سندباد حضرمي (ملف عن المؤرخ محمد عبدالقادر بافقيه)

سندباد حضرمي (ملف عن المؤرخ محمد عبدالقادر بافقيه)

*  علي ناصر محمد: تاريخ في قلب التاريخ
*  عبدالعزيز المقالح: لقاء في المكتبة الشرقية
*  عبدالرحمن السقاف: عملة بوزن 3 جرام تجمع بن شملان وبافقيه
*  نجله شيخ بافقيه: قيادي في حضرموت نهب منزل والدي، ولم يحرك باجمال ساكناً

***
 
 
سندباد حضرمي

هذه رحلة شائقة في عالم محمد عبدالقادر بافقيه. رحلة على الورق مع «سندباد حضرمي» يشارك فيها باحثون وسياسيون وشعراء ومريدون يستبد بهم الحنين إلى النور الذي كانه شيخهم، العلَم الذي غادر محزوناً دنيا الذين لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا فإنهم لا يقبلون، دنيا «مخلوقات عجيبة» كما كتب في صحيفة «الرائد» الحضرمية قبل نحو 45 سنة.
هي بالضرورة رحلة شاقة. ففي دنيا الذين لا يتطورون، يثير استدعاء «آية النابغين» الكثير من الألم والحسرة. يكفي أن طلاب الآثار والتاريخ لا يتلقون دروسهم الجامعية في قاعة تحمل اسمه، لا يرتادون مكتبة تحوي تراثه. يكفي أن النسيان يلف أدواره وعطاءاته وآثاره التي تريد «المخلوقات العجيبة» أن تواريها التراب توطئة لتهريبها إلى متحف التاريخ اليمني المستباح.
والحاصل أن بافقيه، القامة والقيمة، النابغة الذي عانى في حياته من ضغائن جهلة لا يقرؤون، ومن ألاعيب ومناورات أنصاف مثقفين دفعت بهم الفوضى والانقلابات إلى راس الهرم البيروقراطي للمؤسسات والوزارات المعنية بالثقافة والتراث، مايزال، رغم مضي 8 سنوات على غيابه، عرضة للجحود.
استغرق التحضير لهذا الملف أسابيع طويلة. على أن أسرة «النداء» تدرك أن الإمساك بأبعاد شخصية بافقيه المتنوعة لا يطيقه حيز أسبوعي في صفحاتها. فإلى دوره التربوي في المدرسة الوسطى في الخمسينيات، ووزارة التعليم بعد الاستقلال، لم يسعفنا الوقت ولا الإمكانات ولا مجايلي الفقيد ورفاقه، في إلقاء الضوء على دوره في تأسيس النادي الثقافي بالمكلا، وجهوده المبكرة في ضم مدينة شبام إلى مدن التراث العالمي، وعلاقاته في المحيطين العربي والدولي، وخصوصاً أثناء توليه وظائف دبلوماسية، ثم خلال عمله الاستشاري في الإمارات في الثمانينيات.
عدا ذلك، فقد حالت الظروف الصحية للمهندس فيصل بن شملان دون تسليط الضوء على التوجهات السياسية لبافقيه في الخمسينيات والستينيات، علاوة على اشتراكهما معاً بعد 22 مايو 1990 في تأسيس حزب المنبر. وكان المهندس بن شملان وافق متكرماً على إجراء حديث عن بافقيه واهتماماته السياسية والثقافية.
ويبقى أن تلاميذ لبافقيه، بعضهم لعب أدواراً سياسية مهمة في الجنوب، وعدوا بالإسهام في الملف لكنهم لم يتمكنوا من الوفاء بالوعود جراء اعتبارات خاصة، ومشاغل كبيرة.
لأجل التاريخ الذي بات موضع وجهة الجاهلين وعبثهم، ومقصد نابشي القبور ومهربي الآثار، ولأجل القيمة التي كانها بافقيه، القيمة التي راحت بعد رحيله تهيم في دنيا «المخلوقات العجيبة» كان هذا الملف.

