اتحاد الأدباء والحكمة ودور متجدد- عبدالباري طاهر

اتحاد الأدباء والحكمة ودور متجدد- عبدالباري طاهر

كثيراً ما كتب وردد الأستاذ الجليل عالم الدين المستنير وأحد خريجي الأزهر في ثلاثينيات القرن الماضي، المفكر الهيجلي، علي ناصر العنسي، أن الحضارة اليمنية حضارة حياة. قراءة بدائع السدود وزبر المدرجات في الجبال، وأحجار صهاريج عدن لخزن المياه، وعبادة الشمس «وجدتها وقومها يسجدون للشمس… الآية» شاهد «عبادة نفع عميم» وحتى عبادة الشعرى «وأنه هو رب الشعرى… الآية» وسهيل، حسب المعابد الفرعونية، باعتبارهما هاديين للسفن المبحرة ليلا، وعلائم أو آلهة للخصب، سبقت إلى التوحيد، ذو سموي، عبادة الرحمن، واليهودية والمسيحية والإسلام.
مصر هبة النيل في قراءة نافذة لجمال حمدان رأى أن هيرودوت كان جغرافيا قبل أن يكون مؤرخا، حين قال إن “مصر هبة النيل وهدية النهر”. وكان الكهنة يذكرون دائما للمسافرين الأجانب والإغريق أن المستنقعات كانت تغطي كثيرا من الدلتا. أي أن التعبير بالتقريب يبدو قديما ومحلي الجذور. ولعله ليس من المستبعد تماما أن يكون هيرودوت قد صك مقولته الجغرافية الشهيرة من وحي التراث المحلي السائر بين الكهنة والفلاحين، والفلاح كما يقول: “لا بلاش جغرافي أو جيولوجي بطريقته الخاصة”. وعلى الجانب المقابل، وبين قوسين، فقد كان جوبليه -لا شك- مسرفا في المبالغة أو مبالغاً في التشبيه حين قال إن “بريطانيا هبة تيار الخليج كما أن مصر هبة النيلـ”. فحتى النرويج على دينها الأكبر للتيار ليست هبته إلا بمقدار ضئيل بالقياس إلى دين مصر للنيل.
أما اليمن فهبات عديدة ومتنوعة. فعدن هبة البحر ودلتا أبين، وحتى تسميتها آتية حسب المعنى من النهر والبحر معا. ومأرب هبة السد الذي خلق أرض الجنتين عن يمين وشمال، حسب القرآن الكريم. حضرمع ورسيان رموت والجوف هبة قوافل التجارة وتوسطها في نقل هذه التجارة. وظفار البنت البكر للثمانين السد التي تنزف الماء سائلا حسب الهمداني. أما تعز “تموز” إله الخصب كقراءة بدر شاكر السياب فهي بنت المطر، شأن إب وحجة ووشحة وأبها والطائف. أما تهامة فابنة وادي خلب ومور وسردُد وسهام والمحط. فاليمن هبة البحر والأمطار والوديان والمدرجات الزراعية والحرف والصناعات التي صنعت اليمن وصنعها. فهو المخلوق والخالق في آن.
أما صنعاء فاسم يكفي للدلالة على كونها هبة الصناعة. وصعدة التي اشتهرت في الماضي بـ”جماع” هي هبة دباغة الجلود وصناعة النصال والحديد، وبعد الإسلام الأرض الخصبة للفكر المعتزلي والزيدي، تنوع وتعدد منابع وروافد ومنابت الحضارة اليمنية، وكونها حضارة حياة كرؤية ناصر يتطلب ترافد هذه العوامل وتساندها، فلم تنهر الحضارة اليمنية إلا بتفرق أيدي سبأ، «ومزقناهم كل ممزق»، «وقالوا ربنا باعد بين أسفارنا»، «وجعلناهم أحاديث»…
فاليمن هبة امتزاج وتلاقي البر والبحر والمحيط. موقعها الوسط ووساطتها في نقل البضاعة بين الشرق والغرب، ومن ثم الأفكار والمعتقدات والتأثر والتأثير، قد أعطى لها هوية غنية ومتنوعة ومفتوحة على العالم.
