الأمن و”القاعدة”.. من يخترق الآخر – محمد القاضي

الأمن و”القاعدة”.. من يخترق الآخر – محمد القاضي

كشف الهجوم الانتحاري على موكب السفير الكوري وفريق التحقيق الكوري في العاصمة صنعاء مدى اختراق الجماعات الجهادية لأجهزة الأمن اليمنية؛ الحقيقة المرة التي أفصح عنها نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن، رشاد العليمي، في الجلسة المغلقة للبرلمان، الاثنين، والتي خصصت لمساءلة الحكومة حول القضايا الأمنية والعمليات الأخيرة لتنظيم القاعدة في اليمن، حيث قال، حسب موقع “الصحوة نت”، الذي كشف ما دار في كواليس البرلمان: “تم اكتشاف عناصر في الأمن يتبعون تنظيم القاعدة”. وأضاف أن “رجال الأمن يمكن اختراقهم، لأنهم بشر، وممكن أن يتم شراؤهم”.
مخزون من الانتحاريين
كان عام 2008 عام “القاعدة” بامتياز في اليمن، اذ شهد العديد من الهجمات الإرهابية كان أبرزها الهجوم بالسيارات المفخخة ضد السفارة الأمريكية في سبتمبر الماضي وراح ضحيته 18 شخصا. ولا شك أن عملية سيئون ضد السياح الكوريين وفريق التحقيق الكوري في العملية بالقرب من قاعدة الديلمي الجوية على خط المطار يدل على أن “القاعدة” والتنظيمات الجهادية الأخرى، التي تلتقي في فكرها وتعتبر العنف خيارها، لديها مخزون كبير من الانتحاريين من الشباب الذين استطاع “القاعدة” وهذه التنظيمات الجهادية استغلال الظروف الاقتصادية والسياسية والإقليمية لاستقطابهم وغسل أدمغتهم بالفكر الجهادي.
عبدالله عبد الرحمن الحربي، عضو تنظيم القاعدة، الذي ألقي القبض عليه منتصف الشهر الجاري بمحافظة تعز وأحد المطلوبين للمملكة العربية السعودية الذين ضمتهم قائمة ال85 سعوديا أعلنتها المملكة في فبراير الماضي، كشف –حسب موقع “26 سبتمبر” أمس الثلاثاء- في اعترافاته عن عملية تجنيد عدد من صغار السن الذين لم يتجاوز أكبرهم ال18 من العمر، خلال الأشهر القليلة الماضية، وجرى تدريبهم داخل اليمن وخارجها. وهو ما تؤكده عمليتا سيئون وصنعاء، إذ أن المنفذين شابان في الثامنة عشرة من العمر.
إن ملاحقة الفريق الأمني بهذه الطريقة أخطر بكثير من عملية سيئون ضد السياح الكوريين، فهي تحدٍّ واضح للأجهزة الأمنية اليمنية وللنظام السياسي برمته، وبه يريد “القاعدة” إثبات وجوده والقول إنه ما زال قويا جدا وقادرا على توجيه ضربات مؤلمة بحجم عملية المطار التي، وإن فشلت في تحقيق هدفها في القتل، حققت هدفها في إبراز عضلات هذه الجماعات. لكنها تكشف عن انتهازية كبيرة لدى أفراد هذه الجماعات، وأن قادتهم يفتقدون لرؤية استراتيجية في تحديد أهدافهم، بعكس التنظيم الأم، فلديهم مخزون من الشباب الانتحاريين يدفعون بهم للموت ولو كان في سبيل تحقيق أهداف بسيطة تحمل في طياتها ردة فعل أو إثبات وجود وإعلان تحدٍّ. ومع ذلك فإن تتابع العمليات وفي وقت قصير جدا (عمليتين في نحو أربعة أيام) هو دليل على أن القادم أسوأ، وأن “القاعدة” سيستعجل في عملياته وسينتقم لاستهداف أعضائها بالقتل أو الاعتقال والمحاكمة، واختراقات الأجهزة الأمنية له.