 سامي غالب
 
 
***
 

سيرة محمد عبدالقادر بافقيه

ولد محمد عبدالقادر أحمد بافقيه في 28 أغسطس 1928 بمدينة أديس أبابا في إثيوبيا. عاد باكراً إلى حضرموت وأكمل الدراسة الابتدائية في مدينة الشحر بمدرسة “مكارم الأخلاق” عام 1941، ليتابع الدراسة في المرحلة الوسطى ابتداءً في المدرسة الوسطى بالمكلا، ليكملها لاحقاً في غيل باوزير عام 1944. وأسس بافقيه عام 1940 جمعية اتحاد التلاميذ الأدبية. غادر بافقيه إلى السودان لدراسة المرحلة الثانوية في مدرسة “حنتوبـ” بمدينة أم درمان، حيث تخرج فيها عام 1948 ليلتحق عقبها مباشرة بكلية الخرطوم الجامعية ويتخرج فيها عام 1953 حاملاً البكالوريوس في الآداب. وفي أثناء دراسته بالسودان شارك في تأسيس اتحاد بعثات جنوب الجزيرة العربية عام 1946. عاد إلى حضرموت عقب تخرجه ليعمل بين 1953 و1954 مدرسا ومساعد مدير المدرسة الوسطى في غيل باوزير. ثم أصبح مديراً للمدرسة الوسطى من 1954 إلى 1955، ليعين في العام التالي وحتى 1957 عميدا بالنيابة لمنطقة غيل باوزير التعليمية. وبين العام 1957 و1962 تولى موقع نائب ناظر المعارف بالسلطنة القعيطية في حضرموت. كما أنه في العام 1957 أسس هو وعدد من أصدقائه النادي الثقافي بالمكلا. ثم عُين بين العام 1962 و1967 ناظراً للمعارف في السلطنة، وتولى في الفترة نفسها موقع سكرتير لجنة المعارف العليا بالسلطنة، وسكرتير الجمعية الخيرية العليا. كما حصل في الفترة بين 1960 و1961 على دبلوم تربية من كلية سوانزي الجامعية في ويلز بالمملكة المتحدة.
بين العام 1964 و1967 أسس بافقيه وأشرف على متحف المكلا للآثار والتقاليد الشعبية. وعقب حصول جنوب اليمن على الاستقلال عام 1967 عُين بافقيه أول وزير للتربية والتعليم ومسؤولا عن الآثار والمتاحف حتى 1968، ليعين من 1969 و1970 سفيراً في المملكة المتحدة. وبين العام 1970 و1972 عين سفيراً في مصر ومندوباً دائماً لدى الجامعة العربية وسفيراً غير مقيم في السودان. ثم يعين بين العام 1973 و1978 سفيراً في فرنسا ومندوبا دائما لدى اليونسكو، علاوة على كونه سفيرا غير مقيم في كل من بلجيكا وسويسرا وايطاليا والنمسا. في الفترة بين 1978 و1982 عين سفيرا ومندوبا دائما في اليونسكو، وكان أيضاً نائب رئيس المجموعة العربية في إطارها. وفي 21 يونيو 1983 حصل بافقيه على شهادة دكتوراه دولة في الآداب تخصص تاريخ قديم في جامعة “السوربون” بباريس. بين العام 1983 و1985 عين بافقيه مستشاراً تربوياً وثقافياً لليونسكو في الإمارات، ليعود عقبها إلى شمال اليمن ويعمل أستاذاً زائراً في جامعة صنعاء بين 1986 و1988. عاد بعد ذلك إلى عدن وأسس وترأس مؤسسة “ريدان” للدراسات الأثرية والنقشية بين 1989 و1990، ليعين عقب قيام الجمهورية اليمنية عام 1990 رئيساً للهيئة العامة للآثار والمخطوطات والمتاحف حتى عام 1994، ثم عين في الفترة بين العام 1995 و2002 مستشاراً في الهيئة.
كتب بافقيه منذ 1949 في صحيفة “المستقبلـ” العدنية، وفي صحفيتي “الرائد” و”الرأي العام”. كما نشر في مجلة “السودان الجديد” خلال دراسته الجامعية هناك، وكتب في عدد من المجلات اليمنية مثل “الحكمة” و”الثقافة” و”دراسات يمنية” و”الإكليلـ” و”اليمن الجديد”، علاوة على مساهماته العلمية في مجال التاريخ في الدوريات العربية والأجنبية. ولقد أسس هو وآخرون حولية “ريدان” الخاصة بالآثار والنقوش اليمنية عام 1978، حيث كان مساعد رئيس تحريرها، ثم أصبح رئيس تحريرها منذ العام 1984. وصدر له عدد من الكتب بعضها بالمشاركة مع آخرين، ومنها: “صاروخ إلى القرن العشرين”، “آثار ونقوش العقلة”، “تاريخ اليمن القديم”، “في العربية السعيدة”، “المستشرقون وآثار اليمن”، “مختارات من النقوش اليمنية القديمة”، “صهيديات – بحوث حول نقوش الجزيرة العربية قبل الإسلام”، و”كنوز وادي ضرا”.
محمد عبدالقادر بافقيه هو عضو شرف بالجمعية الملكية الآسيوية في لندن منذ العام 1965، وكان عضوا في اللجنة الاستشارية للثقافة العربية باليونسكو في 73 – 1982، وعضوا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن منذ العام 1983، وعضو كرسي الأستاذ الدكتور محمود الغول في جامعة اليرموك بالأردن منذ العام 1984، وكان عضواً مؤسساً في حزب المنبر الحر عام 1990.
تقلد بافقيه وسام الجمهورية من الدرجة الأولى من الجمهورية العربية المتحدة (مصر) عام 1968، ووسام الآداب والفنون من اليمن الديمقراطية عام 1980، ووسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب عام 1989، ووسام الاستقلال من الجمهورية اليمنية عام 1995.
توفي محمد عبدالقادر بافقيه في مدينة عدن في 16 أغسطس 2002.