انهيار الحضارة دائما ما يرتبط بالعزلة والانكفاء إلى الداخل، وعدم الإبحار إلى العوالم المختلفة، لكأن اليمن لا تحيا ولا تعيش، بل لا تكون، إلا بالتلاقي مع العالم والتلاقح مع التيارات الفاعلة والحية فيه.
في قراءة مائزة للدكتور أبوبكر السقاف، والأستاذ عبده علي عثمان، في سياق ردهما على كتاب محمد مصطفى الشعبيني “اليمن: الدولة والمجتمع” يشيران إلى “التاريخ الواعي لليمانيين المتحضرين قد تغلب على عوامل الحتمية الجغرافية منذ قرون متكاملة قبل الميلاد. فحضارة سبأ نفسها تدل على وجود تاريخ طويل وراءها هو الذي صاغ حتى الوحدة الجغرافية، لأن الوحدة هنا تُفهم على أنها تلك العلاقات التي يرتبط بها سكان السهول والجبال والنجود الوسطى، فالطبيعة في حد ذاتها تقدم “التحدي”، والإنسان هو الذي يصنع تاريخه “بالاستجابة” للتحدي والتغلب عليه، فما هو في ذاته عائق كالبيئة الجغرافية يصبح عامل وحدة. وأما الوحدة التاريخية فهي في غنى عن التعريف. ولا شك أن لحمتها وسداها تلك الوحدة الاقتصادية التي ربطت اليمن، كل اليمن، بعشرات السدود التي تقف إلى اليوم أعمدة أول السدود في مارب وأحجار آخرها في العرائس بلحج شاهدا عليها. (“اليمن الجديد”، العدد الثاني، السنة الخامسة الجزء، الخاص بالأسرة وكذلك الخاص بالقبيلة، كتبه عبده علي عثمان نقلا عن كتابات د. أبوبكر السقاف، مؤسسة “14 أكتوبر”- عدن ص 71).
الكتابة عن اتحاد الأدباء والكتاب يطرح أسئلة تمتد إلى عمق الحضارة والتاريخ اليمني، ويطرح أسئلة البدايات الباكرة للحركة الوطنية وتكويناتها الأولى.
ولعل الأحرار اليمانيين ودعاة التحرر والنهضة في عدن وحضرموت والمهاجرين قد طرحوا السؤال، وأجاب عليه الكثيرون منهم؛ أجاب عليه علي احمد باكثير بعشرات من المسرحيات والروايات والترجمات الداعية للإحياء، وأجاب عليه ابوبكر بن شهاب، ذو المواهب المتعددة، شعرا إحيائيا جديدا لا يقل أهمية وروعة عن الإحياء الشعري العربي عند أصحاب مدرسة أبولو، وضارع شوقي وحافظ وإسماعيل صبري والرصافي والزهاوي ومطران.
الروافد الكاثرة لازدهار الحضارة اليمنية تعطي ألواناً من الإجابات عن البدايات الأولى لنشأة الحركة الوطنية، باعتبارها امتداداً أصيلاً ومتطوراً وجديداً. في حضرموت أجاب ابن عبيد الله بلون زاه من الشعر التوحيدي بالمعنى السياسي، وأجاب الحامدي والبار بتجديد شعري يعبر عن تجديد أهم وأنبل وأروع ما في الحياة. والتجديد الشعري مظهر راق لإرادة وطموح التجديد في مختلف مناحي الحياة. وأجابت عدن ولحج بازدهار الأغنية الوجدانية المعبرة عن يقظة في الفن والوجدان والعقل.
الشيخ علي ابوبكر باشراحيل، وإبراهيم محمد الماس، وعمر محفوظ غابة، ومحمد جمعة خان، والقمندان، والجراش، وحامد عوض، وصالح الصنعاني، وطه محمد خليل، والعنتري، والأخفش، وجابر رزق، والسالمي… وحقا فإن عدن مدينة الثقافة والتفتح والحريات في الأربعينيات والخمسينيات كانت قلب الإبداع للجزيرة والخليج.
في اليمن عشرات الأودية ومئات وآلاف الروافد والمآتي والموانئ والمرافئ. لم تكن النهضة الحديثة المجهضة والمقاومة من صنع منطقة أو فئة أو شريحة أو مدينة واحدة. عود الطرب “الحرام” في صنعاء هز بنيان التخلف وأيديولوجيا الحرام، “وربش” ذهنية التفسيق والتأثيم، فكانت لحج وعدن مناطق الاحتضان والتخصيب والإبداع.
