جلسة برلمانية على شرف العدالة – هلال الجمرة

جلسة برلمانية على شرف العدالة – هلال الجمرة

* اتهم بالتضليل ونبهه الراعي بأن المجلس يعرف الوضع وحذره من الضحك عليهم
* بعد منحه 24 ساعة لإطلاق البرطي.. 80 نائباً يعدّون لسحب الثقة من وزير العدل بعد أن أكد لهم عدم قدرته على إلغاء قرارات القضاء
 
لم ينفذ وزير العدل، غازي الأغبري، طلب مجلس النواب إطلاق سراح البرلماني أحمد البرطي المحتجز في السجن المركزي بتعز منذ 8 أيام بتهمة ضلوعه في مقتل مدير مديرية خدير الشوافي. وكان المجلس قد منحه مهلة 24 ساعة للإفراج عنه.
في جلسة البرلمان التي عقدت صباح أمس، اعتبر النواب تصرف وزير العدل حيال توصيتهم له بالإفراج عن زميلهم رسالة واضحة غرضها تحقير توصياتهم وانتقاص صلاحياتهم الدستورية والقانونية. حينئذ اقترح عبد الرزاق الهجري على القاعة استدعاء الأغبري ومن ثم سحب الثقة من الوزير، وهو ما حظي بتأييد واسع من الأعضاء.
وباشر النواب إعداد الإجراءات الأولية لهدفهم: تولى الهجري مهمة جمع توقيعات النواب حتى وصل العدد إلى 80 نائباً. وبذل الهجري جلّ وقته في إقناع نواب ترددوا في التوقيع. وبحسب المادة 143 من لائحة المجلس الداخلية يحق للمجلس أن يسحب الثقة من الوزير إذا لم يقتنع المجلس بمبررات الحكومة، ولا يجوز عرض طلب السحب إلاّ بعد الاستجواب واقتراح يقدم من ربع أعضاء المجلس، 76 نائباً.
بداية الجلسة هاجم الهجري وزير العدل بشدة، واتهمه بانتهاك الدستور والقانون وتضليل المجلس بوثائق مزورة تدين البرطي وتثبت ضلوعه في جريمة مقتل الشوافي.
بعد انتهاء الهجري من تكرار مطالبته بإيقاف المسؤولين المتورطين بمخالفة القانون في محافظة تعز، نبّه النائب عبده بشر القاعة إلى إجراء خطير تجاوز فيه مدير أمن تعز صلاحياته وقدم إلى المجلس طلباً بسحب الحصانة من البرطي. وقال: “بالله عليكم! مدير أمن يطلب رفع الحصانة! لم يطلبها وزير العدل وطلبها مدير أمن يجهل القانون والدستور!”.
في جلسة الاثنين الفائت صعد وزير العدل إلى المنصة لتقديم إيضاحاته حول الإجراءات التي اتخذت لاعتقال البرطي. وهناك رجاهم الإنصات، وأخبرهم أن البرطي اعتقل في حالة تلبس وأن ما قاله النواب في جلسة الأحد -بحسب ما قرأه في وسائل إعلامية- لم يكن صحيحاً وأن إجراءاته دستورية ورسالة النائب العام إليه تقول إنه في حالة تلبس. ودعاهم إلى أن يضعوا أنفسهم في وضع رئيس نيابة تعز: “كان من واجب رئيس النيابة التحقيق مباشرة مع البرطي بعد إيصاله إليه”. ملأ الضجيج أرجاء القاعة، وتولى الراعي إخماد الأصوات وضرب بالمطرقة مرتين، ووجه كلامه إلى القاعة: “أنتم تشتوا تحلوا المشكلة وإلا لا؟ اسكتوا نفهم”. ثم التفت صوب الوزير وقال: “أولا أوقفتم البرطي بتهمة انكم مسكتوه متلبس، وكلفنا لجنة للتحقق من سلامة الإجراءات فاتضح غير ذلك، فأوصيناكم أمس بأن تفرجوا عن البرطي ولم تفرجوا عنه، ليش ما تفرجوا عنه؟”. أجابه الوزير بأن هناك إجراء جديدا اتخذ، وأن قضية البرطي نقلت إلى المحكمة المختصة وقرر القاضي (الأحد) تمديد فترة السجن مدة 20 يوماً. اشتعلت القاعة مجدداً، وتحدث الراعي بلهجة قاسية مع الوزير: “تحويلها للقضاء مسألة تعنت، مجرد ما سمعتم مطالبنا فعلتم له 20 يوما، وكأننا وانتم في تحدٍّ”. نفى الأغبري صحة أنه تم تحويل القضية لغرض إعاقة مطالب المجلس. وقال إن هذه إجراءات قانونية، فبمجرد انتهاء النيابة من تحقيقها يحال الملف مباشرة إلى القضاء، “لسنا قُطّاع طرق حتى تتهمونا بأننا أول ما سمعنا الكلام بادرنا بتمديد فترة الحبس”. واستغرب الراعي سرعة العملية قائلاً: “كيف تم تحويل هذه القضية إلى القضاء بهذه السرعة، واحنا نعرف أن هناك قضايا قتل تجلس في النيابة سنوات وبعدين يقدموها إلى المحكمة، وهناك متهمين ما قد تم القبض عليهم؛ ما عاتضحكشي علينا!”.