***
 
بافقيه.. تاريخ في قلب التاريخ
 
علي ناصر محمد
 
لعل من الصعوبة بمكان أن نرثي التاريخ، أو نؤرخ لوفاته أو لمسيرة حياته. هذا الشعور هو الأول الذي حضر بذهني وأنا أنوي كتابة شيء ما عن قامة تاريخية وعلمية وفكرية متقدة، عن المؤرخ الكبير الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه الذي رحل جسداً وبقي روحاً مبثوثةً في صفحات تاريخنا الذي التصق به كما تلتصق الفراشة في المصباح المضيء.
الفقيد الكبير الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه أشبه بالنقش الأثري الذي يدلك على حقبة تاريخية كاملة، بما فيها من بشر وحجر ولغة وعلم وأدب وفن وتراث. ومثل الفقيد الكبير محمد بافقيه الذي اهتم بالنقوش الأثرية والأوابد والأطلال والأعماق التاريخية يستحق أن ينقش اسمه في كل صرح علمي وتربوي كأبسط تقدير منا لجهوده الخلاقة والعملاقة في مجال التاريخ والتراث والآثار والنقوش والأصالة بكل ما تحويه من معانٍ عشقها فقيدنا إلى درجة جعلته يتفرغ لها وينسلخ رويداً رويداً من مجالات العمل السياسي والدبلوماسي والمناصب الرسمية التي كان يتبوؤها باقتدار ويؤديها بكل فعالية وألق ومهارة ومهنية عالية بدءاً من كتاباته الصحفية التي بدأها في وقت مبكر من حياته التي ترافقت مع رسالة الأنبياء (التدريس) التي امتهنها ردحاً من عمره وهو صاحب كتاب “أنبياء الله في جنوب الجزيرة”، فقد عمل مدرسا في محافظة حضرموت ومديراً لإحدى مدارسها خلال الفترة 1945 – 1957، ثم مديرا للمعارف في المحافظة في الفترة من 58 – 1967. وعُيّن بعد استقلال الشطر الجنوبي من اليمن عن بريطانيا في عام 1967 وزيراً للتربية والتعليم. وبعد ذلك تولى الفقيد مناصب دبلوماسية رفيعة، حيث شغل منصب سفير لليمن الديمقراطية لدى مصر، وحضر معي أحد اللقاءات مع الرئيس جمال عبدالناصر، ثم عُيّن سفيراً لدى فرنسا، ومنها عُين كمندوب دائم لدى اليونسكو حتى عام 1982. ولم تشغله مناصبه الوزارية والدبلوماسية العليا، والآلام التي يعاني منها في ظهره عن معشوقه، التاريخ. فكان يقضي وقتاً طويلاً في العواصم التي عمل بها سفيراً لبلاده باحثاً ومنقباً ومحللاً للتاريخ، ومهذباً لما كتبه بعض المستشرقين عن تاريخنا القديم.
وقد أقام أفضل العلاقات مع المنظمة والمفكرين في فرنسا وخارجها، ووظفها لصالح البلد، فاقترح تنظيم مؤتمر عن الآثار في عدن حضره عدد كبير من المؤرخين والمستشرقين والآثاريين، ومن بينهم المستشرق الفرنسي كريستيان روبان، والكاتبة الفرنسية الطبيبة كلودي فايان صاحبة كتاب “كنت طبيبة في اليمن”، وعالمة الآثار الفرنسية جاكلين بيرن التي اكتشفت آثار مدينة شبوة القديمة، وعدد كبير من العلماء العرب والأجانب. نتج عن المؤتمر توصية بإصدار مجلة “ريدان” المتخصصة بآثار ونقوش اليمن القديم.
وتعود معرفتي به إلى عام 1967 بعد تعيينه وزيراً للتربية والتعليم في أول حكومة بعد الاستقلال. وكنا نلتقي باستمرار في المدينة البيضاء مع كل من المهندس فيصل بن شملان، ومحمد عوض باعامر، والدكتور فرج بن غانم، والمهندس ناصر عامر، والسيد محمد عوض الدبا، وغيرهم من الشخصيات، نتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل. وكان يحدثنا عن رحلاته ومغامراته الشيقة في الصحراء للبحث والتنقيب عن النقوش في مناطق العقلة وجبل المعسال وشبوة ومينا قنا (حصن الغراب حالياً). وقال إنه عندما كان يحفر في رمال شاطئ المينا كان يشتم منه رائحة البخور واللبان الذي يجري تصديره للعالم.
كل ذلك لم يباعد بين فقيدنا الكبير الدكتور بافقيه وبين رسالته الأسمى التي نذر لها جل عمره وظل وفياً لمضامينها التربوية والإنسانية العظيمة، حتى صحّ بجدارة أن يوصف بأنه “تاريخ في قلب التاريخ”.
وننتهز هذه الفرصة لندعو الجهات المعنية لأن تبادر إلى تكريم الراحل المؤرخ الكبير الدكتور محمد بافقيه على أكثر من صعيد، لاسيما بنشر وطباعة كتاباته ومؤلفاته، وخاصة الجزء الذي لم يرَ النور؛ تعميماً للفائدة العلمية الرفيعة التي تتضمنها والتي تشكل رافداً من أهم روافد ذاكرتنا اليمنية وتاريخنا العربي والإسلامي والحضارة الإنسانية على وجه العموم.
وختاماً، لا ننسى أن نعبر عن تثميننا للدور الذي تقوم به صحيفة “النداء” الغراء ورئيس تحريرها الأستاذ سامي غالب، والذي ينمُّ عن ارتقاء في العمل الصحفي وبلوغه إلى المقاصد النبيلة، وما هذه اللفتة الكريمة تجاه هامة من هامات الوطن الدكتور الراحل محمد بافقيه والذي لم يحظ -بحق- بالتكريم الذي يستحقه في حياته وبعد رحيله، إلا دليل واضح لسمو هذه الصحيفة وسعيها إلى التعبير عن نبض الوطن، وهذا ما يجعلنا نتوق لمستقبل أفضل ونستبشر بالخير، برغم كل المنغصات والهزائم المختلفة التي لاحت وتلوح في الأفق.
 