لعبت الأغنية العاطفية بمفرداتها وتراكيبها وأخيلتها دورا رائعا وتأسيسيا في بناء الهوية الوطنية الجديدة، وفي صياغة الضمير والوجدان والمشاعر اليمنية المتجاوزة لتخوم عصور انهيار الحضارة وعزلة الإمامة وسياسات الاستعمار.
كانت الأغنية رافدا ومعينا خصبا. وكان الشعر والإحياء والتجديد الشعري رافداً. ومن ينسى دور الصحافة العدنية، وبدايات لقمان، وقصص مسواط وباذيب ولطفي جعفر أمان، ودور الاتحاد العربي في الثلاثينيات، ومن ثم الجمعيات الثقافية القروية والنوادي الأدبية والصحافة العدنية، والروافد والمآتي الآتية من المهاجر الحضرمية وصحافتها حتى المخطوطة منها، دور “الأنة الأولى” للنعمان، وكتيبة الشباب الأولى في القاهرة: محمد علي الجعفري، والصافي والبيحاني والنعمان والزبيري؟!
وأسهمت صحف الأحرار في كارديف: “السلام” للمجاهد عبدالله الحكيمي، “الشورى” للمناضل الفلسطيني محمد علي الطاهر، و”الصداقة”. كانت مدافع الحربين الكونيتين ودويهما قد صمّت آذان موتى المتوكلية اليمنية، ودفعت بأبناء عدن إلى طرح أسئلة الحداثة والنهوض. بدأت “فتاة الجزيرة” 1940 ومن معطفها والصحافة العدنية ظهرت المقالة السياسية، والنقد الأدبي والرواية والقصة والمسرحية والقصيدة الحديثة. و كانت البداية الحقيقية في صنعاء، ديسمبر – يناير 1938- فبراير- مارس 1941. ظهرت مجلة “الحكمة اليمانية” في صنعاء لتكون بداية سيل عرم غمر الحياة الفكرية والأدبية والسياسية. وفي حقول “الحكمة اليمانية” ومشاتلها ووديانها غرس الأحرار النقد السياسي الجديد والمقالة الأدبية والنقدية والتفكير المدني الحداثي المستنير، والقصة الإحيائية، وتناولوا الأحداث والقضايا العربية والإسلامية والدولية. وإذن، كانت آثار “الحكمة” قد امتدت إلى ربوع ال26 من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر 62 و63، ولعب محرروها وكتابها الأشاوس دورا في ثورة 1948 الدستورية، ووعى الجاوي درس الوحدة من هذه “الحكمة” ومن تجربته الرائعة في مؤتمر الطلاب اليمنيين في القاهرة وفي درس الحركة النقابية العمالية الموحدة، ومن تجربة الرفاق الماركسيين في القاهرة، وتبدأ السيول تحتشد والأمطار تهطل وتأتي الآفاق القريبة والبعيدة: مصر، سورية، العراق، الهند، تركيا أتاتورك، الاتحاد السوفييتي، وقبله أوروبا…
قرأ باذيب، المفكر الماركسي الرائد، التحولات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية التي أحدثتها الحربان العالميتان، 1914 -1918- 1939-1945، على العالم كله، وعلى المهاجرين اليمنيين في مختلف أنحاء العالم. حينها كان الجسم اليمني الحي قد توزع بقاع الأرض أو انغرس فيها طالبا هربا من الموت. ونشأت ثروات بدأت غيولها تصب في أرض تتقاتل والعطش.
في عدن صدرت مجلة “المستقبلـ”. وكان المفكر الحداثي بكل المعنى عبدالله عبدالرزاق باذيب عمادها وسنادها. مثلت المجلة تحولا نوعيا عميقا وواعيا بالتغيير وحتمية وأهمية خلق وعي مختلف ومغاير. فتواجه الباذيب مع أستاذه عالم الدين المستنير محمد سالم البيحاني، أحد الموقعين على بيان كتيبة الشباب في القاهرة. وبدأ تحاور القديم والجديد، والذي من رحمه تخلقت عوالم فكر وثقافة وأدب أجد. كانت “المستقبلـ” ابنة عدن البكر التي تؤسس لتجاوز الفكر التقليدي وتمثل قوة دفع حقيقي باتجاه ثقافة وفلسفة وفكر وأدب العصر. درس المؤرخ د. سيد مصطفى سالم مجلة “الحكمة اليمانية” ولم تدرس حتى اليوم “المستقبلـ” دراسة وافية، كما أعتقد، فلتكن دراسة “المستقبلـ” مهمة اتحادنا للتحول الذي أحدثته أدبيا وفكريا وسياسيا.
