عنقاء الحَصَبة أم شنقاء الغَضَبة؟! – اسكندر شاهر سعد

عنقاء الحَصَبة أم شنقاء الغَضَبة؟! – اسكندر شاهر سعد

كلنا بات متيقناً من أن انتقال بلادنا من السلطة إلى الدولة هو أمر يشبه كثيراً انتقالها من الحكم الإمامي البغيض إلى النظام “الجمهوملكي” المريض. من هنا قد لا يكون محل دهشة اليمنيين متابعتهم أو حتى مشاهدتهم حفنة من المتطرفين الملتحين وقد أخذتهم العزة بالإثم وقرروا تحت تأثير فتوى زندانية (مستترة) القيام بحكم قصاص لم نسمع عنه في شرعة محمد (ص) ولم يرد في العهدين القديم والجديد، فلم يكن قد تم اختراع “الشّيولـ” عندما كان الإمام الشافعي يسطّر كتبه ويدوّن اجتهاداته الفقهية، ولم يخطر ببال ابن تيمية أن يمنيين في القرن الحادي والعشرين سيستعملون مخترعات “نصرانية” في حرق بيوت المسلمين وهدمها فوق رؤوس ساكنيها.
كان واضحاً حجم التخلف الذي يقبع في رؤوس هؤلاء وحجم تأثير الفتوى التي أنكرها مكتب الزنداني ويثبتها عقل أي مؤمن رأى أو سمع عن الحادثة المريبة في قلب العاصمة وفي حي ينبغي تحويل اسمه على إثر الواقعة من عنقاء الحَصَبة إلى شنقاء الغَضَبة.
التُّهم التي جُمعت من كل حدب وصوب كفيلة باستباحة دم هذه الأسرة، ولكن من قبل قضاء عادل ونزيه ومستقل لم نحصل عليه بعد منذ أكثر من ثلاثة عقود، وعدم حصولنا عليه لا يشكل ذريعة لأحد أن يقوم بفعل شنيع كهذا إزاء مزاعم لم تثبت بعد وأكثرها جرأة على الدين، وهي تمزيق المصحف الشريف ودوسه، ملأى بالمتناقضات حيث تقول الرواية إن المواطن عبدالملك البيضاني قد قام بهذا الفعل في المسجد وتحدى أحداً من المصلين ومرتادي المسجد أن يقوم بسحب أوراق المصحف من تحت قدميه، وهذا النص الروائي الدرامي المثير يشبّه لنا هذا المواطن بفرعون ثم يُحبس فرعون في يوم وليلة وتتم عملية حرق بيته وهدمه وحرق سيارتين تابعتين له وحبس أمه وأخيه في وضح النهار وأمام الملأ وعلى مرأى العسكر. هكذا على هامان يا فرعون.
مذ قرأت عن الحادثة وأنا أنوي الكتابة تعليقاً على ما حصل بقراءة عقلية أولية، ولكني آثرت التريّث حتى أقوم بسماع الرواية النقيضة التي كنتُ على يقين بأني سأتابعها في وقت قريب وهذا ما حصل بالفعل، فجاءت رواية صلاح البيضاني أحد المُعتدى على أملاكهم والذي أدلى بها لصحف ومواقع يمنية وهو يجهش بالبكاء مناقضة تماماً وتكشف عن ملابسات من الواضح أنها مرتبطة بمتنفذين على عدة مستويات.
الجدير بالملاحظة وهو أمر متروك للتحليل والربط هو أن التقرير الذي تداولته الصحف والمواقع عن الحادثة إثر وقوعها قد جاء على ذكر عديد مفارقات ومنها أن المرأة (مكية) تدير شبكة دعارة وتتاجر بالمخدرات وأنها تهدد بتحويل المسجد إلى مرقص، وأنه سبق أن طلبت مقاضاة الزنداني في عام 94، ولم يتم الإشارة إلى القضية التي كانت تريد مقاضاته فيها. كما احتوى التقرير على ذكر الزنداني مرتين، هذه واحدة، والثانية أنه يُعتقد أن المتشددين قد قدموا من جامعة لم يُذكر اسمها ولكنها جامعة الإيمان التابعة للزنداني كما هو واضح وأنهم استندوا على فتوى أصدرها الشيخ بهدر دم هذه الأسرة.
ليست هذه المرة الأولى التي يحضر فيها اسم الشيخ الزنداني في عمليات وحوادث من هذا النوع فلاتزال الذاكرة تحتفظ بقصة خطف واغتيال الشهيدة لينا مصطفى عبدالخالق وارتباط اسمه بهذه القصة التي ذهبت إلى مجاهيل لا يسمح لنا بفك طلاسمها وإذا أراد أحدنا فعل ذلك حكموا عليه بالجلد والحبس. ولا أقول إن هذه الحادثة غير مسبوقة فهناك عشرات الوقائع المشابهة على امتداد الوطن إلا أن واقعة بهذا الحجم تحصل في قلب العاصمة وعلى بُعد مئات الأمتار من دار الرئاسة وعلى بُعد عشرات الأمتار من ديوان المشيخة الحاشدية يعطيك صورة واضحة وفاضحة لبلد لا يتمرأى بالصومال كما قال الكاتب الكبير الصديق منصور هائل بل إن الصومال سيتمرأى به خاصة إذا تنبهنا إلى حقيقة أن أحداً من ديكتاتوريينا لم يصل بعد إلى قناعة بأن مدة صلاحيته قد انتهت وأنه بات من المتوجب عليه الرحيل كما فعل سياد بري، ولعلهم -عوضاً عن الرحيل- يعدون العدة لأن يغلقوا المطارات والمنافذ البرية والبحرية ويتحولوا إلى أمراء حرب ويجعلوا من أرض الوطن كلها أرض سواد كتلك المسماة أرض السواد وتقتتل فيها وعليها (بسوس) حاشد وبكيل وتدور رحاها دون أن يكترث إليها أحد كما لو كانت مسابقة ماراثونية أو ستاد رياضي يمارس فيها المبندقون هواياتهم المفضلة.
أخيراً، فإنه إن كانت هذه الحادثة تنتظم بنحو أو بآخر مع نشاط وثقافة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نسختها اليمنية الشوهاء أو “الأمر بالمصروف والذود عن العسكر” كما أسميتها في مقال سابق، فمعنى ذلك أن على اليمنيين ألا يحلموا ببيت الأحلام ومن يمتلك داراً فليقم ببيعه سريعاً سريعاً لأقرب إمام مسجد تتويجاً لسلسلة مساجد الصالح. وذلك قبل أن يتحول الدار إلى كابوس مفزع شأنه شأن كل أحلامنا التي تحولت إلى كوابيس وفي مقدمها حلمي “الجمهورية” و”الوحدة”.
[email protected]