 
***
 
د. محمد عبدالقادر بافقيه
مؤرخ اليمن وأثريُّها

عبدالباري طاهر
 
في مطلع العام 1975 التقيت في القاهرة الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه، في منزل استاذي الدكتور عبدالعزيز المقالح. كان حينها -كما أظن- سفيراً لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في مصر. وكان عائداً من فرنسا بعد طبع كتابه «تاريخ اليمن القديم». أهداني نسخة منه.
كان وزيراً للتربية والتعليم في الحكومات الأولى للجبهة القومية في الجنوب.
في اللقاء القصير نسبياً، وفيما بعد قراءة كتابه، أدركت أن المؤرخ بافقيه باحث عميق، وتعلمت منه كيفية التعاطي مع الوقائع والشخوص والآثار والنصوص. فهو ناقد، بعقلانية ومهارة فائقة، لتاريخنا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وتعرض للطمس والتشويه والمبالغات الأقرب للخرافة.
قليلة إصدارات الباحث المهم الفقيد محمد عبدالقادر؛ ولكن مباحثه، على قلتها، ذات نفع عام، وأثر عميق، وقيمة علمية. فكتابه -رسالته للدكتوراه- الذي أعده في باريس، وطبع منتصف السبعينيات وأعاد المعهد الفرنسي للعلوم والآثار طباعته، يعد من المراجع التاريخية المهمة لظهور الدولة بل الدول اليمنية، ونشأة «يمن» في التاريخ. وقد مكنته معرفته باللغتين: الفرنسية والانجليزية، وإلمامه الواسع بخط المسند الحميري، وثقافته العربية، من قراءة مائزة للنقوش والتعليق عليها. وتتسم قراءته للنقوش بذكاء ومقدرة على تفكيك الرموز ووضعها في سياق منطقي مقنع وعقلاني.
كتابه القيم «في العربية السعيدة»، وهو دراسات تاريخية قصيرة في جزئين، يشهد على براعته وحذقه وسعة اطلاعه. فقد درس بعمق ظاهرة تقسيم العرب في المراحل الباكرة إلى شمالي وجنوبي! ويتساءل: هل كان «يمنة» اسماً لمكان أم اسماً لجماعة من الناس؟ وأين كانت مملكة نزار؟ ومن هم الميامنة؟ وما هي العناصر التي يتكون منها اللقب الملكي الحميري لقب «التبابعة»؟ ليصل إلى سؤال: «ما هو الإطار التاريخي لحضور حركة الحنفاء العرب قبل الإسلام؟». الجزء الأول إجابات دقيقة وصائبة على هذه الأسئلة. فهو يتتبع الإجابة من حروف المسند التي يتقنها، ومن المراجع والمصادر التاريخية الموثوقة، ومن الأشعار التي يأتي بعضها في الجزء الثاني، الذي تناول فيه «الحارث الرائش وكيف ومتى قامت صنعاء ومن أمر باختطاطها، وما هي العلاقة بين القَيْل والملك، وعن خاتم التبابعة، ومن هم أسلاف سيف ذي يزن، وعن ابرهة المكنى أبو يكسوم، وهل كان تبعاً».
 تتسم دراسات وأبحاث المؤرخ الكبير بقدر كبير من التتبع والموضوعية والدقة، والبعد عن العصبيات المختلفة التي فرضتها عصور التدهور والتراجع ووظفها الحكام والأئمة الظلمة لأهواء أنانية وشديدة الضيق.
بعد الوحدة عُينّ رئيساً للهيئة العامة للآثار ودار الكتب، وأعلن عن حزب سياسي اسلامي بسم «المنبر» كان من أبرز مؤسسيه الفقيد الكبير عمر سالم طرموم، وهو من القيادات الاخوانية المؤسسة، وقد اعتقل في الجنوب مطلع الثمانينيات، ولولا تدخل صديقه الحميم عمر عبدالله الجاوي لقضي عليه. ودارت أحاديث عن قيادات الحزب الاسلامي المستنير ضمت محمد عبدالقادر بافقيه وربما فرج بن غانم وفيصل بن شملان. وأثناء لقاءاتي المتكررة معه كان يحجم عن الحديث عن «المنبر» الجديد، فهو أصلاً قليل الحديث في السياسة كثير التأمل والتفكير ويميل إلى الجوانب البحثية أكثر فأكثر.وسرعان ما ترك الهيئة وعاد إلى حضرموت.
