قصص مأساوية عن أسر شردتها الحرب – سامية الاغبري

قصص مأساوية عن أسر شردتها الحرب – سامية الاغبري

يعيش النازحون من صعدة في صنعاء وضعا مأساويا؛ فالبيوت التي يسكنون والأثاث التي يملكون لا تقيهم برد الشتاء القارس، وغرفتان في كل منزل لا تكفيان عدد أفراد الأسر الكبيرة، كثير من الأسر لا يجد ما يسد رمقها. أذلتهم الحرب، وترك أبناؤهم المدارس، والرجال عاطلون عن العمل، والنساء إما خادمات في المنازل وإما متعففات لا أحد يعلم بحالهن.
كانوا من ذوي الأملاك، أراض ومزارع قات وفواكه، وسادة أنفسهم، جعلت منهم حرب صعدة الرابعة أذلة، لقمة عيش بالكاد يحصلون عليها. فالنساء عملن كخادمات في منزل أحد المشايخ، والرجال يعملون باليومية. أسرة “جابر”، أحد النازحين من صعدة، كبيرة جدا، زوجته وشقيقتها تعملان كخادمتين في منزل شيخ بصنعاء بشارع “مازادا”، ووالدته مريضة. كل ما يملكون دمرته الحرب، الحرب اللعينة أكلت الأخضر من مزارعهم ودمرت بيوتهم، تركت تلك المزارع الخضراء رمادا والبيوت أنقاضا. ست أسر، وكل أسرة لديها عدد من الأطفال يقطنون في منزل صغير جدا؛ غرفتان إحداهما بالكاد تكفي ثلاثة أشخاص.
فريق منظمة “هود” ذهب إلى المنطقة حيث تسكن تلك الأسر، وحين طلبوا مقابلة المرأة التي تعمل كخادمة رفض أرباب العمل السماح لها بالذهاب إلا إذا أتت بأختها تعمل بدلا منها.
تتقاضى زوجة جابر في الشهر7 آلاف ريال، إذا كان ذلك الشيخ موجودا ولديه ضيوف، أما إذا كان غائباً فإنها تطبخ وتكنس وتغسل طوال الشهر ب 4 آلاف ريال فقط!
يقول جابر، وهو يعمل أيضا في إصلاح غسالات وما شابه مقابل 1000 ريال في الشهر، إن حصل عليها، يقول: “لم نعد مع اندلاع الحرب الرابعة نحتمل الوضع، فأطفالنا وأسرنا في خطر، انهارت اعصاب الرجال والنساء.
يضيف: حين غادرنا منازلنا رفض الهلال الأحمر صرف خيمة لنا. وبعد 4 أشهر من بقائنا في العراء صرفت لي خيمة في ضحيان. والداي أُخرجا من المخيم بحُجة أن الحرب قد انتهت!”.
وأضاف: “من أراد خيمة عليه التسجيل عبر إدارة التسكين داخل المخيم، وشهر من المراجعة حتى يحصل عليها”.
-تقول أسرة جابر-أن الهلال الأحمر بدأ يقلل كمية الغذاء، إلى أن تخلى عن منحهم المواد الغذائية. وحتى منظمة الغذاء العالمي، التي كانت تعطي لكل أسرة 100 كيلوجرام من القمح ونصف كيلو من الملح وكيلوجرامين من السكر ومثلهما من العدس و4 لترات من الزيت، كل شهر أوكل أربعين يوما، تعطي نصف ذلك لمن هم خارج المخيم رغم أنهم أسر نازحة في المحافظة، فقط لأنهم خارج المخيم!
وتؤكد تلك الأسر أن الهلال الأحمر رفض تسجيل حوالي 30 أرملة ومطلقة، وأيتاما، وصرفت خمس خيام للأرامل، ولكن بدون تغذية.
إحدى قريبات جابر أصيبت بمرض نفساني، فشقيقها العسكري أصيب بالجنون، وقُطع راتبه، ولم يكن قد حصل على الرقم العسكري بعد، وأصيب والده بجلطة حزنا عليه ولا يملكون حتى المال لعلاجه.
انتقلنا إلى منطقة أخرى حيث يتواجد النازحون من صعدة؛ إلى منزل “هيلة ضيف الله” في قاع القيضي خارج صنعاء. تتحدث “هيلة” عن أسرتها وكيف تنقلت إلى أن وصلت إلى صنعاء. انتقلت مع اندلاع الحرب الثالثة من فوط مران إلى الطلح في الحرب الرابعة. ولأن “الطلح” كانت من القرى التي دارت رحى الحرب فيها، نزحوا إلى مخيم المشتل، ومن ثم شدوا الرحال إلى صنعاء، ظنا منهم أن الوضع سيكون أفضل. تسعة أشهر منذ انتقلوا إلى العاصمة.
