الرئيس والوحش-محمود ياسين

الرئيس والوحش-محمود ياسين

نعتقد أن الرئيس لم يعد لديه سوى طلقة واحدة في مسدسه، وعليه التصويب جيداً في مقتل وإلا سيلتهمه الوحش. هذا بصدد قلقنا من غضب الجنوب، ومن مآل هذا الغضب تحديداً على أنهم بصدد عملية استقلال طويلة المدى. وأثناء ذلك كله نحلل معركة بين الرئيس والوحش، ونخوض في مزاج الرئيس وطبعه وكيف أنه ربما يستخدم “إبر مقوية” تبقيه يقظاً على الدوام… وندور في المربع ذاته بين رجل شارع الستين القوي وما يبدو وكأنه مشاكله الشخصية، مع أن الوحش يفترض به أن يلتهمنا جميعاً وقد يبقينا آخر الأمر مجرد شماليين يصدرون خمسين ألف برميل نفط يوميا وبدون سعودية نغترب فيها، على أساس أن المملكة حينها ستكون قد عادت إلى كامل عداوتها التاريخية، إذ لا يمكن أن ينفصل الجنوب بدون مباركة المملكة.
ونحن في أول الأمر وآخره نقوم بكل شيء بشرود تام.
 إننا ركام ردات فعل كائن بدائي يتألم، وما يحدث بيننا هو جلبة مجاميع تشعر بخطر غير قابل للتأجيل أو هو على الأقل لم يعد قابلاً للتأجيل. فنحن على عجالة أثناء تواصل الانثروبولوجيا وتفسيرات السياسيين ومفهوم التطور.
على مدى عشرين عاماً وأنا أسمع سياسة وتصرفات رجال أقوياء في اليمن، ويحضر على الدوام طرفان فقط: الرئيس، وإحدى مناطق اليمن. منذ المناطق الوسطى والجبهة مجرد منطقة. ورغم إيراد المتدينين لكلمة الخمر أثناء تحريضهم على الشيوعية أيضاً، إلا أن الأمر أنتهى أيامها إلى الجنوب؛ وشعر الناس في ريف إب، القريب من معارك الجبهة، بأنهم في خطر، ليس من الخمر والشيوعية، وإنما من جنوب فيه خمر وشيوعيية، وكأن الأخيرتين من طباع الجنوب، أو هما طبع منطقة مثلما هو “النخيط” من طبع “مطلع”. هل قام الناس أيامها بمفاضلة بين الخمر و”النخيط”، أو بين الشيوعيين و”الزيود”؟
أذكر أيامها أن أكثر الرجال ذهاباً وإياباً إلى إب وترديداً لاسم المحافظ واسم مدير الأمن، قد خلص إلى أن “الجنوب لو يبطل الخمر ليكون أفضلـ”. وبعدها بسنين طويلة كان الرجل ذاته قد أصبح تاجراً يترحم على يحيى مصلح محافظ إب الأسبق، وفي كل مقيل يعجب بصدق علي سالم البيض في خطاباته، ويردد: “ما ذلحين، يا يافع غيري على الشوافع”. يحضر الجنوب الآن ضمن السياق ذاته.
حتى عند النخب، التي تشبّه حمود صالح في إشادته بالبيض على أنه تعريض حصيف بالرئيس، وأثناء ذلك هي مسألة وقت (ما ذلحين) حتى تقوم يافع بإنقاذ حمود صالح.
وبالعودة إلى النخب، كالأحزاب على وجه التحديد، يحضر الجنوب باعتباره شيئا لا أحد يدري كيف يمكن استخدامه أثناء أحداث جلبة مع الرئيس.
لا يتمنى الذاهلون جميعاً لو بيدهم الخبرة لاستخدام منطقه ضد وفي وجه واقع اجتماعي سياسي، ولكنهم يودون لو يستخدمون الأمر في وجه “ورطة رئيس” لم يعد ذلك اللاعب التوازني المعروف.
الجميع شركاء في هذا التواصل الضاج خارج الحالة، وبما يقود آخر الأمر إلى أنه لم يعد كافياً أن يقوم الرئيس بالتخلص من مراكز قواه. فالجميع يدرك أنه أكثر يقظة من التخلي عن منابع قوته (الذهنية على الأقل)، فهو يشبه معارضيه تماماً وضماناته هم رجاله المخلصون ولا شيء آخر. مثلما هو الحال في ممارسة السياسة على جملة معايير تاريخية يمينية لها علاقة بالرجالة والإخلاص وما شابه.