درس الجاوي بعمق الصحافة النقابية في عدن، وازدهرت في عدن التيارات المختلفة. ومن المختلف يخلق أجمل لحن كتعبير هيراقليطس.
الصوى الأدبية نشأت باكراً في عدن: النادي الأدبي العربي الذي اقترح إنشاءه الرحالة والزعيم التونسي عبدالعزيز الثعالبي صاحب الرحلة اليمانية. ونشأت في المهاجر الحضرمية في جنوب شرق آسيا مع الصحافة المهجرية، وأنشئت في ذبحان وحضرموت، وحتى من حول قصر الإمامة في صالة. هذه الوديان العميقة والروافد والمآتي والمرافئ والموانئ القريبة والبعيدة كانت أساس بناء وتشييد اتحادنا مطلع السبعينيات. كان الاتحاد الرد العلمي الإيجابي لخلق مشترك وقاسم بين وطن تقسم بين احتلال تركي لشماله، واستعمار بريطاني لجنوبه، لما يقرب من قرن وثلث. ثم وعقب الحرب العالمية الأولى حصل الشمال المتوكلي على استقلال ميت.
كانت النقابات العمالية والأحزاب الحديثة والصحافة العدنية هي التي قادت الاستقلال في جنوب الوطن، ابتداء من الحرب العالمية الثانية، وكان لها التأثير الكبير على المعارضة في الشمال.
في البدء كانت الكلمة همس المحلوي في اللقاءات العامة واليومية. وكانت رسالة العلامة عبدالله العيزري للإمام بمثابة المانفيستو، ولعبت القصيدة الثائرة: ابن الأمير والعنسي والموشكي والزبيري وآل الإرياني والبردوني… بداية ربيع لا ينتهي.
وكانت الأغنية لابن فليتة والمزاح وابن شرف الدين وعبدالرحمن واحمد الآنسي والعنسي وجابر رزق وحاتم الأهدل والعيدروس والقمندان وغانم ولطفي والبار والحامدي… الطليعة الأولى لكسر الرتابة “والتمرد على المحرم”. فكان الشعر كله، فصيحا وعاميا، حكميا وحمينيا، في المواجهة والتحدي. منذ السبعينيات غدا التشطير وحشا كاسرا، ونزيفا دمويا بين الشمال والجنوب وداخل كل قطر على حدة. ومن جرح التشطير الدامي انتشرت فيروسات تحمل أوبئة فتاكة انهكت الجسم المعلول أصلا.
الشعر والقصة والرواية والمقالة والمسرحية، وحتى الكاريكاتور، تحولت إلى سلاح ضدا على التشطير.
أدرك الجاوي، كرفاقه الأدباء، أن المعركة ضد الرجعية والاستعمار في الأربعينيات والخمسينيات قد غدت ضد تركتهما (التشطير) ولم يستطع بريق أيديولوجيا الأممية أو القومية أو الإسلام السياسي أو مال الرجعية (البترودولار) ستر عورة التشطير ومخاطره على الثورة اليمنية شمالا وجنوبا.
بالأمس غير البعيد رفعت الجبهة الوطنية المتحدة في عدن، ورابطة الطلاب في القاهرة، والحركة النقابية العمالية والأحزاب الحديثة شعار الربط الجدلي والعميق بين التحرر من الاستعمار في الجنوب وإطاحة الرجعية في الشمال.
ورفع المفكر المهم عبدالله عبدالرزاق باذيب شعارا من أجل يمن ديمقراطي موحد كهدف رئيس لاتحاد الشعب الديمقراطي، أول تنظيم ماركسي في اليمن كلها.
