نقاش حجر العصر – عبدالباري طاهر

نقاش حجر العصر – عبدالباري طاهر

 الكتابة عن مبدع كبير مبحر أبداً باتجاه الآتي أمر عسير. أما إذا كان هذا المبدع متعدد المواهب، ويمتلك أسرار التجديد كعبدالرحمن فخري فإن الكتابة تصبح بمثابة السباحة في محيط متلاطم الأمواج.
عبدالرحمن فخري واحد من المبدعين الكبار أتقن بمهارة أسرار صناعة الكلمة المبدعة، وكان منذ الستينات في طليعة كتاب القصيدة الحديثة، وقصيدة النثر.
وفخري يتعامل مع الكلمة المبدعة بتأنٍ وتدقيق. فهو مثقف عميق التفكير واسع الاطلاع. يمتلك خبرة حياتية ومعرفة نظرية متعددة الروافد والمآتي.
يمتشق جملته الأنيقة من عمق الحياة وبصيرة نافذة باللغة. فصوره الشعرية تخرج طازجة كالخبز ذي النكهة الشعبية، والرائحة الزاكية.
وهو متفرد بحق في صوغ قصائده بعيداً عن المعتاد والنمطي والسائد. ذائقته الفنية والابداعية تجنح دائماً إلى الابتكار والإبحار منجرداً كعصى موسى.
 بهذه الجملة يبتدئ فخري ديوانه الأول «نقوش على حجر العصر»… نقش أشعاراً خالدة لا تحمى ولا تنسى ولا تبلى.
يمتح فخري من بئر المورث الشعبي اليمني والعربي، ويغترف من بحار ومحيطات وأنهار العصر وتجارب العالم، فهو مثقف موسوعي، يمتزج (في إبداعه) المثل والاغنية الشعبية والحكاية ويوصلها إلى البحار والمحيطات البعيدة لتأخذ المدى.
حبيبي ويأهلي ويا جيد
 ليلة وصولك مثل ليلة العيد
حبيبتي
اعطيك من شموعي
نار الضلوع
أو حرقة الدموع..
يدعمها ب:
عن ساكني صنعاء حديثك هات
وافواج النسيم
وخفف المسعي وقف كي يفهم القلب الكليم
 من اغنية مشهورة للآنسي- عبدالرحمن
 يتكئ الفخري على إرث الأغنية الشعبية والحمينية ليبحر بعيداً
يهرب من ظلي قدري
 وعيون الدهر فالسر على شفتي أفعى
 تتلظى جمر
من قبل ابوابي السبعة
 يفتقد العمر
 خبرة فخري بإرث وتقاليد وقيم القصيدة القديمة كناقد وكشاعر مكنّه من التجاوز. أليس الجديد قتل القديم بحثاً؟ ولا يستطيع الابحار بعيداً من لم يعرف السباحة، ويتدرب منذ الطفولة على حب البحر والغوص في أعماقه وإدراك أسراره كفخري… من قصيدة «بلقيس تبكي بدمعي» ديوان نقوش على حجر العصر ص 9.
للنقش بعد عمق في الحضارة والموروث اليمني فجانب مهم منها أو أن الجانب الاكبر في حضارتها القديمة: السبائية، المعينية، الحميرية، قد ارتبطت بالنحت والنقش على الحجارة، وجانب مهم من تاريخ اليمن السعيد لا تقرؤه إلا في خط المسند الحميري الذي لم يكتشف منه إلا النزر، وكثيراً ما أشارت اليه آي الذكر الحكيم والشعر الجاهلي
 تطول معاناة ومكابدة المبدع فهو ينقش والنقش على الحجر حرفة تحتاج إلى دربة ومهارة وإتقان فما بالكم إن كان النقش على حجر العصر.
النقش على حجر العصر إعجاز انساني لا يصل إليه إلا مبدع بقامة فخري
 منجرا كعصى موسى
 اشرب البحر قبلكم
 كي اغسل الواحكم المحفوظة
 وهي النقوش التي سبقت وأسست للنقوش في شمال الجزيرة: الثمودية واللحيانية والنبطية في القرن الثالث الميلادي، وهي النقوش التي اسست للغة العربية.
قرأ الناقد الكبير أستاذنا الدكتور عبدالعزيز المقالح نماذج من ديوان «نقوش على حجر العصر». قرأ اللوحة الأكثر ارتباطاً بالقصيدة النثرية، الابتعاد عن الإيقاع النبري، والارتباط بايقاع الموجة وعدم الاستسلام للذوق السائد، واعتبر الناقد النسيان أول مراتب الشعر وبداية التجاوز والتأسيس. كما قرأ الايقاع الداخلي بديلاً عن الايقاع المباشر وقدم نماذج من القصائد الخمس تعزز الرؤية النقدية وتبرهن عليها.
في حين أن الناقد المهم الدكتور حاتم الصكر قد قرأ جانباً آخر من اللوحة. قرأ المشاكسة والمفارقة والاختلاف على صعيد المحتوى الثوري والمشاكس الصادم، والشكل الذي يمزج فيه بين القصائد الموزونة والنثرية.
ويقرأ في قصديته الشهيرة «رسالة إلى العالم»: يقرأ فيها الخبيئ من الأدلجة وحتي الشطحات الثورية والتركيب النثري الجبراني. (قصيدة النثر في اليمن: أجيال وأصوات ص31 و32 مع بعض التصرف) ويرى أن بعض نصوص فخري تعتمد على تشبيهات تقريرية مرتكزة إلى تقنية بلاغية شائعة هي التشبية مستشهدا ببعض المقاطع (نفس المصدر).
 ربما كان الدكتور عبدالعزيز المقالح والدكتور حاتم الصكر أهم ناقدين اهتما بديوان فخري، وقرءا بعمق تجربته النثرية.
وفخري كرائد من رواد التجربة النثرية في اليمن قد زواج ومزج بين أكثر من أنموذج شعري، وحتى القصيدة العمودية لم يخل منها ديوان (من جعبة الفراسة)، والديوان يضم نماذج يعود بعضها إلى العام 65، ففي هذه المرحلة الباكرة زواج الفخري بين اكثر من انموذج شعري. بل إن الاتكاء على الأغنية الشعبية والحمينية وإن عبر عن احتفائه بالغنائية والوزن والقافية إلا أنه أيضاً قد تجاوز ذلك إلى النثرية بخصائصها وقيمها المختلفة.
التجاور بين أكثر من شكل في دواوين الفخري الثلاثة «نقوش على حجر العصر»، و«من الاغاني ما أحزن الاصفهاني»، و«من جعبة الفراشة»، وأحياناً داخل القصيدة الواحدة.