تقول “هيلة”: “دمرت الحرب كل شيء. كنا نتمنى ان نعود الى منازلنا، لكن مازلنا نخشى الحرب، ولا تزال هناك مناطق يسيطر عليها الحوثيون، ونخشى تجدد الحربـ”.
تضيف: “نحن ثلاث أسر ونقيم في هذا المنزل الصغير المكون من غرفتين وإيجاره 15 ألف ريال، ولا دخل لنا سوى ما يجنيه زوجي من عمله، شاقي باليومية، وأحيانا لا نجد حتى قوت يومنا”. وأردفت: “قبل الحرب كان وضعنا أفضل، كان لدينا منزل ومزارع لا نعلم ما حل بها!”.
من منطقة رسام – ناحية حيدان أتت -منذ ما يقارب التسعة أشهر- أسرة محمد قاسم، فرارا من الحرب، بعد أن لبثوا في مخيم المشتل شهرين. هي الأخرى تعيش وضعا مأساويا، فرب الأسرة عاطل عن العمل، والأم مصابة بسرطان في الرقبة، يتعاون الأهالي في علاجها، وحتى في إيجار المنزل الذي يسكنون. تسكن أسرة قاسم المكونة من 15 فردا في بيت صغير مكون من غرفتين بعشرة آلاف ريال خارج العاصمة صنعاء، مكان شديد البرودة ولا شيء يقيهم ذلك البرد.
تقول ابنة قاسم، ولها طفلتان: “الحرب دمرت الجزء العلوي من منزلنا، والأطفال خرجوا من مدارسهم، ملفاتهم ضاعت والمدارس أغلقت، والآن هم متوقفون عن الدارسة ولا نعلم إلى متى!”.
الجميع يتمنون العودة إلى قراهم ومنازلهم ومزارعهم، غير أنهم ليسوا بمطمئنين من أن الحرب انتهت فعلا، وهم كما يقولون ما زالوا يسمعون عن مناوشات هنا وهناك بين الحوثيين والدولة.
الطفلة حكيمة علي جابر، في الثانية عشرة من عمرها، أخذت الحرب منها والدها أثناء قصف على مران في الحرب الرابعة، وتوفيت والدتها وأصبحت يتيمة الأبوين، تعيش في كنف جدها العاطل عن العمل.
انتقلنا إلى منزل آخر هو منزل علي دايل، زوجته من قرية جمعة بن قاهل – حيدان، وهو من قرية العمار في صعدة. ستة هو عدد أفراد هذه الأسرة. الزوج يعمل على “شيولـ”. تقول زوجته: “نحن ستة أفراد في غرفتين صغيرتين ندفع عشرة آلاف ريال إيجار”.
وتضيف: “القصف كان في القرية، شعرنا بالخوف، ولم نذهب إلى المخيم، أتينا إلى هنا مباشرة، وسنعود إلى بيوتنا إذا انتهت الحرب، لكننا غير واثقين من أنها انتهت”.
تشعر “أم فارس” بالحزن بسبب ضياع عام من عمر أطفالها، من دراستهم، فابنتها الكبرى كان يفترض أن تدرس هذا العام في الصف في الثاني الثانوي، والأصغر منها في الصف السابع. أما فارس ففي الثالث أساسي.
من وجدوا ملفه رُفض تسجيله في صنعاء، بحُجة أنه لا بد من ختم شهادته في مكتب التربية بصعدة، غير مبالين بخصوصية القادمين من تلك القرى، وكأنهم غير مدركين أن ما أتى بهم إلى هنا هي الحرب.
الابنة الكبرى تقول: “كنا قبل الحرب نعيش وضعا أفضل، أثناء الحرب ارتفعت الأسعار؛ وأسعار المواد الغذائية في صعدة غير الأسعار في بقية المحافظات”.
حين ذهبنا إليهم نتلمس أوضاعهم كصحفيين ومنظمة حقوقية ظنوا أننا جمعية خيرية وجئنا كي نقدم لهم المساعدة، كلاًّ يريد أن نسجله، الأرامل والأيتام والمصابين، قلنا لهم: نحن فقط جئنا نُسمع أمراء الحرب أصواتهم، جئنا نكشف عن ضحايا آخرين للحرب لم يعرف أحد عنهم شيئا ولم يمد لهم أحد يد المساعدة. أراد أحد طرفي الحرب تجنيد أبناء بعضهم للحرب، غير أنهم فضلوا الفرار بأبنائهم على الرمي بهم في محرقة لا يعلمون لها سببا!
تؤكد “أم فارس” أن أناسا ذهبوا إليهم على أنهم جمعيات خيرية ويأخذون معلومات وتفاصيل عن حياتهم على أساس مساعدة تلك الأسر؛ غير أنهم لم يأتوا بشيء مما وعدوا.