قادت الجبهة القومية الكفاح المسلح، ووحدت اثنين وعشرين سلطنة ومشيخة، ولكن فرقعة السلاح امتدت إلى الداخل الذي غذاه خلافات الإخوة في الشمال وصراعات الإخوة الأعداء في مصر وسورية. اتخذ الصراع مدى أبعد، والصراع الذي كان من أجل السلطة غدا صراعا عليها، واتخذ شكل كرة الثلج. وغذى صراع المدن صراع الأطراف.
وفي لحظة من لحظات الصراع كان الصراع بين عدن وصنعاء هو صراع داخل عدن نفسها، وداخل صنعاء. فالمتصدون لحسم الصراع مع عدن “الشيوعية” في صنعاء يريدون الاستيلاء على الحكم في صنعاء نفسها، والعكس صحيح.
وكان الأدباء والمثقفون أكثر إحساساً وإدراكا لأبعاد هذا الصراع ومخاطره على الوطن وأبنائه. وكان الجاوي من الضمائر الحية والفاعلة التي دعت مبكرا إلى وحدة الأدباء كخطوة على طريق توحيد الوطن المشطور في البدء تشكلت لجنة تأسيسية.
بدأ الجاوي، ومن عدن، إصدار العدد الأول من مجلة “الحكمة”، 15 أبريل 71. كانت “الحكمة” الرئة النقية التي تنفس منها الأدباء والكتاب والمثقفون، رجالا ونساء، وفتحت صدرها لأقلام الأدباء والأديبات من مختلف مناطق الوطن المنقسم على نفسه. وكان الاتحاد عودة حميدة للتواصل الإبداعي والفكري بين التيارات والاتجاهات في اليمن عبر “الحكمة”: “الحكمة اليمانية” الأولى 1938-1941 أسست للاستنارة الفكرية والأدبية والسياسية وقذفت بحجر كبير في بركة نظام المتوكلية اليمنية الآسنة. وجاءت “المستقبلـ” 1949-1950 لتمثل قفزة كبيرة ونوعية باتجاه العصر والفكر التقدمي الذي مثله الأستاذ باذيب والأستاذ عبدالله فاضل فارع أول أمين عام لاتحاد الأدباء والكتاب. في حين كانت قصائد لطفي جعفر أمان طليعة التواصل مع القصيدة الرومانسية والحديثة والتأسيس لها.
أتت “الحكمة” الجديدة لتضع أمام الأدباء والمثقفين مهمة ترسمها افتتاحية/ افتتاحيات كتاب “الحكمة”: “كانت حكمتنا وما زالت تناضل من أجل الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف السامية، عن طريق الكلمة المسؤولة، الكلمة الهدف، الكلمة الفعل، الكلمة الموقف، كلمة ازدهار الثقافة الوطنية وتعميمها، كلمة حرية الرأي، وتوسيع نطاق ديمقراطية القضية الوطنية اليمنية”.
طرح الاتحاد عبر مؤتمره العام الأول مهاما متنوعة ومتعددة: نشر الإبداع والثقافة الوطنية، وتبني الجديد الأدبي والدفاع عنه.
أكدت “الحكمة” الجديدة على تقديم “الحكمة” القديمة بمحرريها وكتابها ودورها الكبير في نشر الثقافة اليمنية. يصف الجاوي: “إن حكمتنا الجديدة ستمضي في نفس الطريق، مراعية أيضا الظروف التاريخية التي نعيشها ونوع الثقافة السائدة في هذا العصر، على أن ثمة فرقا أساسيا بين الحكمتين من ناحية المهام الملقاة على عاتق هذا الجيل أو ذاك.. ونوع الكتابة والعصر”.
ف”حكمة” 1357ه قد صدرت في ظروف تاريخية استثنائية في اليمن كله، في مرحلة كان الحكم الإمامي يسيطر فيها على جزء من وطننا سمي حينها “المتوكلية اليمنية”، والجزء الآخر يحتله الاستعمار البريطاني في “عدن المحميات”؛ صدرت بعد حالة يرثى لها من الهزائم لشعب اليمن بعد احتلال عسير ونجران عام 1934 وتوقيع اتفاقية العمالة بين يحيى والإنجليز وضرب انتفاضات المزارعين بقسوة في العدين وتهامة عام 1928، في ظروف احتلال شبوة من قبل الإنجليز في عام 1939، وبالمقابل في ظروف اليأس التام من دفع الإمامة إلى طريق الإصلاح. كان خط “حكمة” الأمس هو النضال من أجل تصفية الحكم الإمامي البغيض، وتأكيد يمنية المناطق المحتلة من قبل الانجليز والحكم الرجعي السعودي.
