إنجاز تراثي مهم – عبدالباري طاهر

إنجاز تراثي مهم – عبدالباري طاهر

أصدرت الهيئة العامة للآثار والمتاحف مجلدين يوثقان للحرف اليدوية في مدينة صنعاء، وهو المشروع الضخم الذي موله الصندوق الاجتماعي للتنمية.
قام فريق البحث بمسح الحرف الحية والمندثرة. وهناك فريقان أنجزا هذا المشروع الرائع: الفريق الوطني فريق البحث برئاسة الباحثة أمة الباري العاضي ويضم: أمة الرزاق جحاف وعبدالقادر الشيباني وزيد الفقيه وابراهيم الحديد وجمال رجاء وعبدالعزيز ابراهيم ومرزوق الويس وهند عطشان. وهناك الفريق المتدرب والمشارك من أعضائه. الاستاذة فاطمة جبران.
المجلدان الفخمان يشتملان على مقدمة للمسح الميداني والتوثيق والبحث، ثم تدوين وتوثيق للحرف التي شهدتها مدينة صنعاء في مراحل زمنية متعاقبة. معروف أن المدينة، التي كانت في الماضي القريب ورشة للصناعة والحرف وبستاناً كبيراً، قد اختفت الزراعة من حولها أو كادت بسبب انتشار البناء الاسمنتي العشوائي. كما أن الصناعة قد تراجعت، واختفت العديد من المهارات والخبرات الفنية التي وسمت الحضارة اليمنية وأخذت صنعاء تسميتها منها.
لقد استطاع الفريق النزول الميداني إلى الاسواق، والالتقاء المتكرر والدائب بأهل هذه الحرف، وإجراء المقابلات معهم، ومعرفة أسرار الحرفة وتدوينها وأخذ صور لها. يقع المجلد الاول في مئتين وست وخمسين صفحة قطع كبير، ويحتوي على الحرف التالية: الفضة، العقيق، وحرفة المباني والعسوب والدباغة وحرفة الأحزمة والمحازق والمنقالة والحباكة. ويقع المجلد الثاني في 58٦ صفحة قطع كبير ويضم الحرف والصناعات الآتية: الحياكة والصباغة والأزياء وأحزمة العسوب ونشاط الجمعيات الحرفي، إضافة إلى النجارة والمكاييل والمغالق والحدادة والمواقد والمناخل وحرفة النحاس والقمري (القمريات) والمدايع وأدوات العزف الصنعاني والزيوت والمعطارة والمخبزات، وهو مزدان ببلوغرافيا للمراجع والنتائج والتوصيات أن مثل هذا الجهد لا ينبغي أن يقف عند تخوم التوثيق بل لا بد وأن يتزامن مع ارادة فتية لاعادة إحياء الإرث العظيم الذي قامت به وعليه الحضارة اليمنية. فهذه البلاد التي دبغت الجلود وحاكت البرود، وصنعت السيوف والدروع وساست القرود، قد صنعت في الماضي حضارات أشادت بها الكتب المقدسة، وبالاخص القرآن الكريم، وسجلتها الحضارات المعاصرة حينها. والجميل أن ذاكرة الناس لم تهمد فما تزال تختزن الكثير من هذه الصناعات والحرف، وإذا ما توجهت الدولة والجمعيات وجهات مانحة لإحياء كنوز الحضارة اليمنية فهو اجدى الف مرة من طرق الابواب المغلقة هنا أو هناك.
 وقد تضمن الكتاب الزاهي تحية للصندوق الاجتماعي للتنمية وللوزير الثقافة والهيئة العامة للآثار ولأشخاص عديدين ساهموا في إنجاز مهمة هي الأولى من نوعها.
وحبذا لو توسع الجهد إلى مشروع قومي لصون الآثار وحمايتها في اليمن كلها. فهذه البلاد تمثل متحفاً أثرياً وتاريخياً. فليس هنا من جبل إلا وله ذكر ولا قرية إلا وتحمل اسماً منقوشاً في ذاكرة التاريخ، وللسدود واحجارها مآثر، ولكن غياب الوفاء لكل شيء وأي شيء هو أخفاء حضارة هذا البلد.
