عندما يقتل القانون في اليمن.. هل يحمي الآخرين؟! – كفى شاهلي

عندما يقتل القانون في اليمن.. هل يحمي الآخرين؟! – كفى شاهلي

مازالت قضية الطبيب درهم القدسي عالقة في أروقة السلطة، كالعادة، رغم القبض على أحد الجناة المتسببين في وفاة الطبيب، بعد ثلاثة أسابيع كان جسده قد أعلن خلالها الحداد على الضمير الإنساني الذي تجرأ هذه المرة ليقتل مَن مهمته إنقاذ أرواح يحدق بها الموت، ومساعدتها بقدر ما يحكمه القدر من العمر.
فقبل دقائق من الدخول في الغيبوبة لأسابيع ثلاثة، كان الطبيب درهم القدسي تلقى طعنات أصابت رئتيه وشرايين قلبه من قبل أحد أبناء مرضاه في مستشفى العلوم والتكنولوجيا.
قال كل من رأى الواقعة، من الممرضين والمناوبين يومها، إن الطبيب درهم اتصل بأهل مريضه المتوفى الذي يعاني من السكر والفشل الكلوي، فتوعده الابن بالقتل، محملاً إياه سبب وفاة والده. لم تمض سوى دقائق معدودات حتى هاجمت مجموعة مسلحة المستشفى بمعية الابن، وكتفت الطبيب من يديه من قبل اثنين من المجموعة، بينما نخر الابن ظهر الطبيب بالطعنات وأصبح مكانه غرفة مريضه المتوفى (العناية المركزة) ولاذت المجموعة بالفرار.
الوسط الطبي والنشطاء الحقوقيين أعربوا عن استنكارهم، واعتصموا، ورفعوا مطالبهم إلى نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن وزير الإدارة المحلية ووزيري الصحة والداخلية، مطالبين بالقبض على الجناة الطلقاء وتنفيذ القانون. فيما ظل جسد الطبيب في حالة حداد واحتجاج. ولم تفلح الاعتصامات والبيانات وكل الضغوط المدنية من قبل النشطاء الحقوقيين في القبض على الجناة وتحقيق عدالة السماء أو القانون.
حينها انقسم الوسط الطبي إلى شطرين: شطر استمر بالاعتصامات وإصدار البيانات ومارس كافة الضغوط المدنية والقانونية للمطالبة بالقبض على الجناة حتى لا يدفع الأطباء ثمن التعدي على القانون ويقتلون في ميدان مهامهم الإنسانية وسط صمت مطبق من السلطات، معتبرين ما حدث خطوة نحو رفض أداء المهنة مع أبناء القبائل.
أما الطرف الآخر الذي تغيب عن الاعتصامات فيبدو أنه أدرك أن القانون لم يحمِ أهله، فتسلل إلى قلبه الخوف على حياته من اعتداء مشابه.
ولعل ما يعزز تلك المخاوف لديهم ما تعرض له القضاء عينه من سلطة الفوضى في البلد وعجز القانون عينه عن محاكمة ومحاسبة الجناة حين توفي القاضي محمد عبود الشعيبي، رئيس شعبة الاستئناف بوادي وصحراء حضرموت، منتصف نوفمبر 2008، حين وجدت جثته على مكتبه ساعة الدوام الرسمي، بعد أن تعرض لطلقات رصاص من قبل شخص صدر بحقه حكم قضائي لصالح خصمه.
وبالعادة تحكم المجتمع اليمني سلطة القبيلة التي تحمي أفرادها حتى وإن أخطؤوا، وهو ما يحدث في معظم الأحيان، وبالتالي لا تؤمن غالباً بقدرة القانون على تحقيق العدالة، أو تراه يماطل في قضاياه أحيانا أخرى. وشكلت هذه القضايا 54% من عدد القضايا التي تم امتثال أطرافها لسيادة القانون بحسب تقارير حقوقية.
وعلى الرغم من أن المدن اليمنية تكتظ بالأجهزة الأمنية والمعسكرات على أطراف مناطقها، والتي تشكل 7 تكتلات تقريبا لكل مدينة، إلا أنها تعجز في معظم الأحيان عن حماية المواطنين العزل، حيث شهد عام 2008 ما يزيد عن 10 حالات اعتداء من قبل مسلحين لم تتخذ الدولة بحقهم أي حكم قضائي، كونهم محتمين بقبائلهم في الأرياف.
يعود ذلك إلى كون بعض الأجهزة الأمنية تسير وراء مصالحها الشخصية، بشكل فردي أو جماعي، بعلم أو بدون علم السلطات، لتحمي بعض المتنفذين في المدن. وظل القضاء عاجزا عن فعل شيء، وإن تجرأ فإن الفصل عن العمل هو أبسط ما يلقاه القاضي.
وهذا يعود بنا إلى حادثة صاحب أشهر حكم قضائي في اليمن، القاضي البابكري امذيب، المعزول بسبب حكم أصدره في العام 2007 قضى فيه بإخراج المعسكرات من المدن طالما وأنها لا تحمي المدنيين من نفوذ المتنفذين وسلطة القبيلة. بل ذهب الحكم أبعد من ذلك عندما قرر محاسبة العسكريين المتورطين في أي قضايا مخلة بالأمن أو مساندة للبسط على ممتلكات المواطنين أو التعدي على سلطة القانون في البلد.
