اختزال حضرموت – محسن العمودي

اختزال حضرموت – محسن العمودي

لم يعد الاستياء في حضرموت مقصورا على العامة من أبنائها، بل تجاوزه ليصل إلى بعض القائمين على السلطة التنفيذية والمحلية فيها، فالشكوى والألم من التسيب والفلتان الإداري أضحيا حديث الكل، بل وصل الإحباط، من المركزية الشديدة وعدم تجاوب القائمين على رأس السلطة المحلية، مبلغ اليأس التام. وهي مناخات لا يمكن أن تسهم في عملية تنمية حقيقية بمفهومها الأشمل، بقدر ما هي محاولات أفراد للحصول على قدر أكبر من “كعكة” الفساد والإفساد التي أصبحت الوسيلة الأفضل لشراء الذمم وإسكات الأصوات في ظل غياب مبدأ الثواب والعقاب، وفي ظل التغييب المتعمد للمعايير.
في جانب التوعية والتثقيف، اختزلت حضرموت في صحيفتين هزيلتين، فبالرغم من الإمكانات المادية المتوافرة لهما الإ أن الحصيلة تبقى مقززة، وفي كثير من الأحيان منفره، وحرصا من القائمين عليهما على عجلة دوران الاستحقاقات المالية وبقائها محصورة بين عدد من الأسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة يبقى المنشور والناشر ضمن نطاق تلك الدائرة، فالمهم بالنسبة للقائمين هو الإثراء والخروج بأكبر قدر من المنفعة المادية، فحدوث أي تغيير قد يجفف منابع دخولهما، فالمتربصون كثر وهم جميعا في انتظار ما يعتبرونه استحقاقا حتى وإن كانوا بعيدين عن جدارة الاستحقاق، أما الحديث عن المنتديات “الثقافية” فما يدور فيها لا يخرج عن نطاق محدد، سواء في نوعية المواضيع التي تطرح أو الأفراد المساهمين بالمحاضرة أو المداخلة، والقائمون عليها والمشاركون فيها لا يمكن اعتبارهم إلا امتدادا لعقلية تكريس الإسفاف والابتذال،وهم ممن ينطبق عليهم “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”، فعدا جهود بعض الأخوة في قيادة فرع “إتحاد الأدباء والكتابـ” إلا أنها تواجه بتضييق في الإمكانيات ومحاولات التوجيه والوصاية في نوعية ما يطرح، فالمطلوب من الجميع تكرار ما ينشر في إعلامنا الرسمي والإشادة به باعتباره من المنجزات حتى وإن كان من بديهيات مهام ودور السلطة أو “الدولة”، فشق طريق وتعبيده أو إيصال خدمة الهاتف إلى واد ما، ينبغي النظر إليه باعتباره منجزا عظيما تكرمت به الدولة، ولن تتوقف عن المن به في كل مناسبة، بل واعتباره حينا ووصفه بالنقلة النوعية، فسياسة التجهيل وتكريس الإسفاف ينبغي لها أن تسود حتى في وسائلنا الإعلامية ومحافلنا الثقافية، حتى أن المركز الثقافي الوحيد في المكلا، تم تحويله، فجأة، وبقرار ثوري إلى معقل للسلطة المحلية بمحافظها ووكلائها ومجلسها المحلي، وما على المتضرر إلا اللجوء للقضاء إن لم يكن في الأرض فمؤكد في السماء.
الاختزال لم يتوقف عند ذلك الحد، بل إنه قد تجاوزه ليصل إلى دائرة محدودة من بعض مدراء العموم تدور الأمور بينهم، وتتباين قدرة وحظوة الواحد منهم عن الآخر، بقدر ما تستطيع أن تقدمه إدارته من مردود مادي بحت إلى مداخيل المحافظة، أو مقدرة المدير العام على التحمل وتلبية النداء وسرعة التصرف، فالتنافس الايجابي الشريف، انعكس مفهومه من تقديم الخدمة الأفضل للمواطن إلى الجابي المالي الأكبر والمطيع الأمثل اختزال حضرموت والحضارمة امتد ليصل إلى عدد من التجار المقيمين القادمين من خارج الجمهورية، فبحجة الاستثمار والتسريع بوتيرة التنمية وهي “الفرية الكبرى” التي يتم الترويج لها، تسخر كل إمكانيات ومقدرات المحافظة لمستثمر مغامر وجد في مثل هذه الأجواء مرتعا خصبا ليمارس سطوة ماله، فالكل متلهف للقائه، والكل راغب في ما تجود به نفسه، فالسلطة سخرها لخدمته فقط، بل نستطيع أن نقول إنها التي بادرت وسارعت لتسخير نفسها له، حتى أن اتفاقية وقعت معه لتنفيذ وتشغيل (طريق استثماري)، نعم طريق استثماري، فيها من البنود والشروط ما يثير التعجب وما تقشعر له الأبدان وتشمئز منه الأنفس الأبية،نورد منها وكما وردتنا، بعض أهم الفقرات ودون تعليق:
1 – عدم فرض أي قيود تحول دون تنفيذ المشروع أو استثماره وعدم تقييد المشروع بأي مدة زمنية!!!.
