نجا منه الاشتراكي.. وخاضه القوميون والإسلاميون.. أحزاب المشترك في موقف لا أخلاقي ضد دارفور – وضاح المقطري

نجا منه الاشتراكي.. وخاضه القوميون والإسلاميون.. أحزاب المشترك في موقف لا أخلاقي ضد دارفور – وضاح المقطري

تصر أحزاب اللقاء المشترك على التماهي مع السلطة في كثير من القضايا، ويسر قياداتها أن تستعرض عجائبها وغرائبها في التضامن مع مسميات عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية، ورغم أنها لم تستطع بعد أن تحقق حضورا إعلاميا حقيقيا في الداخل؛ إلا أنها لا ترى ضيراً في البحث عن محاولة حضور في الخارج عبر بيانات التضامن والاستنكار والشجب والإدانة في قضايا ليست من شأنها، ولم تكن يوماً من أجندتها، وإن تنطعت لها.
عندما قذف الصحفي منتظر الزيدي الرئيس الأميركي السابق بوش بالحذاء رأت هذه الأحزاب أنه لا بد لها من المشاركة في جوقة التهليل والتكبير لذلك الفعل البدائي الساذج، وأعلنت تضامنها مع الزيدي الذي وصفته حينها بـ”البطل القومي”، والآن تعلن هذه الأحزاب وبحماس شديد عن تضامنها مع الرئيس السوداني عمر البشير ضد قرار المحكمة الجنائية الدولية بإيقافه.
لا تنتبه هذه الأحزاب إلى أنها بهذه المواقف إنما تسجل ضد نفسها نقاطاً ستحسب عليها مستقبلاً، إن لم تفعل الآن، وبفعل الحماس والشطط تعتقد أحزاب اللقاء المشترك أنها تنتصر للعدالة أو القيم التي يفترض أنها تناضل من أجلها، بيد أن العكس هو الصحيح.
لِمَ صمتت هذه الأحزاب عندما كانت قوات الجيش السوداني، ومليشيات الجنجويد تمارس القتل والتشريد والاغتصاب والنهب في دارفور..؟ ولِمَ لمْ يشد انتباهها إحراق خيام المشردين وأكواخ الفقراء؟ وكيف لم يستفزها مقتل أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان في دارفور؛ وبكل انفعال وغضب تشدقت للدفاع عن رئيس حكم على نفسه بهذا المصير الذي حاول الكثيرون ثنيه عن المضي في الدرب الذي أوصله إليه؟
يعي النظام الحاكم في اليمن -ومثله كل الأنظمة في البلاد العربية والعالم الثالث عموماً- أسباب ودوافع التضامن مع البشير، وتدرك جيداً أن عليها أن تستميت في الدفاع عن نظيرها، فأوجه الشبه بينها وبين نظام البشير كثيرة، وممارساتها جميعا شبيهة ببعضها، وليس من الغريب أن تستبسل في الدفاع عن البشير لأن ما لحقه سيلحق أشباهه ونظراءه وما أكثرهم، ولذا لا بد من وقف قرار المحكمة الجنائية الدولية قبل أن يتحول من سابقة إلى عرف دولي يأتي على جميع المذنبين بحق شعوبهم.
وصفت منظمة «هيومان رايتس ووتش» مذكرة توقيف البشير، التي صدرت عن المحكمة الجنائية الدولية، بأنها “إنذار قوي” لكل من “يتبوأ أعلى المناصبـ”، بأنه لن يكون بعيداً عن الحساب على كل ما ارتكبه من أعمال قتل واغتصاب وتعذيب جماعي.
وبحسب ريتشارد ديكر مدير برنامج العدل الدولي في هيومان رايتس ووتش، فإن الرؤساء أيضاً «ليسوا محصنين ضد المحاسبة جراء اقتراف الجرائم المروعة».
ليس ثمة أي مبرر أخلاقي أو منطقي يستوجب التضامن مع البشير، ويكفي لاستنتاج ماهية الأخلاق التي يتعامل بها هذا الرجل ونظامه استذكار ردة فعله على طلب مدعي المحكمة الجنائية الدولية إصدار أمر التوقيف ضده في 14 يوليو الماضي، عندما أطلق تهديدات صريحة وضمنية بالانتقام من عناصر حفظ السلام الدوليين، والقائمين على المساعدات الإنسانية، وهو التهديد الذي نفذه بعيد صدور القرار.
اعتبر مركز القاهرة أن إقدام السلطات السودانية على إلغاء تراخيص وطرد ثلاث عشرة من كبرى منظمات الإغاثة الإنسانية التي تعمل بالسودان، يشكل في حد ذاته جريمة حرب إضافية يتعين محاسبة نظام الخرطوم عليها؛ بما ينطوي عليه هذا الإجراء من عقاب جماعي بحق الملايين من النازحين والمشردين قسريا، الذين يواجهون الآن خطر الحرمان من الحد الأدنى من المساعدات الضرورية التي تبقيهم على قيد الحياة.
