قمة الخرف – عبدالعزيز المجيدي

قمة الخرف – عبدالعزيز المجيدي

تعاملت قمة الدوحة مع المبادرة اليمنية بما تستحق. وما من وسيلة تقدير أفضل من التجاهل. إنه تعامل يليق بسلطة تتعاطى السياسة باعتبارها “فهلوة” وأعمال بهلوانية لا أكثر.
مع ذلك فإن الأمر لا يعني أن القمة كانت جيدة. فالمكان المناسب باعتقادي لاستعراض العاهات العربية المزمنة لم تكن تلك القاعة الفخمة، بل إحدى دور المسنين بالتقاسم مع مصحة نفسية بمواصفات طبية فائقة القدرة.
شاهدنا في القمة العادية التي استضافتها، الاثنين، قطر، مشاكل الزعماء والقادة وعقدهم المتضخمة. لكنا لم نشاهد ما يدل على مشاكل الشعوب العربية وسط القاعة. هذا أمر معتاد، وما من أداء انقلابي سيهطل من سماء المستحيل يشير إلى تعافي “قمم” الشعوب من أمراضها المستوطنة.
حضر “ملك الملوكـ” و”خادم الحرمين” و”أمير المؤمنين” و”فارس العربـ”… وعُلقنا كشعوب بين ربطات العنق الخانقة، وتلافيف “أبو عقالـ” الغليظة. وأسدل الستار ببيان ختامي من مخلفات القمم السابقة، مع بعض التعديلات الشكلية، بالإضافة إلى حفلة مصالحة!
لقد تحول مشهد المصالحة بين قائدين دخلا في مشادة كلامية قبل 6 سنوات إلى منجز سحر عدسات التلفزة. ولإنجاز مشهد مماثل يحتاج العرب إلى ملاسنة أخرى تتحول إلى موضوع رئيسي للقمم القادمة!
لكن المثير حقا، في كل تلك الكوميديا السوداء، حنق القيادة اليمنية، التي انسحبت من الجلسة الختامية، احتجاجا على تجاهل العرب مناقشة المبادرة اليمنية أو حتى الإصغاء إليها، كما قالت بمرارة صحيفة حكومية. إن الأمر يمكن النظر إليه هنا -مقارنة بمراحل سابقة- كمنجز، لكنه في ذروة البؤس.
خلافا لكل القمم السابقة اختفت نبرة الاحتفاء في الإعلام الرسمي اليمني، وطغت خيبة الأمل كمساحة صفراء فاقعة اجتاحت مقدمة “الثورة” الحكومية بقلم المحرر السياسي.
لو كانت هذه “الثورة” سورية أو سعودية مثلا لتصدرت نشرات أخبار “الجزيرة” و”العربية”، لكنها يمنية قلبا وهامشا.
لقد بسطت حمى الفشل على القمة في صحيفة “الثورة” فقط صباح الثلاثاء. وكان السبب الرئيس بحسب الصحيفة: استعصاء “حتى مجرد الاستماع إلى المبادرة اليمنية المتعلقة بإحلال صيغة الاتحاد العربي” طبعا محل الجامعة العربية تقصد.
وهذه الأخيرة بتعبير الرئيس في مقابلة له مع صحيفة “الشرق” القطرية “شاخت”. إنه يقول الحقيقة، فهذا الكيان لم يعد ينفع حتى في تشييع الجنائز. والمقولة تستوقف فقط من يعرف أنها لرئيس يدخل عامه الحادي والثلاثين حاكما وحيدا ببدائل كارثية: الصوملة، أو الأفغنة.
المشكلة أن المبادرات باتت حالة مرضية بالنسبة للسلطة اليمنية. فهناك مبادرة لإصلاح الأمم المتحدة، وأخرى لإصلاح الجامعة العربية، وثالثة تعكس تصرف لاعب قوي في السياسة الدولية، إذ كانت خاصة لإحلال السلام في يوغسلافيا السابقة! لكن المبادرة التي عكست صورة درامية للسياسة اليمنية كانت رؤية للتوفيق بين فرقاء فتح وحماس. وقد تزامنت مع إطلاق قطر مبادرة لتسوية النزاع بين الحكومة وجماعة الحوثيين على خلفية حروب صعدة الخمس.
والآن تطرح اليمن مبادرة لتحويل الجامعة العربية إلى “اتحادي فيدرالي”. يعكس الأمر في المجمل شكلا من الفهم البائس للسياسة الخارجية ومحاولة لعب أدوار إقليمية خارج شروطها.
