محمد الغباري يكتب عن الهويات المدمرة

محمد الغباري يكتب عن الهويات المدمرة

الهدوء والعودة المفاجئة للخطاب القائم على الكراهية في المحافظات الجنوبية، وكذا تقلب الأوضاع في محافظة صعدة، التي تهدأ لفترات ثم تنفجر فجأة، لا يعكس سياقا طبيعيا للأحداث، بقدر ما يثير المخاوف والشكوك، عما إذا كان للأمر ارتباط بأطراف تعمل على تصفية حسابات قديمة مع اليمن؛ لأن الأداء الطبيعي لأصحاب قضية يناضلون من أجل تحقيقها، لا يستقيم على توزيع العداوات وإكثار الخصوم.
منذ بداية حركة الاحتجاجات في الجنوب بررت الغالبية العظمى من الناس الطرح “الجهوي” وشعارات وخطابات استعداء أبناء المحافظات الجنوبية ضد أبناء المحافظات الشمالية اعتقادا منهم أن الحكم لن يستجيب لمطالب إزالة آثار حرب 94 ووقف الإبعاد من الوظائف والسطو على الأراضي إلا بمثل هذا الخطاب، خصوصا وأن تجربة الحزب الاشتراكي في رفع تلك المطالب طيلة أربعة عشر عاما كانت مؤلمة، لأن أحدا لم يلتفت له؛ لكن تطورات الأحداث تكشف لمختلف الأطراف، بما فيها النخبة السياسية والثقافية، أن هناك عملا ممنهجا غرضه الأساس هو إيجاد هوية مضادة للهوية الوطنية التي لم يختلف عليها اليمنيون حتى أيام التشطير والحروب.
ومع أن عددا من العمال البسطاء ومسافرين أو زائرين لبعض المدن قد نالهم قدر وفير من الشتم والاعتداء، لأنهم شماليون، إلا أن ما يجري خلال الأيام الماضية زاد من قوة هذه الشكوك، وظهر المدى الذي يبتغيه أصحاب هذا المشروع، والذي بدا بتنظير عن عاداتهم وتقاليدنا، ولون بشرتهم ولون بشرتنا… الخ.
الأسبوع الماضي خصصت صحيفة “الأيام” افتتاحيتها للرد على صحيفة “22 مايو” الناطقة بلسان حزب المؤتمر الشعبي، لكنها صدّرت الافتتاحية بعنوان يعزز من ذلك الخطاب، إذ قالت إن “هدف 22 مايو هو الجنوب وأبناؤه”، وهذه سقطة مهنية ما كان ينبغي لصحيفة مؤثرة الانزلاق إليها.
لم أنكر، وغيري كثير، أن هناك آثارا كارثية لحرب 94 على المحافظات الجنوبية، ولا أن هناك إقصاء للآلاف من الكوادر في مختلف المؤسسات ممن اعتبروا امتدادا لدولة الحزب الاشتراكي، ولا يمتلك أحدا حق القول بأن ما تم في المحافظات الجنوبية له مماثل في محافظات عديدة في شمال البلاد، لأن في الجنوب كانت هناك دولة، والظلم في منطقة لا يعني تبرير وقوعه في مكان آخر، لكن الإصرار على خطاب الكراهية والتحريض على أسس جغرافية يستدعي التأمل والسؤال؛ التأمل في مغازي ذلك الخطاب والنتائج التي ستترتب على التحريض والكراهية، من حيث إيجاد اصطفاف شمالي مقابل اصطفاف جنوبي، كما توضح ذلك مشاريع تقسيم الحزب الاشتراكي. والسؤال: لماذا الابتعاد عن نقد نظام الحكم الذي يفترض أنه متهم بارتكاب كل تلك الممارسات، إذا كانت الغاية هي إصلاح الأوضاع، وإعادة الشراكة الوطنية التي دمرتها الحرب؟ ومن المنطق أن نسأل لمصلحة من تحريض الناس بعضهم ضد بعض، والاستبسال في إدانة الحزب الاشتراكي واستهدافه، إذا لم تكن الغاية هي الانتقام المتأخر من الحزب وتصفيته لكي ينجح المشروع الذي أجهضته ثورة 14 أكتوبر؟
ما هي العلاقة بين إنكار الهوية اليمنية لأبناء المحافظات الجنوبية، وإزالة كل ما خلفته حرب 94؟ وإذا لم تكن هناك مشاريع انفصالية قائمة على الانتقام والكراهية استنادا إلى المناطق الجغرافية، فكيف نفسر حديث صلاح الشنفرة عن “الجراثيم الشمالية” التي تسللت إلى دولة الجنوب وتولت أرفع المناصب فيها، وتعهده بأن يبني وطنا جنوبيا خاليا من الجراثيم الشمالية…؟
[email protected]