أراد الجميع قصف ما طرحه الوزير، لكن الراعي اختار عبدالله الشرفي، رئيس اللجنة المكلفة بالنزول إلى تعز للتحقق من سلامة الإجراءات المتخذة حيال البرطي وواقعة اعتقاله، للإيضاح للحكومة. وردّ على تشكيكات الوزير بما قالته اللجنة قائلاً: “التقينا جميع الجهات وبحيادية، فتأكدنا أن البرطي كان موجوداً في مكتب مدير الأمن والحادثة وقعت خارج الحوش”. ووصف ردّ رئيس النيابة بالمستفز: “قال لنا بكل سخرية إنه لن يتكلم إلا في وجود محامي وبتوجيهات من النائب العام”.
وأشار إلى أن حبس البرطي يعتبر مخالفة صريحة، وكذا ما قاله الوزير عن أنه تم اصطحاب البرطي ساعتها إلى الأمن ومن ثم إلى النيابة في صورة غريبة لم يسبق لها نظير.
كادت مداخلات وهجمات أعضاء مجلس النواب أن تخنق وزير العدل، المحاصر بعشرات الاتهامات، لولا التدخل السريع من الراعي في إنقاذه بمنحه مهلة 24 ساعة للإفراج عن النائب أحمد البرطي.
لم يستطع الوزير أن ينجو من القصف الذي شنه عليه نواب الشعب رغم محاولاته المتكررة بالاحتماء بأحمد الكحلاني، وزير شؤون مجلسي النواب والشورى، ومحاولته في كسب ودّ بعض نواب المؤتمر بالتبرير لهم بأن إجراءاته كانت دستورية واعتمدت على نص المادة 82 التي تجيز اعتقال عضو البرلمان في حالة قبض عليه متلبسا بالتهمة. لكن تقرير اللجنة المكلفة من المجلس كشف عدم صحة ما قاله الوزير.
وحين أراد الوزير طمأنة النواب قال لهم: “البرطي ما يزال متهماً بريئاً حتى تثبت إدانته”. حوصر في منطقة ضيقة حاول الفكاك منها قائلا: “من حق مجلس النواب أن يعدل أي قرارات قضائية. اتخذواقرارا قولوا فيه: يا وزير العدل الغِ أي قرار في هذه القضية! وأنا سأنفذ”. اعتبرها النواب مأزقاً آخر، فقالوا بصوت موحد: “نريد أن تطبقوا القانون وتفرجوا عن البرطي، لأن حبسه مخالفة”. وفي حال أفرج عنه سيتم مناقشة التهمة بطلب سحب الثقة، مرفقا به الأدلة القانونية الصحيحة.
هو طلب الإذن من القاعة أكثر من مرة بأن يسمحوا له بقراءة محاضر تحقيقات النيابة مع البرطي، لكن الراعي زجره بقوله: “احنا أعضاء مجلس نواب ما احناش محامين، بنقول إن به غلط، ابعدوا الغلط واطلبوا رفع الحصانة ذالحين إن وجدت أدلة، لكن ابدؤوا ابعدوا الغلط”.
اعتذر لهم بهدوء: “أنا لا أملك الحق كوزير عدل أن ألغي قرار النيابة. بيد أن الهجري نفى صحة ذلك واستند إلى نظرية “ما بني على باطل فهو باطلـ” وقرار حبس البرطي مخالف 100%.