ثمة اعتقاد يسيطر على صناع السياسة في اليمن (إن كان هناك صناع) بأن إطلاق المبادرات الخارجية يضمن للبلد وقائده العروبي -حد تعبير تقارير “قناة الجراف”- الحضور في المشهد كواحد من أقطاب إقليمية مؤثرة في السياسة الدولية.
حتى التسليم بهكذا شكل من العمل الدبلوماسي لا يتم وفقا لمقتضيات الحاجة إلى تحويل المبادرة إلى حالة نقاش؛ فهي دائما آنية وغير مسنودة بالتحركات اللازمة، ولم تبذل الدبلوماسية اليمنية -ولو شكليا- أي جهد مسبق لإسناد أي مبادرة تطلقها صنعاء بدعم دول عربية مؤثرة.
بافتراض حدوث ذلك -في حالة المبادرة “الاتحادية”- فإن هناك سوء تقدير شديد للدبلوماسية اليمنية للظروف السياسية القائمة في المنطقة. فالواقع الموضوعي يشير إلى حالة تشظٍّ عربي يطال مكونات كل قطر على حده، فضلا عن حالة الاستقطاب الإقليمية والدولية الظاهرة في المواقف المتنافرة لمجموع الدول. وتقديم مبادرة “اتحادية” في هذا الظرف يعني أن مصدرها قد اطمأن تماما للنتيجة: الفشل، والتجاهل فشل مضاعف.
بالاستناد لتقدير موضوعي لما هو قائم فإن أي دولة تحترم نفسها ستمتنع عن الخوض في تقديم مبادرات نتيجتها الحتمية الفشل.
بالإضافة إلى ذلك، تمعنوا جيدا في وضع بلد المبادرة نفسه:
منتصف مارس الفائت كان نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط والتنمية يضيف إلى قائمة مهامه الكثيرة مهمة إطلاق صفارات تحذيرية في صيغة تهديد للعالم.
في تصريح إلى وكالة الأنباء الفرنسية حذر عبدالكريم الارحبي من احتمال سقوط البلد في فوضى مشابهة للصومال حال ترك بلا مساعدات مالية.
ولدفع العالم إلى الفزع من مآلات بلد يحاذي جغرافيا أهم بلد منتج للنفط في العالم ويطل على الشريان الرئيسي للملاحة العالمية، كوّم الارحبي -المرتبط بالرئيس بصلة قرابة- الشعب اليمني في ساحة خراب ممتلئة ب24 مليون مقاتل؛ إنهم ببساطة “مقاتلون أشداء وليس لديهم ما يخسرونه”. هذه هي صورة المستقبل التي يفضل الوزير تقديمها عن بلده.
لقد غادر الرئيس بعدها وهو يفتقد إلى أي شكل من الإسناد تعكسه أوضاع الداخل لمبادرته الاتحادية.
هناك انفلات أمني، وهذا تعبير مجلس النواب، واضطرابات في اتجاهات الريح الأربع للبلد. وفيما تستمر تداعيات ما أفرزته سياسة السلطة في الجنوب، وصولا إلى المطالبة بحق استعادة دولة الجنوب، تلوح بوادر حرب سادسة قد تندلع في أي لحظة مع زيادة التوتر بين الجيش والحوثيين في صعدة. هل هذه أوضاع مثالية تسمح بالمزايدة على الآخرين؟!
ربما كانت القيادة اليمنية ستكون أمينة أكثر لو قررت كما حدث في مؤتمر المانحين بلندن نهاية 2006، عندما طرح الرئيس مخاوفه وتحذيراته من 21 مليون فقير (الشعب اليمني) قد يشكلون خطرا على استقرار المنطقة في حال تركوا دون مساعدة.
لو فعل الرئيس الأمر ذاته وتبنى مخاوف الارحبي وطرحها على طاولة العرب، فإن السلطة في اليمن ستتجنب -على الأقل- الظهور خلف قناع بهلوان يؤدي حركات مملة أمام جمهور خامل.
مقابل إخفاقات تفرض سيطرتها، داخليا وخارجيا، لم تخلُ قمة الدوحة من ميزة، فقد عكست -على الأقل- كيف أن الإقامة على كرسي الحكم لا تقود إلى اكتساب المزيد من الحكمة، كما يروج حملة مباخر التأبيد. لقد أثبتت أن قضاء مدة طويلة في الحكم لا يفضي إلا إلى الخرف. ومن استمع إلى وقائع جلسات القمة يدرك جيدا مدى المعاناة التي تشكوها القصور.
ربما يجب استثناء قطر، التي أظهرت ذكاء وقدرة مدهشة على مراقصة العالم بكل اللغات.
[email protected]