تصريحات الرئيس و”اعترافات” العوفي تظهر كم أن اليمن جندي مخلص في معارك المملكة.. أسبوع “الأمن” السعودي – محمد عايش

تصريحات الرئيس و”اعترافات” العوفي تظهر كم أن اليمن جندي مخلص في معارك المملكة.. أسبوع “الأمن” السعودي – محمد عايش

علينا الاحتفاظ بقليل من اللياقة؛ فرغم كل شيء ليس من الذكاء التفكير في أن الرئيس علي عبدالله صالح يقف على الأرضية نفسها التي يقف عليها محمد العوفي، القيادي المزعوم في تنظيم القاعدة، الذي تحول إلى جندي مخلص في الدفاع عن المملكة العربية السعودية.
حزمة التصريحات التي أطلقها الرئيس، خلال الأسبوع، إذا أضفناها إلى “اعترافات” العوفي، كما بثها الإعلام السعودي، يوم السبت، ستنتهي بنا إلى خلطة غريبة: الحوثيين وإيران وليبيا وقطر وحزب الله والقاعدة، وقد وضعوا كلهم في سلة واحدة كحلفاء يدعم بعضهم بعضا، ضدا على السعودية بشكل مباشر، أو ضدها ولكن عن طريق اليمن.
قال العوفي إن إيران وليبيا هما من تقودان عناصر القاعدة في اليمن، وأن الحوثيين عرضوا على جماعته الإرهابية دعما ماليا بالملايين. لم يكن الرجل يريد تأكيد التهمة المتداولة بشأن علاقة الإيرانيين والليبيين بتمرد الحوثيين، بل الانطلاق منها كمسلمة لتأسيس تهمة تعبوية متقدمة هي تورط الأطراف الثلاثة في دعم القاعدة، أو الترويج لفكرة أن طهران وطرابلس مسؤولتان عن الإرهاب الموجه ضد المملكة، كمسؤوليتهما عن الحوثيين المتمردين على صنعاء.
في اليوم نفسه، السبت، كان على الرئيس علي عبدالله صالح (وهو المبتكر الأول لفكرة تآمر إيران وليبيا على المملكة عبر اليمن) إكمال ما بدأه العوفي. ولكي تكتمل عملية رمي كل الخصوم التقليديين للسعودية في السلة نفسها، قال صالح لصحيفة “الحياة” اللندنية إنه يعتقد أن الحوثيين تلقوا تدريبات على أيدي عناصر من “حزب الله”، أو أن بينهم من سافر إلى لبنان ليتلقى خبرات في صنع القنابل والألغام والذخائر من بعض خبراء الحزب.
ومن غير “حزب الله” أيضا؟! إضافة لتجديد اتهامه لإيران وليبيا، هناك طبعا “قطر”، أصغر خصوم السعودية وأكثرهم إيذاء، وبشأنها قال الرئيس، للصحيفة نفسها، إن وساطة قطر بين حكومته وبين الحوثيين “شجعت” الحوثيين على “التمادي” وجعلتهم يعتبرون أنفسهم “أندادا” للدولة.
لا بأس الآن من تجاوز اللياقة: اليمن في مواقف رئيسها ليست سوى “محمد عوفي” آخر، هذا هو السائد خلال العامين الأخيرين على الأقل وبشكل خاص. لكن من هو محمد العوفي أولا؟
في 25 يناير الماضي، ظهر العوفي، وهو السعودي الفار من بلاده، في شريط فيديو كقائد ميداني لتنظيم القاعدة في اليمن. وبعد أقل من 20 يوما فقط، أي في 13 فبراير، أعلنت السلطات السعودية تسليم العوفي لنفسه إليها عبر تنسيق مع أجهزة الأمن اليمنية.
