الحكومة تجاهلت الواقعة والمتطرفون يحاولون استمالة الرئيس.. هدم منزل في الحصبة

الحكومة تجاهلت الواقعة والمتطرفون يحاولون استمالة الرئيس.. هدم منزل في الحصبة

اليوم بداية أسبوع آخر يمضي على هدم وانتهاك حرمة بيتين مأهولين بالسكان وإعدام كل مقتنياتها من أثاث ومتعلقات شخصية، إضافة إلى حرق سيارتين من قبل متطرفين مختلفين يرون في “الغيرة على الدين” شرعنة لتطبيق شريعة الغاب والانتصار للدين على حساب حقوق الآخرين، وقبل كل ذلك فإنهم يجهزون بفعلتهم تلك على مؤسسات الدولة الحاضرة الغائبة في القضية. ورغم ذلك ما زالت القضية تدور حتى اللحظة حول نقطة واحدة تنكب عليها النيابة ولجنة مجلس النواب: هل مزق أحدهم المصحف؟ وبعدها لا شيء يهم من التفاصيل.
مجلس الوزراء، الذي اجتمع بالأمس، لم ير ما يستحق في القضية لنقاشها في جدول أعماله، فنائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن في السعودية ووزير الداخلية تغيب لمهام أخرى، وذلك كان كافيا بالنسبة للحكومة لعدم إدراج الموضوع في جدول أعماله، غير أن الناطق الرسمي للحكومة حسن اللوزي طمأن سائليه فالقضية تحتمل التأجيل، وستبحث الأسبوع القادم، ولم ينسَ تأكيد أن ما جرى في حي العنقاء بالحصبة كان خارج النظام، مؤكداً أن أي تصرف يفترض أن يتم وفق الشرعية والنظام والقانون.
وفي ظل صمت مريب من قبل منظمات المجتمع المدني، تحرك البرلمان العقيم، ليشكل لجنة تنظر في نصف القضية على ما يبدو، بدافع الغيرة على الدين ذاتها التي انتهكت بها حرمة الدولة والمواطن، فالتحقيق يبدو أنه فقط يتجه لتأكيد حادثة تمزيق القرآن.
وفي حديث إلى “الجزيرة نت” قال عضو لجنة تقصي الحقائق البرلمانية، النائب الدكتور غالب القرشي، وزير الأوقاف والإرشاد الأسبق، إن المؤشرات تفيد بأنه ثبت فعلا قيام الشخص المتهم بتمزيق نسخة من المصحف الكريم، واعتبر الحادثة “خطيرة” بالرغم من كونها حالة نادرة في اليمن، لكنه في الوقت نفسه أبدى ارتياحه لما أسماه “غيرة الناس الكبيرة على كتاب الله”. هو كان يأمل أيضاً أن تسارع السلطات الأمنية والشرطية إلى حصر القضية وإلقاء القبض على المتهم قبل قيام الناس بهدم منزله وإحراقه. أما الجزء الأخير من القضية فهو مجرد ردة فعل مبررة بالنسبة للقرشي المحسوب على الجناح الإخواني المستنير في حزب الإصلاح.
مجلس النواب أقر، السبت، تشكيل لجنة خاصة لمتابعة إجراءات وزارة الداخلية والأجهزة المعنية إزاء اتهام مواطن بتمزيق المصحف وإهانته. حتى هنا يكون المجلس منطقيا، غير أنه على ما يبدو يشرعن لما بعده، فالتحقيق سيشمل ما تلا ذلك من ردود أفعال “غاضبة” من قبل أبناء الحارة الذين أقدموا، الأربعاء الماضي، على إحراق وهدم منزل عبدالملك البيضاني المتهم بإهانة المصحف، وأيضا التحقيق في اعتقال الأشخاص عقب إحراق المنزل.
شكلت لجنة من النواب غالب القرشي (قيادي إصلاحي)، أحمد عبدالرزاق الرقيحي (نائب مؤتمري وخطيب الجامع الكبير بصنعاء القديمة وجامع الصالح)، وعبدالله حسن خيرات (نائب وفقيه مؤتمري)، ومحمد عبدالله القاضي (نائب عن الحزب الحاكم). وأثار القضية في المجلس نائب قل أن يناقش: عبدالرحمن المحبشي، الذي اعتبر حادث إهانة المصحف وتداعياته يستوجب الوقوف إزاءه بجدية، ومطالبا أيضا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الأشخاص الذين تم اعتقالهم على ذمة إحراق وهدم منزل المتهم بإهانة المصحف. ولم يفوت النائب محمد الحزمي هذه الملحمة ليؤكد أن غياب الأجهزة المعنية هو ما دفع المواطنين إلى إحراق منزل المتهم بإهانة المصحف، وخاض الملحمة أيضا القاضي احمد الرقيحي الذي دعا إلى الوقوف أمام الحادث بجدية ودون توان، معتبراً الإساءة للمصحف ارتداد عن الإسلام.
مجلس النواب، الذي لم ينته بعد من ملحمة استجواب وزير العدل في ظل ما يحسبه عجزاً عن إطلاق نائب برلماني معتقل، يخوض ملحمة أخرى بدافع الغيرة على الدين أيضاً، غير أن أعضاءه لم يكلفوا أنفسهم التفكير بسيادة الفوضى وانتهاك الدولة، إذا وصل الأمر حد أن يلجأ كل فريق لتنفيذ العقوبة بنفسه، كما يحدث منذ بضعة عشر عاما في الصومال وحتى الوقت الراهن، على أن بعضاً من الغيرة على مؤسسات الدولة وحرمة المواطنين وحقوقهم وأموالهم وأعراضهم، لا تعني بالمطلق التعارض مع مقتضيات الغيرة على الدين.
تستمر التحقيقات في القضية في جانب واحد كما سبق حتى في النيابة التي تسرع بإجراءات محاكمة المتهم بتمزيق المصحف عبدالملك البيضاني، ورغم تواتر المعلومات عن عدد المعتقلين على ذمة هدم المنزلين التابعين لأسرة البيضاني، إلا أن التحقيقات مع المتهمين تراوح مكانها، وربما تؤول إلى موضع رفع العتب، خصوصاً بعد إطلاق سراح عدد من المتهمين، وقلة عددهم رغم أن مالكي المنزل قدموا أسماء عديدة يتهمونها بالتحريض والشروع في الهدم. ويستنفر الطرف المعتدي على أملاك البيضاني كل مقدراته الدينية والقبلية للتأثير على سير القضية. وذكر موقع “نيوز يمن” الإخباري أن خطيب جامع العنقاء، نبيل العنسي، قال إنهم التقوا بالشيخ صادق الأحمر وشرحوا له أسباب لجوء الناس لهدم المنزل، وأن الشيخ وعدهم بالتواصل مع الأجهزة الأمنية لإطلاق سراح الشيخ محمد الوادعي، أبرز المتهمين في القضية من قبل البيضاني، ويبدو أن محاولات حثيثة تبذل لاستمالة رئيس الجمهورية إلى صف الغيورين، وما زالت الأخبار غير مؤكدة عن موقف الرئيس حتى اللحظة.