2 – يتولى الطرف الثاني (المستثمر) عند إكمال المشروع إصدار لائحة منظمة للطريق الاستثماري!!!.
3 – تعطى للمستثمر سلطة منح الموافقات وتحصيل الرسوم لمصلحته!!!.
4 – يتولى المستثمر مهمة امن الطريق في مدخليه بصورة أساسية لما يكفل حماية حقوقه وله أن يباشر هذه المهمة بمن يعينهم لهذه المهمة أو بواسطة شركة مختصة!!!.
5 – يحق للدولة تسيير دوريات أمنية في الطريق وبما لا يؤثر سلبا على الطريق وتشغيله وليس على الطرف الثاني (المستثمر) أي التزامات لمثل هذه الدوريات!!
6 – لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن يتم سحب هذا المشروع من الطرف الثاني أو إلغاؤه مهم كانت الظروف!!
-7 يحق للطرف الثاني (المستثمر) الاستعانة برجال السلطة العامة سواء كان الأمن أو خلافه في أي وقت كان، وعلى الطرف الأول (السلطة) سرعة الاستجابة متى طلب منه ذلك!؟.
-8في حالة نشوب أي إشكاليات تعترض الطرف الثاني (المستثمر) عند تنفيذ المشروع أو تشغيله ولم يستطع الطرف الأول (السلطة) حلها فإنه يحق للطرف الثاني اللجوء إلى التحكيم لدى مركز دبي للتحكيم التابع لغرفة تجارة وصناعة دبي لحماية حقوقه والمطالبة بالتعويض المناسب، ويقر الطرفان أن مركز التحكيم المذكور هو المركز الذي يجب أن يلجأ إليه الطرفان في كل أمر من أمور هذا الاتفاق وهو الجهة المخولة للفصل في أي نزاعات!!!؟؟.
لا تعليق عدا علامات التعجب والاستفهام،التي حاولنا قدر الإمكان اختزالها، والمبكي في الأمر أن الأرصدة المالية المتكونة من الإثراء السريع الناتج عن التسيب والتواطوء، أصبحت أسواق دول الجوار وقارتا أوروبا وآسيا مكانا ملائما لها لإقامة المنشآت الصناعية الحقيقية فيها، فواقع الحال هنا محفز للمغامرة والمقامرة، وهناك للأسثمار الحقيقي؛ فغياب الدولة لدينا سمح بذلك ووجودها هناك منع التلاعب، وسوف يستمر الحال على منواله هذا، طالما بقيت الدولة غائبة ومغيبة بأدواتها وآلياتها الهزيلة التي اختارتها هي، فتقاسم النفوذ والأدوار، الذي يمارس، آن له أن يتوقف، وآن الأوان أيضا لوقف سياسة الإختزال، فحضرموت وأبناؤها أكبر من أن يختزلوا، فسوف تبقى لها ولهم أدوار مشرفة أكبر من أي مساحة جغرافية وإن اختزلت في غفلة من الزمن، ويبقى على العقلاء في هذا الوطن أن يتعاملوا مع حضرموت وأبنائها باعتبارها، واعتبارهم، الرقم الفاعل في المعادلة والجزء الأساسي من دولة الوحدة، وليسوا أقلية يمكن إرضائها بالفتات. الحضرمي وبحسه التجاري يدرك أن وحدة اليمن وضمان إستمراريتها مكسب هام ينبغي الحفاظ عليه، فالخوف كل الخوف أن تستمر هذه السياسات التدميرية وتبقى تبعاتها واستحقاقاتها باهظة التكلفة وغير قابلة للحل، أو أن تبرر تلك الممارسات يوما ما بأنها ناتجة عن عقل مختل أو نفس مضطربة، فحينها سوف يقال بأنه “عذر أقبح من ذنبـ”، وبأن الزمان قد تجاوز أي مبررات حتى وإن اتسمت بالموضوعية، فعقارب الساعة لم ولن نعتد منها أبدا أن تعود بنا إلى الوراء، وآخر دعوانا ” ربنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأعف عنا وارحمنا، أنت مولانا ونعم النصير”.
[email protected]