وتبنت “الحكمة” هذا الخط، وسقط كل محرريها شهداء في سبيل الثورة ضد الرجعية والاستعمار. أما “حكمة” اليوم فلها قضية أخرى ووضع آخر. انتهجت الجهات المسؤولة عن “الحكمة” نهجاً يتفق وروح العصر في اليمن بالذات. وأخرجت المجلة معبرة عن رأي مجموع الكتاب والأدباء، مواكبة تفكير ومزاج وروح أغلبيتهم، والتي لا تخرج في أغلب الأحيان عن الشعر بقسميه والقصة والتاريخ والنقد وغيره من مجالات الكتابة المعروفة. على أن هذا لا يعني مطلقا أن أدباءنا وكتابنا لا يمارسون السياسة ولا يصارعون مع شعبهم، وعلى العكس فقد كانوا وما زالوا الطلائع الأولى لشعبهم في نضاله المجيد من أجل القضاء على الاستعمار والإمامة ومن أجل المضي في طريق الثورة والتقدم (العدد الثاني، السنة الأولى، 15 مايو 1971).
كان الاتحاد، منذ التأسيس، اتحاد مبدعين وكتاب ومثقفين، يهتم بالدرجة الأولى بالإبداع، حماية ورعاية ونشراً وتطويراً. وكان أيضا يهتم بالدفاع عن الحرية والرأي والتعبير. وكان الانغماس في السياسة وإعطاء الوحدة اليمنية أولوية في نضاله وافتتاحية “الحكمة” ونشر ملفات موقف الأحزاب من قضية الوحدة.
كان الاتحاد أول كيان نقابي موحد. ولليسار الماركسي حضور فاعل وقوي في التأسيس والقيادة، فهو البديل الأرقى للنضال بالكلمة والكلمة المبدعة شعرا وسردا في مواجهة واقع منقسم ومتقاتل، تسييسه الزائد قد يجد تبريره في خنق الحرية وتجريم التعددية السياسية والفكرية والحزبية، واعتبارها خيانة عظمى. فهو (الاتحاد) بمثابة منطقة أعراف بين منطقتين متحاربتين، ومساحة هدنة يسمح فيها النظامان الشطريان بالتلاقي والتحاور بطرق غير مباشرة، وتبرز فيها الأطراف المتحاربة وحدويتها وسماحها. فالاتحاد بمثابة معادل موضوعي عن وطن فقد توحد أمنه واستقراره، كان للانفصال أثره البالغ على الإبداع والمبدعين وشطر الثقافة الوطنية، وكان مصدر صراع شبه يومي دام ومدمر.
في ال22 من مايو 90 تحققت الوحدة اليمنية المهمة الأساس لنضال الاتحاد وقيادته لعقدين من الزمن. كانت الوحدة إنجازاً وطنياً عظيما، خصوصا وقد تحقق عبر الحوار السلمي الديمقراطي الذي كان مطلبا رئيسا له.
لقد كرست بيانات الاتحاد الأدبي وافتتاحيات مجلة “الحكمة” ودستور دولة الوحدة، الذي شارك اثنان من قيادة الاتحاد في صياغته، هما عمر الجاوي والدكتور عبدالرحمن عبدالله، كرست كلها للتأكيد على حرية الرأي والتعبير وحرية التعددية السياسية والحزبية. ونصت المادة الخامسة من الدستور على حرية التعدد السياسي والحزبي وتكوين التنظيمات.
ولأول مرة في اليمن ينص الدستورعلى الحق في التعدد السياسي والحزبي، وتعلن الأحزاب المحظورة عن نفسها، وتؤسس أو يعلن عن تأسيس أحزاب جديدة، ويسمح بإصدار عشرات الصحف. وكان غياب الإعداد الجيد للوحدة، تشريعا وبناء للمؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية وخلق البنية التحتية للحكم الصالح، كعب آخيل الذي أطاح بالوحدة الديمقراطية بالحرب المعمدة بدم الإخوة الأعداء. وكان الجاوي، الذي غادر الاتحاد ليعلن عن حزبه الجديد (التجمع اليمني الوحدوي) قبيل فجر الوحدة، من وأوائل من حذر من التقاسم ومن الالتفاف على الدستور أو سن تشريعات تقنن للصحفيين حقهم في إصدار الصحف وفي الرأي والتعبير.