ولا يعتقد رجل أو كيان سياسي أو كاتب علاقته بالمعارضة لا تزال إلى الآن جيدة، ولا أنا أيضاً فكرت على نحو جدي بمنأى عن قوة طباع أهل المثلث بين عدن والضالع وأبين… وأقول إن أحداً من الأحزاب لم نراكم أدوات ماكينة سياسية تعمل بطريقة صارمة رتيبة، فالماكينات بلا موقف من المناطق، ولا تكن مشاعر ما للرجال الأقوياء. الخبرة غالباً لا تعول على حنكة الرجال ولا على اليوم الذي ستضحك فيه عليهم. إنها تعمل كما هو حال خبرات المجتمعات التي تنتج مؤسسات وحالات عصية على التدخل، وتبقى تلك الحالات ضامنة للحد الأدنى من بنود الاتفاق الأساسي الذي هو ثورة أو وحدة أو وضع لم يعد أحد في العالم يعيش بدونه.
لقد بدأ شباب الجنوب يحملون السلاح. وكتب نايف حسان يحذر من تفاقم شكل التعبير عن رفض وضع خاطئ إلى المرحلة التي ينبغي على الجميع فيها القلق بشأن حياتهم.
ومن ضمن الردود التي حصل عليها نايف أنه كتب الموضوع بوعي شمالي وأكد له البعض أنه لايزال ذكياً، وردود أخرى تدور حول مزايا نايف، وأحدث المقال علاقة جديدة على قدر من الأهمية بين كاتب ومنطقة – وستدور أغلب تساؤلات الناس الآن وفي فترة طويلة عن العلاقة بين الرئيس والجنوب، وستبقى تشغلهم كثيراً.
إنه نوع من تثبيت إحداثيات نمط من التفكير يخط لليمنيين وجهة ذهنهم وكأن هذا التاريخ مستميت تماماً في البقاء على قيد الحياة دون أن يسمح لشيء آخر بالتدخل.
وكنت قد ذكرت أن دول العالم التي تعيش أوضاعاً سوية على الأقل قد قامت مجتمعاتها بإنجاز خبرة الحفاظ على حالات وأوضاع لا يمكن العيش بدونها.
نحن مستعدون للتخلي عن كل الضمانات كما يفعل المتألمون أو مهتبلي الفرص الذين يذكرون مكان الميلاد ولا يعرفون شيئاً عن العالم السياسي غير الرئيس.
وغالباً ما يقترح الشارد نوعا من المقويات والإبر أثناء إبداء دهشته من تماسك رئيس لا بد وأنه “يستخدم تلك المقويات” من يطلب من الآخر الاعتماد على بنى سياسية ثقافية وحالات تم خلقها مؤخراً.
هل على الأحزاب أن تطلب ذلك من الرئيس أو يقوم الرئيس بمناشدة المثقفين والمنضرين إنجاز تلك البنى الثقافية والسياسية، وهل حدث في التاريخ أن قامت الأمم المتحدة مثلاً بتقديم بنى ثقافية وسياسية لشعب متضرر أم أن الأمر سيبقى هكذا مطلب كاتب يريد بنى ثقافية سياسية ممكنةً لايمكنة تحديدها.
 إذ لم تعد تعددية فترة ما بين الوحدة وحرب 94. حالة يطلب أحد البقاء عليها ذلك أن تلك الفترة كانت علاقة بين رئيس وجنوب اشتراكي فيه معسكر العند. أما وقد أصبح الأمن بين رئيس وجنوب أعزل وفقاً لمحاذير الرئيس التقليدية التي لا تخشى غير المعسكرات.
إذ أن قوة الاعزل الغاضب يبقى مجالها التأثيري خارج آليات عواطف الرئيس وشعوره بالخطر. وهذه واحدة من رهانات بعض خصومه الذين يكنون لأداءات الخلايا وإعلام الاحتجاج تقديراً عالياً له علاقة بالخبرة الحزبية، ولا شأن له بقدراتهم السياسية.
ومجدداً لم نراكم ثقافة سياسية من نوع ما، ولم يتمكن حتى ألد أعداء الرئيس من خلق بذرة حالة استقرارية تبقى بمعزل عن تأثير الرئيس ووضعه النفسي. ربما سيتمكن الناس في تلك الحالة من إخراج اللصوص من أراضيهم المنهوبة دون الحاجة لوحش.