استحقت اليوم تذكرها بانتقائها شخصية العام في 2009.. ملكة عبدالله.. هجرت الوطن لتتقي شر بعض الرفاق – نادرة عبدالقدوس

استحقت اليوم تذكرها بانتقائها شخصية العام في 2009.. ملكة عبدالله.. هجرت الوطن لتتقي شر بعض الرفاق – نادرة عبدالقدوس

التقيتها قبل أكثر من عشر سنوات في بيت أخيها في منطقة “العيدروس”(1) في مدينة “كريتر” في عدن، وهي المدينة التي أرضعتها حب الوطن والنضال من أجله وافتدائه بالروح والدم منذ نعومة أظفارها. وكانت المناضلة ملكة عبدالله المولودة في كريتر في “حافة القاضي”(2)، الحارة المعروفة باحتضانها لكثير من المناضلين السياسيين والوطنيين الشرفاء، إناثاً وذكوراً، ضد الوجود الاستعماري، واحدة من مئات الفتيات الوطنيات والمناضلات من بنات عدن الباسلة اللاتي وهبن حياتهن من أجل تحرير الوطن من الاستعمار البريطاني والدفاع عن حياض الوطن بعد الاستقلال، إلا أنهن للأسف الشديد، لم يجنين من ثمار الوطنية والنضال السياسي غير التهميش وزحزحتهن من الصفوف الأولى ليقف مكانهن الذكور من زملائهن المناضلين، وكأنما كان دور المرأة النضالي ذرعاً يحتمي خلفه الرجال، رغم أن المرأة العدنية كانت في مقدمة المظاهرات الجماهيرية العفوية والمنظم، بل إن أول مظاهرة شعبية قادتها طالبات كلية البنات في المستعمرة عدن، حين خرجن احتجاجاً على الإدارة القمعية الفاسدة لمديرة الكلية الإنجليزية وطالبن بتغييرها وتعريب التعليم في الكلية،، وكان لهن ما أردن بعد أشهر من إغلاقها. كما أن للمرأة اليمنية دورا كبيرا وبارزا في تأجيج الحماس الوطني في نفوس الجماهير وفي تزايد أعداد المناضلين من الشباب من الجنسين للانخراط في صفوف المجاهدين ضد الاحتلال وذلك من خلال توزيع المنشورات المحظورة، المؤيدة للكفاح المسلح، وتنظيم الخلايا السرية التي تحملت مسؤولية توزيع السلاح للفدائيين وإيوائهم، وكثير غيرها من المهام الصعبة التي أوكلت لها.
الدكتورة ملكة عبدالله كانت واحدة من أولئك الفتيات المناضلات، امتلكت حساً وطنياً وحباً عظيماً لبلدها الرازح تحت نير الاحتلال جعلها تتميز بعقل أكبر من سنها. وبتشجيع من أمها انخرطت في صفوف المقاومين والمناضلين في الجبهة القومية وهي لم تزل في الخامسة عشرة من عمرها. ولكنها لم تنتظر جزاءً ولا شكوراً من أحد، لأنها مؤمنة بالله وبأن الوطن للجميع وأن النضال من أجله له الأجر والثواب عند الخالق الذي أمرنا بالإيمان والعمل الصالح، فجمعت التبرعات من الأموال والمواد الاستهلاكية والغذائية من التجار لتوزعها على الأسر الفقيرة والمعوزة المنتشرة في حواري عدن وفي أكناف الجبال. وكانت مع عدد من قريناتها تقوم بزيارة السجون ودار العجزة، الوحيدة الكائنة في مدينة الشيخ عثمان، أسبوعياً، وتوزع على النزلاء ما يحتاجونه من ملابس وبطانيات ومأكولات وغير ذلك. وتتذكر ملكة قائلة: “كنت عضوة بارزة في فريق الكشافة في المدرسة حيث تعلمنا الإسعافات الأولية، كما كنا ننظم الرحلات ونقوم بالتدريبات الرياضية. لقد كانت من أجمل أيام عمري”. وتضيف قائلة: “انخرطت في خلية نسائية للجبهة القومية، وتدربت على السلاح والقنص في منطقة باب المندب على يد محمود سبعة وعبدالله الدحيمي، وكانت المنطقة مناسبة للتدريب العسكري، حيث كنا نقوم بقنص الغزلان. شاركت في توزيع المنشورات السياسية المحرضة على النضال، كما كنت أقوم بإخفاء السلاح في سيارتي التي أقودها وأوصلها للفدائيين، ولأن الجنود الإنجليز لا يفتشون النساء فإنني كنت بكل سهولة أمر من أمامهم وبدون أية عرقلة حتى في أحلك الظروف السياسية وفي أوج غضب جنود الاحتلال في حالة حدوث العدوان عليهم من قبل الفدائيين. لقد شاركت في الكثير من المظاهرات كغيري من نساء عدن، كما ساهمت طواعية في نشر الوعي السياسي بين صفوف النساء”.