الأثر الخالد والعظيم للباحث هو كتابه «المستشرقون وآثار اليمن». والكتاب يحكي قصة المستشرق السويدي الكونت كار لودي لندبرج، من خلال مراسلاته مع اليمنيين 1895- 1911، وهو في مجلدين فخمين صدر عن مركز الدراسات والبحوث اليمني.
قام الباحث بتحقيق الرسائل التي سبقه إلى نشرها الدكتور محمد عيسى صالحية في كتابه «تغريب التراث»، وهو ما يشير إليه بافقيه بموضوعية وتواضع جم. ولكن تحقيق بافقيه يمتاز بالتطرق إلى زوايا عديدة ما تزال حسب قراءته بحاجة إلى مزيد من إلقاء الضوء عليها. والحقيقة أن المحقق المدقق ذا الأمانة والمسؤولية الرفيعة لم يقف عند تخوم رسائل لندبرج، بل راح يدرس الفترة الزمنية بعمق، ويتتبع قصة سرقة ونهب المخطوطات والآثار، ونبش الارض، واستغلال جهل حكامنا بكنوز البلد وثرواتها شمالاً وجنوباً.
 تُرى لو عاش الباحث وسمع وشاهد وقرأ ما يقوم به أبناء اليمن ومسؤولوها اليوم في العديد من المناطق، وتحديداً في العود والجوف، من تجريف للتربة، وحفر بالشيولات ليلاً لتخريب وتدمير كنوز ورموز صنعتها حضارة لا يزال صداها يرن في العهدين: القديم والجديد، وفي القرآن الكريم، وفي حضارات العالم…؟ لقد كان الأفاقون الاوربيون علماء ومتحضرين، ويعرفون جيداً قيمة ما يسرقونه، وإن اشتروه بثمن بخس. لكنهم كانوا حريصين على إعطاء تعليمات دقيقة للصوص المحليين في طرائق البحث عن الكنوز.
أما لصوص اليوم فإنهم يدمرون ما أمامهم، غير مبالين ولا عارفين بالقيمة العظيمة لما ينبشونه. ويقينا فإن مثل هذا الخراب العشوائي لا نتيجة له إلا تدمير حضارة لا تخص اليمن ولا العرب وحدهم وإنما تهم البشرية، ويقف مسؤولونا موزعين بين المشاركة الفعلية في الجريمة أو التواطؤ الصامت واللامبالي، مما يجعلهم شركاء في الجرم نفسه.
وقد تطرق الأديب الشاعر والقلم الرائع والشجاع نبيل سبيع، على مدى عدة أسابيع، للكشف عن جوانب معينة من هذا التخريب والنهب البدائي المتوحش لثروة لا يملكها جيلنا بأكمله. وتصدى الباحث منير عربش لهذه الجريمة البشعة، ولكنه لم يجد آذاناً صاغية، فهناك تواطؤ منظم بين جهلة اليوم الذين يخربون بدون وعي أو إدراك وبين مسؤولين لا يهمهم تاريخ البلد. ولعل ما قام به عربش هو الفعل الذي يترك أثراً في الدفاع عن الآثار اليمنية المستباحة.
قصة لندبرج وجدت في شخص الباحثين: صالحية، وبافقيه، خير موثقين لوقائعها وتفاصيل تفاصيلها. ولكن نهب مخطوطات زبيد منذ مطلع السبعينيات وبيعها لجهات حريصة كل الحرص على إحراقها، ونهب الآثار في العود، وفي مارب، والجوف… لا تجد من يؤرخ لها، باستثناء الجهد اليمني للدكتور منير عربش ودوي قلم سبيع! و«حامي الحميد بن منصور يشتي من الناس حامي».
حسناً فعل مركز الدراسات والبحوث بطبع الكتابين المهمين لبافقيه: «دراسات في العربية السعيدة»، و«المستشرقون وآثار اليمن». وكم هو مؤسف أن تقوم وزارة الثقافة في مرحلة سابقة بطبع أعمال لا أهمية معرفية أو إبداعية لها وتتجاهل مؤلفات هذا المؤرخ العالم، خصوصاً إذا أدركنا أن كتبه قد نفدت من المكتبات.
والشكر للمركز الفرنسي للعلوم الاجتماعية والآثار الذي أعاد طباعة كتابه «تاريخ اليمن القديم».
 
