سامي غالب يكتب عن غزو “الحراك الجنوبي” من الداخل

سامي غالب يكتب عن غزو “الحراك الجنوبي” من الداخل

 تتداخل الفصول في الركن الجنوبي. وفي الربيع الأول بعد الضربة الأمنية التي نزلت بقيادة «الحراك الجنوبي» في 31 مارس 2008، تساقطت أوراق عديدة من شجرة الاحتجاجات السلمية، لكأن قادة «الحراك» تطوعوا لإنجاز ما عجزت عن بلوغه الأداة الأمنية للسلطة. حاملين بأيديهم الحراك إلى خريفه المبكر!.
سقطت ورقة الوحدة. وفي الأسابيع الماضية آلت الوحدة المنشودة إلى فُرقة، وبدلاً من هيئة موحدة تطلَّع إليها الناشطون في المحافظات الجنوبية والشرقية، وأنصارهم في اليمن والخارج، أفرز التسابق المحموم على «احتكار تمثيل الضحية» 3 هيئات تتزاحم على القمة، هي: هيئات حركة النضال السلمي «نجاح»، والهيئة الوطنية العليا للاستقلال (ناصر النوبة)، والمجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب واستعادة دولته (باعوم).
 ورقة التفوق الاخلاقي لحركة الاحتجاج، بما هي السلاح الأمضى للضحية في مواجهة سلطة متنمرة، توشك أن تسقط. فالخطاب الذي يصدر عن أطراف في الحراك، ويبث في مواقع ومنابر اعلامية تنسب نفسها إليه، أبعد ما يكون عن روح «القضية الجنوبية» ونبل مقاصدها. فهو خطاب مغمَّس بالجهل وطافح بمفردات بذيئة، لا تمت بصلة إلى التسامح والتحضر والمدنية، ويقترب من خطاب الصحف الصفراء التي تمولها الأجهزة ومراكز القوى للنيل من مصداقية المعارضين والناشطين المدنيين والحقوقيين وعدالة القضايا التي يتبنونها.
«الضحية» يتمثل أحياناً قيم الجلاد، يتماهى بخطابه ويقتفي خطاه. ولئن انحدر بعض الصحف والمواقع المحسوبة على السلطة إلى دَرْك تعيير المعارضين والناشطين (والناشطات) بلون بشرتهم أو بأماكن ولاداتهم ومواطن أجدادهم، كما حدث لرضية شمشير وفيصل بن شملان وحسن باعوم، فإن منابر إعلامية تزعم تمثيلها للجنوب ودفاعها عن «الحق الجنوبي» تورطت في نشر وبث ما يثير الاشمئزاز، كالحديث عن «يهود الحجرية» و«فرس اليمن». والمغزى أن هذا الخطاب الجهول الطافح بالكراهية يهدد القضية الجنوبية في أقدس مقاصدها، وهو تحقيق المواطنة المتساوية. وتعيير «الشمالي» بأنه يهودي أو فارسي، لا يختلف عن تعيير العدني أو الحضرمي بأنه صومالي أو هندي أو اندونيسي. وفي الحالين فإن هؤلاء وأولئك يفصحون عن بدائية وانعزالية تحتقر كل ما هو آخر، وتستبطن مركبات نقص ودعاوى جاهلية تقوم على احتقار الآخر، يهودياً أو فارسياً أو صومالياً أو هندياً أو اندونيسياً. ولئن تورطت وسائل إعلامية سلطوية في خطاب كهذا، تعبيراً عن ثقافة انعزالية متوطنة في المركز، فإن تورط أطراف في الحراك في اعتماد خطاب مماثل يكشف عن فراغ في القيادة وخواء في الرؤية، كما يشي بأن حركة الاحتجاجات، التي مثَّلت وعداً بالمواطنة المتساوية، مهددة بالاختطاف من الانتهازيين الطارئين على «الحراك»، وهو ما كنت حذرت منه في افتتاحية «النداء» في 5 ديسمبر 2007 المنشورة بعنوان «قيامة الجنوب»، وفيها شددت على أن الخطر الراهن على الحركة الاحتجاجية السلمية «لا يهب من خارجها، بل ينبثق من أحشائها في حال دفع الشطط بعض رموزها إلى المقامرة بحمل «الخصوصية الجنوبية» إلى خارج «المواطنة المتساوية»، لأن ذلك يفقد الحركة تفوقها الأخلاقي، وتالياً شعبيتها، ويسلِّم أزمتها للانتهازيين».
وإلى ورقتيْ الوحدة والتفوق الأخلاقي، أظهرت تطورات الأسبوع الماضي في مدينة جعار عدم ممانعة بعض مكونات الحراك ومنابره في خلط ورقة «النضال السلمي» بورقة الإرهاب، إنْ لم يكن التفريط بها بدعوى الجهاد ضد الاحتلال الشمالي!
قبل شهور كان قيايون في الحراك يحذرون من مغبة استخدام جماعت جهادية ترتبط بعلاقة عضوية بمراكز قوى سلطوية، في ضرب حركة الاحتجاجات السلمية. والآن، فإن اليأس، ولا أٍقول حسابات قبلية أو عشائرية، يدفع البعض إلى تبييض سمعة جماعات خارجة على القانون وتمارس القتل والتنكيل بالمدنيين والمستضعفين باسم الشريعة، وتوفير تغطية جنوبية (!) لها بدعوى النضال ضد الاحتلال.
قبل عام بالتمام، أعملت السلطة القوة مجدداً في الجنوب، واعتقلت عشرات الناشطين، وشلت حركة المحتجين داخل المدن، وفيما بين المحافظات. ولئن تمكنت من تحقيق مكاسب صغيرة، بينها ضرب مصداقية بعض الناشطين وإرباك البعض الآخر، فإنها بأداتها الأمنية ووسائلها (الترغيبية والترهيبية) أخفقت في اختراق الحراك في العمق. وما كان لها إلا أن تتجرع مرارة الإخفاق. وها إن الخطر على الحراك الجنوبي يطلع من أحشائه, بفعل تنافس محموم على الزعامة, وخطاب إعلامي غشوم, وتكتيكات خرقاء تقوض شعبية القضية الجنوبية وسلمية الاحتجاجات فيما يشبه «الغزو من الداخل».
[email protected]