نجد أن الكثيرات من أمثال المناضلة الدكتورة ملكة عبدالله في غياهب النسيان، تجاهلها رفاق النضال الوطني، ولم يكلف أحد نفسه ذكرهن عند الكتابة والتوثيق عن ثورة أكتوبر أو سبتمبر أو ذكرى الاستقلال الوطني، بل إن معظم هؤلاء الفتيات عانين الكثير من بعض “الرجالـ”، بعد الوصول إلى دفة الحكم بعد الاستقلال وابتلائهم بإغراءات السلطة و”نِعَمها”! من تلك المعاناة محاولة استدراجهن إلى أوكار الفساد الأخلاقي وإلا لاقين الويل والثبور. إلا أن الفتاة العفيفة “ملكة” التي نذرت نفسها للوطن وشرف النضال الوطني نأت بنفسها، ورفضت تلطيخ تاريخها النضالي وبيع ثقة أسرتها بها بأبخس الأثمان. وكانت العنصر النسائي الوحيد الذي نال شرف المشاركة مع وفد الجبهة القومية برئاسة الرئيس الأسبق قحطان محمد الشعبي في مفاوضات الاستقلال في جنيف قبل تحقيقه بأسبوعين كسكرتيرة للوفد، كونها تتحدث الإنجليزية بطلاقة وتمتلك من الوعي السياسي ما لم تمتلكه كثيرات في ذلك الحين. وعن ذلك الحدث تحكي لنا المناضلة ملكة: “جاءني الأخ سيف الضالعي وأخبرني بأنه تم اختياري من قبل قيادة الجبهة القومية للمشاركة في وفد الجبهة للتفاوض حول استقلال الجنوب، وكان سبب الاختيار، كما أخبرني، إتقاني اللغة الإنجليزية والجرأة التي أتمتع بها ونشاطي السياسي. وكان يجب عليّ أن أعد نفسي خلال 24 ساعة. كانت لعلعة الرصاص لا تتوقف في مدينة عدن، وكريتر بالذات، وممنوع التجوال والخروج إلى الشارع. لكني رغم كل الظروف خرجت ووصلت إلى فندق “سي. فيو” في خورمكسر، حيث اجتمع الوفد المشارك والذي ترأسه الأخ قحطان محمد الشعبي الذي أصبح رئيساً لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية بعد الاستقلال. ومن هناك انطلقنا إلى المطار بالاتجاه إلى جنيف وبعلم السلطات البريطانية، وقد بقينا فيها أسبوعين، وسبب التأخير في البث هو مماطلة البريطانيين الذين كانوا يتعمدون تعطيل عدد من الاتفاقات والشروط التي كان يضعها الفريق اليمني الممثل لشعب الجنوب الحر”. وتستطرد قائلة: “أشعر بالفخر لمشاركتي في ذلك اليوم التاريخي. كنت حينها في العشرين من عمري تقريباً، إلا أن حجم المسؤولية كان أكبر مني وكنت أعيها تماماً”.
دفع جحود الرفاق المناضلة ملكة إلى اختيار أحد الأمرّين، وهو الرحيل عن مدينتها التي عشقتها وعدم العودة إليها طالما تلك النفوس الشريرة تصول وتجول فيها. وكانت المناضلة ملكة عبدالله ابتعثت في منحة دراسية إلى فرنسا من قبل وزارة الزراعة عام 1971، ولكنها أثناء عودتها إلى عدن لقضاء الأجازة الصيفية بين الأهل والأقارب. وفي مطار عدن تم منعها من المغادرة والعودة إلى فرنسا وتم احتجاز جواز السفر من قبل “مباحث أمن الثورة”.