وقال سلطان العتواني إن رئيس النيابة في تعز أثبت أنه خصم غير شريف ويجب أن يحاسب. حينئذ وقف الوزير غاضباً معتبراً اتهام العتواني مساً بسمعة القضاء، وأراد مغادرة القاعة، لولا أن الراعي اعتذر له وأوضح للوزير قائلا: “العتواني لم يتهم القضاء هو اتهم رئيس النيابة”.
لهجة النواب مع الوزير كانت حادة، وعلى ما يبدو فقد أربكته وجعلت كلامه محصوراً ومكرراً، فالبعض يطالب بسحب الثقة عنه وأنه يدافع عن رئيس النيابة في وثائق مزورة، وآخرون يتهمونه بعدم فهم القانون والدستور، مما أفقده اتزانه.
 
***
 
تحولت قوانين اللعبة في البرلمان فأصبحت تسديدات جميع النواب إلى مرمى واحد مفتوح حاول العقاري أن يشغله بالدفاع عن النائب العام والحكومة إلاّ أن النواب لم يدركوا ما قاله
.. وتضامنية في قضية تمس النواب مباشرة

أبدى نواب الشعب حماساً شديداً وتفاعلاً ملفتاً في جلستهم البرلمانية، صباح الأحد الفائت، وصبوا جام غضبهم على وزير العدل والنائب العام ورئيس نيابة تعز ومحافظها ووكيل محافظتها، لاتخاذهم إجراءات جزائية بحق النائب أحمد عباس البرطي بمخالفة للدستور والقانون واللائحة الداخلية للمجلس.
كانت الجلسة ساخنة، وكانت انتقادات النواب ترنو إلى ما هو أبعد من مجرد ملاحظات التقرير. كانوا يسعون إلى مسح معنى أن يصبح اتهام النواب سهلاً من البعض.
وفيما تركزت مطالبهم حول إقالة المسؤولين المرتبطين بالقضية ومحاسبة كل ذي صلة باعتقال البرطي، حرصوا على أن تبدو الجلسة تضامنية مع زميلهم النائب أحمد عباس البرطي المعتقل في مركزي تعز منذ 5 أيام بتهمة قتل مدير مديرية خدير أحمد منصور الشوافي في 23 من الشهر الجاري.
وإذ استنكر النواب جريمة قتل الشوافي وطالبوا الجهات المعنية بسرعة إلقاء القبض على الجناة، هاجموا بشراسة الإجراءات المتخذة تجاه عضو المجلس والمبررات غير القانونية التي قدمها وزير العدل للمجلس بأنه “تم إلقاء القبض على عضو المجلس (البرطي) متلبسا بتهمة قتل الشوافي”، لانتهاكها حصانته البرلمانية ومخالفتها لمواد الدستور والقانون.
وحمّل علي اللهبي(مؤتمر)، رئيس نيابة تعز مسؤولية اعتقال البرطي، وتضليل النائب العام وانتهاك حصانة عضو البرلمان.
لكن النائبين عبد الرزاق الهجري (إصلاح) وصخر الوجيه (مستقل) لم يستغربا ما حدث من خرق للدستور في اعتقال عضو برلماني، عازيين ذلك إلى الوضع المنفلت داخل البلد ومدى تأثير المتنفذين والأجهزة الأمنية على القضاء. وإذ قال الهجري إن هذه “القضية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الدستور والقانون يذبح يوميا على عتبات الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية”، نصح الوجيه السلطة بأن تحسن اختيار مديري المديريات ووكلاء المحافظات بما يتوافق مع رغبات المواطنين.
وقاس الهجري دور البرلمان ومدى امتثال الحكومة لتطبيق القانون أو ببساطة كيف يستهان بالقانون: “إذا كنا كمجلس نواب لم نستطع إطلاق سراح عضو المجلس منذ 5 أيام فكيف بالمواطن العادي!؟”.