ولم تتماش أحكام المحاكم الجنائية والمتخصصة والعادية، والقانون المحلي أو الدولي. وما أصدرته من أحكام خلال العام المنصرم لم يتوافق مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة، بما فيها السماح للمتهمين ومحاميّ الدفاع بالاطلاع على ملفات القضايا، حسب تقرير منظمه العفو الدولية.
وسارعت تلك المحاكم إلى الحكم على 36 شخصا، ستة منهم بالإعدام، بسبب شجار قتل فيه أحد المسؤولين، والآخرين بالسجن فترات تصل إلى 15 عاما.
واتهمت منظمة العفو الدولية، في تقريرها العام الماضي، السلطات اليمنية بتعذيب السجناء والمعتقلين في أقسام الشرطة ومعتقلات جهازي الأمن السياسي والأمن القومي، ومعاملتهم بالقسوة، وتنفيذ حالات إعدام خارج نطاق القانون والقضاء.
وقالت المنظمة إن المعتقلين في جهازي الأمن السياسي والقومي “تعرضوا للضرب بالعصي وأعقاب البنادق، والحرق بالماء الساخن، وصفدت أيديهم وعصبت أعينهم، وحرموا من المياه ومن استخدام المراحيض…”.
وكان ما لا يقل عن 109 أشخاص حوكموا أمام المحكمة الجنائية المتخصصة، حوكم اثنان منهم أمام محاكم جنائية عادية، ولم يلق الجميع محاكمة عادلة.
ولم يذكر التقرير تنفيذ المحاكم أحكاما بحق من يقتلون أو يعتدون على المواطنين العزل من قضاة ومحامين وعسكريين، أو تقديم أي من الفاسدين إلى المحاكم حتى اللحظة، رغم تجاوز حالات الاعتداء والبسط على حقوق المواطنين، في محافظة واحدة من أصل 21 محافظة، ما يزيد عن ألف حالة.
وأدانت المحاكم اليمنية 53 شخصا في سبع قضايا منفصلة، حكم في ست منها على أصحابها بالسجن فترات بلغ بعضها، خارج الحكم، 15 عاما، رغم أنها في الحكم لم تتجاوز الثلاثة الأشهر. كما تخلفت المحاكم عن النظر في قضايا معتقلين شاركوا في فعاليات مدنية، وكان قد تأخر رفع قضاياهم إلى النيابة ومن ثم إلى المحاكم فترات تصل إلى الثمانية أشهر.
إن اتساع الفساد في اليمن قتل القانون الذي دفع منتسبوه ضريبة العمل في مضماره، وبينهم المحامي عبود، الذي تعرض للطعن علناً أمام أفراد الشرطة في مدينة عدن، ولم تفلح عدالة القانون في محاسبة المعتدي.
ويستمر مسلسل الانتهاكات حد التعدي على القانون نفسه، بل ووظف القانون القمعي ضد كل من تسول له نفسه الحديث عن الانتهاكات والحقوق المهضومة في البلد من قبل بعض المتنفذين أو القبليين أو من يعملون في الحقلين السياسي والأمني.
وكشفت التقارير المحلية والدولية قيام السلطات بفرض قيود انطلقت في البدء على مواقع الانترنت بسبب الكتابات السياسية التي تطرقت لمثل هكذا وضع، ووضعت وسائل قمعية، ومنعت كثيرا من وسائل الإعلام من استخدام رسائل الجوال، وأصبحت مسألة الخوض في قضايا المجتمع الحقوقية والقانونية تضع الصحف في خانة “التآمر” وعرضة للملاحقات القانونية وغير القانونية.
وتتصدر صحيفة “الأيام”، كبرى الصحف اليمنية، قائمة الصحف المعرضة للمساءلة، بل والاعتداء مراسليها بالضرب، لتشكل في العامين الماضيين ما يزيد عن 200 حالة ما بين اعتداء وضرب مراسليها أو منعهم من تغطية الفعاليات السلمية والوقوف أمام المحاكم لمجرد نشرها قضايا الاعتداء على المواطنين العزل جنوب البلاد في مظاهرات سلمية قيل إن أصحابها “تجاوزوا القانون ولم يحترموا السلطة القضائية”.
أما الإعلام المرئي والمسموع فيبقى مكتوف اليدين مسخرا لصالح الحزب الحاكم، رغم منع الدستور اليمني -في باب البنود السياسية- استخدام الوظيفة أو المال العام لصالح الأشخاص أو الأحزاب.
إلا أن ممارسات الحزب الحاكم على منتسبي هذا القطاع الإعلامي، حد فصل الصحفي المسيبلي حين قال: “نأمل أن تخرج قمة الكويت بقرارات تماثل قرارات قمة الدوحة التي لبت مطالب الشارع العربي”، واعتبرها الجهاز الإداري خطأ بحق الدولة التي لم تشارك في قمة الدوحة.
وفي ظل تضييق حرية التعبير ومنع الاعتصامات التضامنية مع من يعتدى عليهم تصبح وسائل الإعلام عاجزة عن كشف الكثير من الخروق القانونية الحادثة أو المتوقعة في ظل الاعتداء على الأطباء والمحامين والقضاة، بل وقد تعجز عن المطالبة بإصدار قانون يضع حدا لتلك الممارسات في ظل قضاء غير مستقل وصورة لفاقد شيء فكيف يعطيه؟!