ودان المركز أيضاً تصعيد الإجراءات الانتقامية التي تستهدف معاقبة المنظمات الحقوقية السودانية على دورها في رصد انتهاكات حقوق الإنسان، وهي الإجراءات التي تمخضت في أسبوع واحد عن إغلاق ثلاث من أبرز المنظمات الحقوقية المستقلة، هي: المنظمة السودانية للتنمية الاجتماعية –وهي واحدة من أكبر منظمات الإغاثة السودانية- ومركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة، ومركز الأمل لتأهيل ضحايا التعذيب. كما دان المركز حملات التشهير والترهيب للمنظمات الحقوقية، والتي تصل إلى حد التخوين والاتهام بالعمالة ومحاولة تحميلهم المسؤولية عن الاتهامات التي ساقتها المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير والسلطات السودانية.
شارك الرئيس الحالي للمشترك أمين عام التنظيم الناصري في رحلة تضامنية رسمية إلى السودان رغم أن السلطات السودانية لن تعلم بذلك، وسيكون العتواني فرداً ضمن وفدٍ رسمي يمني دون أن يحسب للتنظيم أو للمشترك هذا الموقف، فكلاهما لا يشكلان رقماً للسودان أو غيرها، ولم تترد غالبية وسائل إعلام أحزاب اللقاء المشترك في نشر البيان التضامني مع البشير، ووحدهما موقع “الاشتراكي نت” وصحيفة “الثوري” تجنبا ذلك، وهو ما يشي بعدم رضا الحزب الاشتراكي عن هذا الموقف الذي انحاز وببساطة متناهية إلى نقيض العدالة، وتهرب من الإقرار بضرورة محاسبة ومعاقبة مجرمي الحرب حتى لو كانوا رؤساء، وبدا أن بقية التكتل المعارض بإسلامييه وقومييه، اتجهوا نحو القضايا القومية والإسلامية متخذين من مزاعم استهداف وحدة السودان مبرراً للدفاع عن مرتكبي أبشع انتهاكات حقوق الإنسان، وهو المبرر الجاهز كالعادة لكل تلك الانتهاكات، والذي يلغي عادة قيمة الإنسان ومعناه، وينتصر للجلاد باسم الدفاع عن الدين أو الأمة دائماً.
عادة ما يلجأ المدافعون عن مجرمي الحرب إلى التحجج بعدم مقاضاة إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين من قبل الهيئات والمنظمات الدولية، وكأن جرائم إسرائيل هي المبرر الكافي لارتكاب الحكام جرائمهم ضد شعوبهم، وهذا الزعم الساذج لا يثير سوى الاشمئزاز والضحك معاً، فالمقارنة بين إسرائيل والبشير مثلاً تنتصر لإسرائيل حتماً كونها لم تقتل طوال ستين عاماً وخلال كافة حروبها مع العرب نصف ما قتل نظام البشير في السودان خلال خمسة أعوام، بالإضافة إلى أن إسرائيل تقتل من تعتبرهم أعداءها كدولة، وتخوض معهم حرباً مباشرة في الغالب، فيما كان قتلى دارفور الثلاثمائة آمنين داخل خيامهم التي أحرقتها ونهبت ما بداخلها مليشيات الجنجويد.
ليس في هذا انتقاص لضحايا الانتهاكات الإسرائيلية، كما أنه لا يعني إسقاطاً لحقهم في الحصول على العدالة، ولا يشير الاستدلال بأعداد القتلى هنا وهناك إلى تبرير عدم ملاحقة إسرائيل، لكن النظر في طريقة الانتهاكات ونوعيتها وأساليب وأسباب ممارستها يجعل من إسرائيل بكل وحشية حروبها أرحم بكثير من مجرمي الحرب في دارفور أو كردستان مثلاً.
ترددت أحزاب اللقاء المشترك كثيراً في إدانة انتهاكات واسعة النطاق ضد حقوق الإنسان في الحياة والتجمع السلمي وحرية الرأي والتعبير داخل البلد خلال السنوات الماضية، وتلكأت في إصدار بياناتها ضد الانتهاكات التي يتعرض لها الكتاب والناشطون، وتجاهلت حملات التكفير التي شنها رموز هيئة الفضيلة المزعومة العام الماضي ضد الصحفيين والكتاب، لكنها تجد نفسها سباقة على الدوام لإصدار بيانات ضد أعداء بعيدين غير معنيين بها، أو التضامن مع أصدقاء في شغل شاغل عنها، متناسية قضاياها الحقيقية، لكنها هذه المرة وقفت ضد قضية إنسانية بامتياز، وانحازت إلى جانب القتلة بفخر واعتداد.
[email protected]