تقول المناضلة ملكة: “قررت الهروب متخفية إلى محافظة لحج ومنها إلى منطقة القبيطة مشياً على الأقدام وكنت متنكرة بلباس نساء الريف الأغبر ودهنت وجهي بالكركم (الهرد) وشعري بالحناء كما تفعل النساء في الريف اليمني. ولم أكن أملك فلساً واحداً ولا طعاماً. قضيت يومين في أحد البيوت هناك، وفي اليوم الثالث سرت وحدي في تلك المناطق المقفرة، وفي الساعة الخامسة من فجر أحد أيام السبت، وكان الناس هناك يستعدون لبدء نشاط سوق السبت، حسب التقاليد عندهم في تحديد يوم للتسوق، تمكن أحد العسكر اليمنيين من التعرف عليّ بعد أن شك فيّ وعرف أنني هاربة من عدن وهمّ بتسليمي إلى السلطات في عدن، لولا أن أنزل الله تعالى الرحمة في قلبه وتركني أمضي في طريقي، إذ مشيت إلى منطقة الراهدة ومنها وجدت سيارة لمسافرين حملتني إلى مدينة تعز. ومنها سافرت إلى صنعاء براً، ساعدني في ذلك أحد أعضاء جبهة التحرير المحظورة في الجنوب. وفي صنعاء وجدت بعض المضايقات عندما علمت السلطات هناك بوجودي في منزل أحد أعضاء جبهة التحرير الذي استقبلني بحفاوة، وتم التحقيق معي واستجوابي لمدة شهر كامل، لكن عندما علمت السلطات أن سبب هروبي من عدن من أجل مواصلة الدراسة وما تعرضتُ له من مضايقات هناك، قدمتْ كل الدعم وذللت لي الصعوبات، فتم استخراج جواز سفر جديد وتذكرة سفر إلى فرنسا ومنحي مبلغ 500 ريال يمني، وكان هذا المبلغ يساوي الكثير حينها. وأثناء ذلك اتصلت بالسفير الفرنسي في صنعاء وأخبرته بأنني مواطنة يمنية تحصلت على منحة دراسية في فرنسا. ورحب بدوره بذلك وساعدني على مواصلة الدراسة وكانت السلطات في عدن قد ألغت منحتي الدراسية. وهكذا درست اللغة الفرنسية في كلية الآداب في جامعة بيزنسو في باريس وبعد عامين من التخرج درست في معهد الإدارة الدولية في كلية العلوم السياسية -القسم الدبلوماسي- في باريس أيضاً وأثناء الدراسة تم ابتعاثي إلى أوتاوا في كندا للمشاركة في دورة تدريبية. نلت شهادة الماجستير عام 1976 بتفوق”.
عندما التقيتها في المرة الأولى تلك كانت مازالت في مرحلة الإعداد لبحثها العلمي لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا، وفي هذه المرة كان لقائي بها في رحاب بيتها الجميل في مدينة العريش في خورمكسر، وكانت في أوج سعادتها والإحساس بالرضى وهي تحدثني عن اختيارها شخصية للعام 2009 من قبل منتدى الرقي والتقدم الذي يرأسه يحيى محمد عبدالله صالح. وبسعادة بالغة تحدثني بأنها فوجئت بالنبأ الذي جاءها عبر اتصال هاتفي، وكان عليها أن تستعد للحضور إلى صنعاء للتكريم واستلام الوسام خلال أسبوع.
كانت المناضلة الدكتورة ملكة عبدالله تظن أن أحداً لم يعد يتذكرها إلى أن جاءها الهاتف بالنبأ اليقين، فطارت فرِحة مرددة “الدنيا ما زالت بخير”. والغريب أن الدكتورة ملكة تعمل مستشارة في سفارتنا في فرنسا منذ سنوات ورفضت عروضاً كثير للعمل في عدد من المواقع العلمية والتعليمية الفرنسية وبرواتب مغرية، ولأنها تشربت حب الوطن؛ فقد أبت وفضلت العمل في السفارة وبراتب زهيد وبدون تحديد الوظيفة! وعندما سألتها في دهشة عن السبب قالت: “لا شيء سوى أنني أحب بلادي وأريد أن أكون على تواصل معها ومع أهلها وهم أهلي وأقدم أية مساعدة لهم في الغربة”. وهنا نسأل: ألا تستحق هذه السيدة الكريمة إعادة النظر في وظيفتها ومرتبها وهي الحاصلة على هذا القدر من العلم!؟ وقبل هذا وذاك فهي المناضلة التي عانت قسوة الاغتراب القسري عن الوطن الذي ناضلت من أجل حريته وحرية شعبه.
تعيش، حالياً، المناضلة ملكة عبدالله أبهى سني حياتها وهي في كنف زوجها رجل الأعمال اليمني -ابن عدن- عبدالله فقيرة، الذي، كما قالت لي إنه كل حياتها فقد أغدق عليها حباً وحناناً ويعاملها بكل رقة واحترام، ما جعلها تشعر بأنها أسعد امرأة في الوجود.
وأثناء حديثنا دلف إلى غرفة الجلوس زوجها (في العقد السابع من العمر) حاملاً صينية الشاي وابتسامة ضافية على محياه. فنثرت عليه كلمات الحب والشكر.
كم يكون الزوجان رائعين عندما يحمل كل منهما للآخر في ثنايا روحه هذا الحب الصادق؛ فتغدو الحياة جميلة والوجود أجمل.

> هوامش:
(1) أطلق اسم “العيدروس” على منطقة تقع في أقسى جنوب مدينة عدن تحت سفح جبل شمسان تيمناً بالعلامة ولي الله الصالح أبوبكر بن عبدالله العيدروس الذي دخل المدينة، قادماً من حضرموت قبل أكثر من خمسة قرون، حيث يقع أيضاً فيها ضريحه الذي بني عليه مسجد يعرف باسمه، وكانت تقام الزيارات الكرنفالية والاحتفالية في هذه المنطقة كل عام من قبل المواطنين في ذكرى وصوله إلى عدن.
(2) الحافة تعني الحارة باللهجة العدنية. وهناك “حافة حسين” و”حافة اليهود” و”حافة الكدر”… الخ.