وفي 4 نقاط أساسية أوجز مطالبه: “إحالة محافظ تعز ووكيلها لشؤون المناطق الشرقية إلى التحقيق مع إقالة الثاني عن العمل لإصرارهما على تعيين المجني عليه أحمد الشوافي مديرا للمديرية خلافاً لرغبة أبناء المديرية، إيقاف مدير أمن تعز عن العمل وإحالته للتحقيق بسبب تحيزه لأحد أطراف القضية، مخاطبة رئيس مجلس القضاء الأعلى لإيقاف رئيس نيابة تعز وإحالته للمجلس التأديبي لجهله بالدستور والقانون، ومساءلة النائب العام لعدم تأكده من حيثيات القضية”.
كان ملعب القاعة متاحاً لكافة المقترحات الموجهة من النواب، حتى أن زاوية الحريات انفرجت بصورة ملفتة. هنا تحولت قوانين اللعبة التي لا تجيز اللعب دون وجود طرفين، فأصبح الجميع يندفع في مسار واحد ينتهي بمرمى مفتوح أراد أحمد العقاري أن يشغله بالدفاع عن النائب العام والحكومة، إلاّ أن النواب لم يدركوا ما قاله، إذ عقب عليه الهجري قائلا: “كنت أريد الرد على العقاري، لكن لم أفهم ماذا يريد أن يقولـ”. كتلة المؤتمر سارت أيضا في الاتجاه ذاته الذي سارت فيه المعارضة: محاسبة الذين يخترقون القانون. ولم تبق من مفاضلات سوى من العضو الذي ستكون تسديدته هي الأقوى والفاصلة.
لاقت مداخلة عبده بشر (مؤتمر) الذي يحرص على الجلوس في مقعد ثابت في الصف الأول، قبولا واسعاً في القاعة، بتحميل هيئة الرئاسة مسؤولية التراخي في قضية البرطي. وبدا (بشر) شديد الحماس وهو يهدد المجلس بتقديم استقالته في حال تهاون البرلمان في القضية، مستغرباً جهل وزير العدل بالدستور والقانون: “إذا كان وزير العدل والنائب العام، المناط بهما حماية الدستور والقانون، لا يفهمان الدستور والقانون، فعلى الدنيا السلام!”.
وكان لعبدالعزيز جباري (مؤتمر) أن يخالف بطريقته من تحدثوا قبله، حيث انتقد سياسات اعتبرها نواة المشكلة. وقال: “هناك سياسات خاطئة: تعيينات تتم على أساس الحزبية والقرابة بدلاً من الكفاءة والمقدرة، هي سبب حدوث مثل هذه المشاكل، وأرجو من السلطة إعادة النظر في تلك السياسات”.
ومن وجهة نظره فإن البرلمان لن يثبت جديته إلاّ لو سحب الثقة عن وزير العدل، الذي قال إنه ارتكب خطأً دستوريا فادحا في رسالته الموجهة للبرلمان.
وقبل أيام كلف المجلس لجنة برلمانية للتحقق من سلامة الإجراءات التي اتخذت ضد النائب أحمد البرطي. وفي جلسة الأحد الفائت قدمت اللجنة إلى المجلس تقريراً مفصلا عن الحادثة جمعت معلوماته من خلال لقائها مع كل الجهات ذات العلاقة بالاعتقال. وفي التقرير لاحظت اللجنة عدم دستورية إجراء النيابة باعتقال البرطي، وقالت إن رئيس نيابة تعز، منصور علوي، رفض الإدلاء بأي معلومات عن الحادثة، وقال لهم إنه لا يتكلم إلا بوجود محام وبأوامر من النائب العام.
ووصف صخر الوجيه ردّ رئيس نيابة تعز على اللجنة بأنه “مهزلة ليس بعدها مهزلة”، مطالباً بالتحقيق مع النائب العام ووزير العدل ورئيس نيابة تعز، وأهاب بمجلس القضاء الأعلى محاسبة الذين فبركوا قضية تلبس البرطي بتهمة القتل.
ويبدو أن رسالة وزير العدل إلى المجلس كانت مستفزة للنواب، فالنائب عبدالمعز دبوان تحدث بلهجة حازمة: “مطالبتنا بالإفراج عن النائب البرطي ليست كافية، وإنما ينبغي أن نطالب أيضاً بسحب الثقة عن وزير العدل، لاتهام البرطي بالتلبس في جريمة القتل واتخاذه إجراءات غير صحيحة بحبسه”.