السلطات الأمنية أعلنت قبل عدة أشهر نيتها تقديم نحو 60 شخصا متهما بالإرهاب إلى المحاكمة. تم تقديم 8 على دفعتين ومجموعة أخرى مكونة من 16 شخصا تجري محاكمتهم الآن أمام المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب. بعض أعضاء المجموعة ال16، التي يعود أصول أغلب أعضائها إلى حضرموت التي أصبحت فقاسة لعناصر “القاعدة”، اعترفوا في جلسة أمس الثلاثاء بأنهم عادوا من العراق وأنهم تعرضوا لإصابات مختلفة أثناء مشاركتهم في القتال هناك.
حسام العمودي، 25 عاما، أقر بأنه قبض عليه في سورية أثناء عودته من العراق.
وعلى الرغم من إنكاره أمام القاضي محسن علوان اعترافاته وادعائه أنها انتزعت منه تحت الضغط والإكراه والتهديد، إلا أنه قال: “عندي انزلاق في العمود الفقري وأصبت بشظية عندما كنت أجاهد في العراق، وأطالب السلطات بعلاجي، لأني لم أتمكن من ذلكـ”.
المجموعة المكونة من 16 بينهم 4 سوريين وسعودي من أصل يمني، بدأت محاكمتهم في 11 مارس الجاري، إذ تتهمهم النيابة بتنفيذ 13 عملية مسلحة أولها الهجوم على نقطتي شرطة ثم مقتل السائحتين البلجيكيتين في حضرموت يناير العام
2008 ومحاولة الهجوم على السفارة الأمريكية التي أخطؤوها وأصابوا مدرسة 7 يوليو، ومجمع سكني لخبراء غربيين، والهجوم الانتحاري على معسكر الأمن المركزي في سيئون، واستهداف السفارة الإيطالية التي أخطؤوها وأصابوا المعهد الجمركي، وتفجير أنبوب النفط التابع لشركة “توتالـ” الفرنسية، ومهاجمة الشركة الصينية في “الخشعة”، واشتباكات مدينة تريم التي قتل فيها حمزة القعيطي القائد العسكري لتنظيم القاعدة، واستطاع القعيطي، أحد الفارين من سجن الأمن السياسي في فبراير 2006 تجنيد عدد من الشباب. وكان القعيطي يحمل فكرا أكثر تشددا من رفاقه، إذ يرى أن على “القاعدة” أن ينفذ عمليات ويستهدف أية مواقع بغض النظر عن أهميتها الاستراتيجية.
استهداف “القاعدة” ما هو متاح أمام عناصره يؤكد بجلاء خطورة الوضع الأمني في اليمن، ويُخشى أن تتحول إلى مأوى حقيقي للإرهاب، بعد الضربات التي تعرض لها “القاعدة” في السعودية والعراق، وهو ما أشار إليه رشاد العليمي في حديثة أمام البرلمان، حيث أرجع ارتفاع وتيرة الأحدث التي شهدتها اليمن مؤخراً إلى الضغط الذي يتعرض له عناصر “القاعدة” في بعض الدول كأفغانستان وباكستان والعراق والسعودية وغيرها، الأمر الذي سبب عودة أفراد هذا التنظيم إلى بلدانهم ومنها اليمن، التي يوجد لها عدد كبير من عناصر التنظيم.
إن تبني خيار الحوار المبني على غير أسس واستراتيجية واضحة تحول إلى مجرد مصالحة، مما أعطى مجالا للطرف الآخر-حسب مهتمين بشؤون “القاعدة” والإرهاب- لفرض شروطه في أرض الواقع على الدولة وأجهزتها ومعاملته معاملة الند للند. وهكذا تحول الحوار، بفعل عدم جدية القائمين عليه، إلى مجرد دعاية وبروبجاندا لتجميل وجه الحكومة أمام الخارج، بدلا من أن يكون مشروعا استراتيجيا هدفه الأساسي إنقاذ اليمن من الطوفان الذي يحدق بها. ولذا ما لم يتبنَّ اليمنيون مشروعا وطنيا لمواجهة الإرهاب والجماعات المتطرفة على عدة جبهات سياسية واقتصادية وأمنية وفكرية وتعليمية وإعلامية، فان اليمن ستدخل في دوامة من عدم الاستقرار ستكون نتائجها كارثية ولن يسلم منها أحد.
[email protected]