصة به التي تركها خلفه، لكنه لن يعود لغرض البقاء مطولا.
  كان تصرف الأمن ضد بونفوا صادما. فالباحث الفرنسي كان محايدا ومتوازنا في تقريره: “لم نوجه أي اتهامات الى أحد. على العكس، نحن طلبنا من المجتمع الدولي مساعدة الحكومة اليمنية في إعادة إعمار صعدة عبر تمويلها ماليا”. لكن تصرف الأمن
اليمني ضده كان سلوكا سلبيا سيؤثر على سمعة البلد كما يقول. ويرى أن هذا السلوك أوضح له جيدا عدم وجود أي تعاون أو تواصل بين الجانب الأمني والجانب السياسي داخل الدولة اليمنية وأن الأول مستقل ولديه الحرية بعمل ما يريد. وهذا لا يدعم ثقته بهذا البلد مجددا.
شيء عن لوران بونفوا
ينشر لوران بونفوا كتاباته حول اليمن في جريدة “لوموند ديبلوماتيكـ” وعدد من الوسائل الفرنسية والأوروبية الأخرى، وقد نشرت الصحافة اليمنية عددا من هذه الكتابات بعد ترجمتها الى العربية. ولديه مشاركات مختلفة حول اليمن في عدد من الكتب التي أصدرتها جامعة “كولومبيا”، إحدى أهم الجامعات الأميركية وعلى مستوى العالم ككل. وكان الباحث الشاب، المولود عام 1980، قد حصل على الدكتوراة في ديسمبر 2007 من “معهد الدراسات السياسية” في باريس، وهو أحد أرقى صروح الدراسات السياسية في أوروبا ويفوق درجة وأهمية الجامعات سيما في مجاله.
وقد عالجت الرسالة، التي حصل بونفوا بموجبها على الدكتوراة، موضوع السلفية في اليمن مقوضة الفكرة الراسخة والسائدة القائلة بعدم وجود فروق وتمايز بين السلفية هنا والسلفية في السعودية. بالنسبة الى لوران بونفوا، ليس السلفيون وفكرهم في اليمن مجرد نسخة من السلفيين وفكرهم في السعودية، وإنما هناك سلفية يمنية خاصة ومختلفة بمقدار خصوصية واختلاف طبيعة وظروف اليمن عنها في الجارة الكبرى.