وفي الوحدة لم يعط الاتحاد حقه من التكريم كأحد أعمدة الوحدة، وتجوهل دوره، بل حدث أن اغتيل حسن الحريبي، رفيق درب الجاوي، في حين نجا الجاوي نفسه بأعجوبة. وكان اغتيال الحريبي، العضو المؤسس في فصيل من الفصائل الماركسية والقيادي في التجمع الوحدوي، مؤشراً خطيراً. ولم يتح للجاوي المشاركة في عضوية مجلس النواب عام 1993، بما يشبه التواطؤ لإسقاطه وإسقاط الفقيد الكبير يوسف الشحاري، أحد القيادات المؤسسة للاتحاد. وهمش الاتحاد وتجوهل دوره الريادي والعظيم في الدعوة والتأسيس للوحدة.
وكان الاتحاد والجاوي، الذي ابتعد عن قيادة الاتحاد، في مقدمة الداعين لوقف تداعيات الحرب والتحضير لها بالتوتر ولاغتيالات وافتعال الأزمات وخلقها. كما دان الحرب والانفصال، وكان صاحب المبادرة في التصدي.
وجود قيادات كبيرة في قيادة الاتحاد، أمثال الجاوي وعبدالله فاضل فارع ومحمد سعيد جرادة وسيف وعبدالرحمن فخري وحسن بن عبيدالله وسالم بكير والقرشي والشماحي والبردوني والأكوع والربادي والشحاري والمروني والصريمي وصبرة وغيرهم، مكن الاتحاد من التصدي للقضايا الوطنية الكبيرة والدفاع عن الأدب والأدباء.
وعندما تبوأ الاتحاد مركز الحريات في اتحاد الأدباء العرب كان في طليعة المدافعين عن حرية الرأي والتعبيروالإبداع.
بعد كارثة 13 يناير كتب الدكتور عبدالرحمن عبدالله (شفاه الله)، وهو أحد القيادات المؤسسة للاتحاد، رسالة مفتوحة للحزب الاشتراكي تضمنت نقدا شجاعا موضوعيا لتجربة الدولة والحزب في الجنوب، ودانت الممارسات القمعية واللا ديمقراطية في التجربة برمتها (راجع العدد 140، السنة السابعة عشر، يوليو 1987).
إن المخاطر المحدقة بالوحدة وغياب العقلية الديمقراطية في النهج والممارسة السياسية، وهيمنة المركزية الإدارية البيروقراطية، وبقاء شبح الحرب في صعدة، وتفاقم الفساد واستشرائه، وتزايد الأزمة الاقتصادية، وغياب الأمن والسلام والاستقرار، والتفلت الأمني، وتآكل هيبة الدولة، وتوافق الأحزاب على تأجيل الانتخابات لعامين… قد خلق حالة من التذمر وعدم الثقة بالحكم والمعارضة معا.
لعب الاتحاد والجاوي دوراً مهما في التأسيس لتكتل المنظمات الجماهيرية والإبداعية (مؤسسات المجتمع المدني) قبيل فجر الوحدة.
المهام الجديدة أمام الاتحاد
لم يفقد الاتحاد دوره. ضعف نعم، وتراجع أيضا، ولكن رسالته والقضايا النقابية والأدبية المجتمعية ماتزال حاضرة حية ومؤرقة. فالوحدة نفسها تتعرض لصعوبات بالغة ومكائد خطرة، والهامش الديمقراطي الذي قامت عليه الوحدة في تراجع مستمر، تردي الأوضاع العامة يقتضي أو يتطلب قدرا من الأمانة والمسؤولية في المواجهة بالكلمة والموقف الناقد والنزيه. وهناك إصرار في مجلس النواب على إصدار تشريعات قامعة تحد من حرية الرأي والتعبير، وتهدد الهامش الديمقراطي، كقانون المعلومات المقدم من الحكومة بغرض ضرب المشروع الديمقراطي الذي تقدم به النائب علي عشال. ويجري الحديث عن مشروع للاتصالات. وقد جرت تعديلات للأسوأ في قانون العقوبات تتضمن مواد مجرمة وعقابية ضد حرية الرأي والتعبير. كما ينوي أعضاء من كتلة الإصلاح والمؤتمر التراجع عن تحديد سن الزواج للصغيرات.