وصبّت مطالب بقية المتحدثين: سلطان العتواني وعبدالكريم شيبان وعبد الباري دغيش وعلي العنسي وعبده الحذيفي، في محاسبة جميع المتورطين في القضية المنتهكين للدستور والقانون، والاعتذار للمجلس لانتهاكهم الحصانة الدبلوماسية لزميلهم البرطي، ورد الاعتبار له ولأعضاء المجلس.
 
***
 
“حصانة البرطي” عنوان مواجهة بين مجلس النواب والقضاء ووزير العدل
المبارزة بجهل الدستور!!

أشعلت قضية مقتل مدير مديرية خدير، محمد منصور الشوافي، وما تبعها من إجراءات أمنية وقضائية، أبرزها اعتقال عضو مجلس النواب أحمد عباس البرطي، خلافاً حاداً بين مجلس النواب من جهة، ووزير العدل والنيابة العامة ومجلس القضاء من جهة أخرى، وكل طرف يشهر ما يدعم موقفه من مواد الدستور والقوانين واللوائح، وكل يتهم الآخر بالجهل بها.
أمس الثلاثاء وصل الخلاف بين الجانبين الذروة، إذ وقّع 80 نائبا طلب استجواب وزير العدل، وسط لهجة شديدة من قبل النواب من مختلف الكتل تجاهه، وترتفع الأصوات لتنادي بسحب الثقة عنه، ومحاسبة وكيل نيابة تعز، لمخالفتهم الدستور في إجراءات اعتقال البرطي.
في المقابل، رد مجلس القضاء الأعلى على رسالة النواب التي طالبوا فيها بالإفراج الفوري عن زميلهم، وحماية ممتلكاته والمطالبة بمساءلة النائب العام ورئيس نيابة تعز لـ”مخالفتهما للدستور والقانون” بسجن البرطي واتهامه بالتلبس في قضية مقتل الشوافي وعدم التأكد من ملابسات الحادث؛ رد مجلس القضاء الأعلى بنص المادة 149 من الدستور التي تقضي باستقلال القضاء وألاَّ سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ويعتبر التدخل في شؤون القضاء جريمة يعاقب عليها القانون ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم، داعيا إلى ضرورة ترك الفرصة للسلطة القضائية للقيام بواجباتها كاملة دون تأثير على سير العدالة. جاء ذلك بعد أن صُدم النواب بعد جلستهم ومطالبهم تلك بقرار جديد للمحكمة المختصة في محافظة تعز مددت فيه حبس النائب أحمد البرطي لمدة 20 يوما على ذمة التحقيق في القضية.
“القضية تكشف جهل الطرفين بالدستور والقانون” قال المحامي خالد الآنسي، المدير التنفيذي لمنظمة “هود” في تصريح إلى موقع “الصحوة نت”. يضيف: “هي نموذج عجيب للعبث بالدستور والقانون وبحقوق المواطنين، سواء من حيث إجراءات اعتقال النائب البرطي التي تمت بالمخالفة للائحة المجلس وللدستور، أم إجراءات مجلس النواب والمتمثلة في إصدار أوامر للقضاء”.
وكانت جلسة الاثنين عاصفة، أخذها النواب كمسألة سيادة وكرامة. “إننا اليوم كسلطة تشريعية على المحك، إما أن ننتصر للدستور والقانون أو نقدم استقالتنا خير لنا من هذه المهزلة” قال النائب عبدالرزاق الهجري. ورفعت الجلسة عشر دقائق احتجاجاً على تغيُّب وزير العدل، الذي حضر بعد اتصال هاتفي من رئيس مجلس النواب يحيى الراعي، ورفض النواب كل المبررات التي ساقها الوزير عن النيابة لقانونية سجن البرطي لتلبسه بمقتل الشوافي، معتبرين قرار النيابة بتمديد سجن البرطي 20 يوما استهتاراً واستخفافاً بالسلطة التشريعية ودلالة على الجهل بنصوص الدستور أو التحيز في القضية لصالح أحد الأطراف.
وزير العدل سمع الانتقادات اللاذعة واستفزته كثيراً، وحاول مغادرة القاعة لولا أن حال بعض النواب دون مغادرته، ورد على اتهامات النواب “نحن رجال دولة نتعامل بمسؤولية ولسنا عصابات وقطاع طرق”.