القصة إلى هنا جيدة (رغم أن في تصديقها مجازفة بواحدة من الحقائق الكبرى وهي أنه في عالم “القاعدة” ما من شيء اسمه “تسليم نفس”.. هل سمع أحد، منذ كان القاعدة، عن قيادي فيه يسلم نفسه؟)، لكن ما حوّل القصة برمتها إلى مناسبة للسخرية هو هذه الخاتمة التي جاءت في شكل اعترافات علنية للعوفي؛ إنها الاعترافات التي بدت غير ذات صلة بـ”القاعدة” أو بالإرهاب، بل صبت، كليا، في خانة خطاب التعبئة الرسمي في السعودية، والقائم منذ سنوات، تجاه إيران وليبيا، ما أوحى، بدرجة كافية، بأن حكاية الرجل من أولها، وضمنها فراره إلى اليمن، ليست غير عملية استخباراتية نفذتها أجهزة المملكة لكن لتنهيها بطريقة غير موفقة.
الاحتفاء الكبير بـ”الاعترافات” في كل وسائل الإعلام الممولة من السعودية، اتخذ طابع الاحتفاء بانتصار تحقق لتوه على العدوين اللدودين للملكة. جريدة “الشرق الأوسط” عنونت إحدى تغطياتها كالتالي: “اعترافات العوفي.. حماسة الشباب تصب في نهر الدول الإقليمية”، بينما كانت إيران وليبيا حاضرتين في عناوين كل تغطيات هذه الوسائل.
كل سياقات ما حدث ترجح أن العوفي كان مجرد جاسوس اخترقت به الاستخبارات السعودية بعض التنظيمات المتطرفة في اليمن، ثم قررت الاستفادة منه، قبل إنهائها لخدمته، بتسجيل نقاط ضد خصومها الإقليميين.
هذه لعبة الرياض، فأين هي مشكلة اليمن؟
أحاديث العوفي لم تكن لتمر دون الإسهام في توتير الأوضاع في صعدة، وبمضمونها بات أكثر وضوحا أن من مصلحة المملكة إبقاء كل أسباب الصراع في هذه المحافظة اليمنية مفتوحة، تماما كما أن على كل الرقعة الجغرافية التي يسمونها “اليمن” أن تصبح من الآن فصاعدا ساحة لاستقبال كل مشاكل السعودية، بدءا من مشكلتها مع الإرهابيين الإسلاميين ووصولا إلى عُقدها الدائمة تجاه أكثر من دولة ومنظمة إقليمية.
ويلعب الرئيس صالح في هذا السياق دورا مثمرا للغاية. بل تستطيع أن تلمح في وجهه سعادة حين يتحدث عن أن اليمن أصبحت فعلا مأوى للإرهابيين القادمين من السعودية (والذين يعملون لاستهداف السعودية)، وأن أجهزته الأمنية مستمرة في ملاحقتهم وتعقبهم ضمانا لأمن هذه الدولة. وعلى الجهة الأخرى من “سعادة” الرئيس هناك بالتأكيد مكاسب عالية تحققها الرياض، فالمملكة العربية السعودية، كما هي الصورة الموزعة على العالم اليوم، باتت “هدفا” للقاعدة، لكن مثلها في ذلك مثل الولايات المتحدة الأمريكية؛ أي أنها هدف من “طرف خارجي” هو هنا القاعدة في اليمن. إن في هذا الأمر ما يخفف عن المملكة إلى حد كبير الضغوط الغربية التي سلطت عليها منذ ما بعد 11 سبتمبر باعتبارها “منبعا أساسيا” للإرهاب، فالآن هناك منبع آخر يمنح كل التسهيلات للإرهابيين: من أجهزة الأمن المتورطة إلى القبائل والجبال وانتهاء بأسواق السلاح.
وتتعلق الحكاية أيضا بالمنحة السعودية، مبلغ المليار دولار الذي التزمت به في مؤتمر المانحين بلندن وتنتظر حكومة الرئيس صالح، منذ نوفمبر 2006، بدء تخصيصه وتسليمه لها بصبر فارغ، إنه أحد أهداف “المقامرة” غير المسبوقة التي ينفذها النظام في صنعاء، بأمن وسيادة ومستقبل بلاد و23 مليون بشر.
[email protected]