تتحدث مقدمة الكتاب عن أن الانسان يقف أمام نفسه لاستحضار التاريخ والهوية اليمنية الضاربة في عمق الحضارة الانسانية يستشعر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهو يقف أمام المدخلات الحديثة للوضع المتردي. كما تتحدث الافتتاحية عن سوق صنعاء الذي يعد من أقدم وأهم الاسواق في الجزيرة العربية، وإليه يعود الفضل في بقاء المدينة حية، بل وفي بقاء شعلة الذاكرة الحضارية متقدة تحت الرماد، تزدري الثقافات البدائية والمنحطة: الاعمال اليدوية والزراعة والصناعة والحرف، وتنظر اليها بكراهية واحتقار. والواقع أن ظهور الديانات كلها قد ارتبط بالتطور العام في الحياة، وفي مقدمتها التجارة وازدهار الاسواق فبازدهار التجارة والاسواق والحرف والصنايع تزدهر الثقافات والمعارف كلها. وقد كانت مكة قلب الايلاف. وكانت اليمن، وصنعاء في الاساس ومدن فلسطين ودمشق في الجانب الآخر من رحلة الايلاف: أحد المرتكزات الاساسية لظهور الاسلام.
يعكف حالياً الفريق الذي مسح ووثق الصنايع والحرف في صنعاء على مسح وتوثيق الحرف في زبيد. وزبيد هي الاخرى منجم مهم من مناجم الحرف والصنايع، فقد شهدت في العصور الوسطى ازدهاراً زراعياً وصناعياً وحرفياً ومعرفياً امتد إلى مختلف مناطق اليمن والبلدان العربية وشرق افريقيا ومناطق في آسيا.
وميزة اليمن أنها أشبه بورشة عمل يجري فيها تقسيم العمل، فكل منطقة تشتهر حرفها وصناعتها بخصائص وسمات معينة.
وكتاب «نور المعارف» الكنز الذي اكتشفه الباحث محمد عبدالرحيم جازم، قد دوَّن العديد من مفردات زبيد في ماضيها في العهد الرسولي.
من يقرأ كتاب «نور المعارف» المجلدين الضخمين، يكتشف منذ الوهلة الاولى أن اليمن في مطلع القرن السابع الهجري قد امتلك دولة بكل المعاني، وبمقومات الدولة، وبأفضل من دولتنا الحاضرة- إن صح تسميتها دولة. فقد كانت الدولة الرسولية تشرف على نظام الري، وعلى استيراد الاشجار النادرة والمثمرة، وعلى الصناعات والحرف بما فيها اعواد الطرب، ومختلف الحرف وشؤون الحياة، والمواصلات وأجور النقل.
لا شك أن مشروع صندوق التنمية خطوة اولى بالاتجاه الصائب، لاستعادة جزء أساس من الذاكرة الحضارية اليمنية. وكم نتمنى أن يمتد هذا المشروع إلى مختلف المدن اليمنية التي احتضنت هذه الصناعات ورعتها. كانت اليمن أول دولة تكسو الكعبة، وسجي الرسول الكريم ببرد يمني عند وفاته وقد كانت ملابس الصحابي الجليل أبي موسى الاشعري الذي وفد من وادي الحصيب: التسمية القديمة لزبيد مثار إعجاب الصحابة والرسول الكريم.
وإشارات القرآن الكريم بالغة الدلالة: (واوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم). أليس فاجعاً أن يكون ماضي اليمن أفضل من حاضرها، وأن تزدهر السدود والمدرجات وقنوات الري والصهاريج والكرف والصناعة والحرف والنحت والتماثيل والنقوش والعمران والمعابد والمحافد.. في حين نعجز عن حمايتها والحفاظ عليها!؟