وقال الوزير إنه ليس من صلاحياته، ولا حق للبرلمان في إلغاء قرار قضائي ودافع عن قرار رئيس نيابة، مشيراً إلى أن النيابة هيئة قضائية بنص الدستور والقانون، ولا يجوز لأي جهة إلغاء أو تعديل قرارها إلا إذا كانت هيئة قضائية مختصة، مشيرا إلى أن من واجب رئيس النيابة مباشرة التحقيق عقب تسليم البرطي من أجهزة الأمن، مؤكداً وجود قرار قضائي يتهم البرطي بالتلبس.
استمات النواب في مقارعة وزير العدل، الذي يمثل -بطبيعة الحال- واجهة بالنيابة عن القضاء المستقل. فعلوا ذلك كما لم يفعلوا في قضية من قبل، كلهم تحدثوا باسم حماية الدستور والقوانين، ثاروا كما لا يفعلون في عشرات الانتهاكات والجرائم التي تطال من يمثلونهم، ولا يحركون لها ساكناً، وإن فعلوا فمن باب إسقاط الواجب. واعتبر النائب صخر الوجيه هذه القضية نموذجا للتلاعب بقضايا آلاف المواطنين من انتهاك وضياع لحقوقهم.
مجلس النواب شكل، الأسبوع الماضي، لجنة برلمانية من خمسة أعضاء للنزول إلى محافظة تعز ومديرية خدير للتحقيق فقط في سلامة الإجراءات المتخذة بحق النائب أحمد عباس البرطي، الذي كان متواجدا في إدارة الأمن ساعة مقتل الشوافي، وذلك بعد مذكرة رفعها وزير العدل إلى رئيس مجلس النواب بشأن إخطاره بإجراءات النيابة العامة تجاه البرطي “الذي ضبط متلبساً بتهمة قتل المجني عليه أحمد منصور الشوافي”، طبقاً لأحكام المادة 204 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب.
غير أن اللجنة التي باشرت مهامها نهاية الأسبوع الماضي، وتقصت ملابسات اعتقال زميلهم، خلصت إلى أن الإجراءات المتخذة بحق النائب البرطي مخالفة لأحكام المادة 82 من الدستور (رقمها في الدستور 81)، والمادة 203 من اللائحة الداخلية للمجلس والمادة 98 من قانون الإجراءات الجزائية، وبالتالي فإن مذكرة وزير العدل لم تتوافر فيها المبررات القانونية، ورأت اللجنة بأن حالة التلبس المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية لا تنطبق على واقعة القبض على البرطي.
وتنص المادة 203 على عدم مؤاخذة عضو مجلس النواب بحال من الأحوال بسبب الوقائع التي يطلع عليها أو يوردها للمجلس أو الأحكام والآراء التي يبديها في عمله في المجلس أو لجانه أو بسبب التصويت في الجلسات العلنية أو السرية، ولا يطبق هذا الحكم على ما يصدر من العضو من قذف أو سب. فيما تنص المادة 81 من الدستور على عدم جواز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو التفتيش أو القبض أو الحبس أو أي إجراء جزائي، إلا بإذن من مجلس النواب، ما عدا حالة التلبس، وفي هذه الحالة يجب إخطار المجلس فوراً وعلى المجلس أن يتأكد من سلامة الإجراءات… ونص المادة 204 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب هو ذاته المادة 81 من الدستور.
اللجنة التقت المحافظ، الذي أكد أن هناك خلافاً بين وكيل المحافظة الشيخ محمد منصور والمواطنين، بمن فيهم النائب البرطي، حول عدد من القضايا، ومنها تعيين حميد الغزالي مديرا لأمن المديرية برغبة الشوافي، وبعد رفض المواطنين للغزالي تم تعيين مدير أمن آخر وتم إقناع الوكيل بذلك. ولم يشر التقرير إلى رأي المحافظ حول تعيين مدير المديرية وشقيق الوكيل، أحمد منصور الشوافي، إما سقطاً من تقرير اللجنة البرلمانية وإما أن المحافظ لا يرى سوى الخلاف على تعيين مدير الأمن، وهو ما أثير في المجلس وتجلى في مطالبة النائب عبدالرزاق الهجري الذي طالب بإحالة محافظ تعز ووكيله لشؤون المناطق الشرقية للتحقيق، قائلا إنهما سبب ما حدث، لإصرارهما على تعيين المجني عليه أحمد الشوافي مديرا للمديرية خلافا لرغبة أبناء المديرية، رغم علمهم بالخلاف الشديد بين آل الشوافي وآل البرطي.