أمام الاتحاد مهام جديدة، وجديدة قديمة. وطبيعي أن تفرض الأوضاع المعقدة والبائسة مهاما جديدة وبالغة على قيادات الاتحاد، باعتباره مؤسسة إبداع ورأي، وفي الرأس من مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن تجنب العنف ودورات الصراع هنا وهناك، إلا بتقوية الأساليب المدنية واستخدام سلاح الرأي والكلمة في المواجهة، ورفض الاحتكام إلى السلاح أيا كان مصدره. لا بد وأن يكون للاتحاد رأي جلي وقوي في المناهج التربوية وخطبة المسجد. والنشاط السلفي الذي يغطي مناطق واسعة من اليمن، بتغاض وربما بتشجيع من الحكم، فهذا النشاط الدعوي والتربوي والتعليمي هو البؤرة والأرضية الخصبة لازدهار الأفكار التكفيرية والإرهابية، والتصدي للمحاولات المتكررة لإنشاء هيئة أمر بمعروف والنهي عن المنكر على غرار الهيئة في العربية السعودية وهي مفرخة كبرى لإنتاج ونشر السلفية الوهابية والأفكار الإرهابية التكفيرية. وتواجه الاتحاد قضايا استقلال العمل النقابي وعدم خضوعه لصراعات الأحزاب وهيمنتها، والعمل بالتعاون مع كل مؤسسات التجمع المدني الذي يلعب فيه الاتحاد دورا مائزا في التوكيد على نزاهة الانتخابات وشفافيتها وسلامة إجراءاتها والإشراف عليها، والوقوف إزاء التمييز ضد المرأة، سواء في الإعلام أم التعليم أم خطبة الجامع أم التشريعات التمييزية واستقلال اتحاد النساء عن هيمنة الحكم، وقضايا الحريات العامة والديمقراطية والمهمشين وقضايا حقوق الإنسان التي يجب أن يكون الاتحاد في طليعة المدافعين عنها.
لا يزال الاتحاد مقصرا إزاء قضايا الحريات وتشجيع الإبداع والأنشطة الأدبية. الاتحاد مطالب بالسعي الدائب لتشجيع إنشاء الفرق الفنية والمسرحية، وتشجيع طباعة الكتاب الأدبي، والعمل على إنشاء مطبعة خاصة به، سواء بالمساهمة ودعم الحكم أم بتقديم تصور متكامل لبعض المنظمات الدولية الداعمة كاليونسكو وغيرها. ويمكن التواصل مع الإخوان الدكتور احمد الصياد والدكتور علي محمد زيد والدكتور السفير حميد العواضي، لمساعدة الاتحاد في الحصول على وحدة طباعية، والاستعانة في تقديم مثل هذا الطلب ببعض الخبرات الفنية. ويمكن لبعض السفارات (اليابانية مثلا) الدعم في هذا المجال. والأهم البداية وتشكيل مجموعة لهذا العمل المهم والاستثماري في الوقت نفسه.
مجلة “الحكمة”
تعرفون أهمية “الحكمة”، مجلة الاتحاد المؤسسة للجديد الأدبي والثقافي والفكري منذ “الحكمة اليمانية” الأولى. وقد أسست المجلة للجديد في اليمن كلها، في حين أسست “الحكمة” الجديدة للاتحاد نفسه.
وضع “الحكمة” حالياَ غير مرض، اعترف بالتقصير، والتكاسل في الارتقاء بالمجلة. “الحكمة” بمسيس الاحتياج لفتح الابواب والنوافذ أمام الجديد، أمام الشابات والشبان، المبدعات والمبدعين، قصة وشعرا أو لوحة فنية ونقدا أو بحثا. الحياة الأدبية في اليمن تزخر بالجديد وتلد كل يوم مواهب زاكية لن تعزل “الحكمة” عنها. لقد كانت الحاضنة الأولى منذ فجر الاربعينيات ومطلع السبعينيات، فهل تكون اليوم التربة الصالحة والخصبة للإبداع، والموئل والمدافع عن جديد الحياة والابداع والحرية!؟