وطبقاً لمدير أمن خدير، العقيد أحمد رزار المخلافي، أفاد بوصول النائب البرطي إلى إدارة أمن المديرية الساعة الثامنة والنصف صباحاً للإبلاغ عن انفجار قنبلة مساء اليوم السابق قرب منزله. وطبقا للتقرير فإن رزاز أفاد بوصول البرطي معززاً بسيارات عليها مسلحون أقفل دونهم باب المجمع الحكومي بعد أن أدخل النائب بسيارته، وبينما هما بالداخل للتحقيق حول القنبلة سُمع إطلاق النار خارج المجمع، ولما خرج مدير الأمن إذا بها سيارة مدير المديرية متحركة مع المصابين، فيما تفرق المسلحون الذين وصلوا مع البرطي، بينما هذا الأخير -والشهادة ما زالت لمدير الأمن- متواجدا داخل مكتبه، وحرص على إبقائه في مكتبه حفاظاً على حياته وأخرجه متنكراً وبوجه مغطى ليوصله إلى إدارة أمن المحافظة… وهذه الشهادة نفاها الوزير خلال جلسة الاثنين، قائلا إن الأمن احتجز البرطي كونه متلبسا ولم يكن تسليمه لأمن المحافظة لحمايته كما ورد في التقرير، مؤكدا سلامة الإجراءات القانونية والقضائية المتخذة إزاء النائب البرطي.
وكيل نيابة تعز رفض الإدلاء بمعلومات للجنة حول القضية –طبقاً لتقريرها- وقال إنه لن يتحدث إلا بوجود محام! وأنه يحترم القانون والفصل بين السلطات، وأن أية مطالب ترغب بها اللجنة يجب أن تمر عبر النائب العام أو مجلس القضاء.
والتقت اللجنة، صبيحة الجمعة، بالنائب البرطي في السجن المركزي، الذي قال إنه فوجئ بإطلاق النار على الخط الرئيسي الذي يبعد 100 متر عن المبنى حيث يتواجد هو في مكتب مدير الأمن، وأنه لا علاقة له بالمسلحين الذين ذكر مدير الأمن أنهم جاءوا بمعيته، مؤكداً عدم اعتراضه على القبض على القاتل ليأخذ جزاءه العادل.
وبناء عليه كان تقرير اللجنة يؤكد بطلان إجراءات اعتقال البرطي، ولم تنس الإشارة إلى استنكار الحادث الإجرامي الذي أودى بالشوافي والأسف لذلك، مؤملة أن تأخذ القضية مسارها الصحيح في القضاء، وأن ينال الجناة جزاءهم وفقاً للشرع.
هو -إذن- فصل جديد من المواجهة بين السلطة التشريعية من جهة والسلطة التنفيذية ممثلة بوزارتي العدل والداخلية أيضاً، والسلطة القضائية بأجهزتها المختلفة؛ وكل يؤكد صحة إجراءاته وخطأ إجراءات أو مطالب الآخر بنصوص الدستور والقانون، ويجهد للانتصار لطرفه، النواب لزميلهم، والقضاء لأجهزته، وهذه المداولات كشفت عن مبارزة السلطتين بجهل الدستور. وهناك في تعز ما زالت القضية تشتعل بقوة على مستوى الطرفين، وما زالت معها الاصطفافات والتكتلات تأخذ مسارها جنباً إلى جنب مع الإجراءات القضائية التي لم تتضح معالمها حتى الآن، وما زالوا يرقبون الكفة التي ستنجم عن تلك المداولات.
وشيع الخميس الماضي جثمان احمد منصور الشوافي بمنطقة الشعيب التابعة للشويفة (مسقط رأسه يتبع حاليا محافظة لحج)، وشارك في الجنازة وزير المياه والبيئة الدكتور عبدالرحمن فضل الارياني، ومحافظ إب أحمد عبدالله الحجري، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشورى وقيادة السلطة المحلية وعدد من المسؤولين بمحافظة تعز، وآلاف المواطنين، فيما تغيب عنها محافظ تعز حمود الصوفي.
 
———–