 
***
 

عن «ريدان»*
 
محمد عبدالقادر بافقيه

توشك «ريدان» الحولية التي اقترحت إنشاءها في مؤتمر مديري الآثار الذي انعقد بالقاهرة عام 1976، والذي فيه وفد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وناقشت مع الباحثين المعروفين القاضي إسماعيل الأكوع والدكتور عبدالله المصري، اثناء المؤتمر وكانا حاضرين بطبيعة الحال وبحكم مركزيهما في مجال الآثار، امكانية أن تكون حولية لجزيرة العرب كلها.
وفي عام 1977 حصلت على دعم مالي من الرئيس الراحل سالم ربيع علي (سالمين) رحمه الله، تمكنت به من الإشراف على تحرير العدد الأول كرئيس تحرير مساعد حيث كانت ظروف الدكتور الغول رئيس التحرير رحمه الله لا تمكنه من المتابعة شخصياً.
ولقد وقع الاختيار على مطبعة «بيترز» العالمية في لوقان ببلجيكا لطباعة «ريدان»، ورتبت مع الاستاذ الدكتور جال ريكمانز -عالم النقوش البارز- اللقاء في المطبعة واستصحبت يومها من باريس الدكتورة الراحلة جاكلين بيرن للاشتراك في مناقشة الصورة التي ينبغي أن تخرج بها الحولية المذكورة.
ويعن لي أن أذكر هنا أن الاستاذ ريكمانز اقترح أن نجعل لون الغلاف بهيجاً بخلاف العادة التي درجت عليها المطبوعات المشابهة من حيث اعتمادها ألوان غلاف بعيدة البهجة كما قال، فكان أن استقر الرأي، بناءً على اقتراحه، على اختيار اللون البنفسجي (Mauve).
وكنا قد أعلنا في اجتماع ندوة الدراسات العربية في بريطانيا التي سبقت ذلك اللقاء في لوثان، أعلنا أنا والدكتور الغول، للباحثين المشاركين في الندوة المذكورة، قرب صدور «ريدان» داعين إلى الكتابة فيها.
وهكذا صدر العدد الأول، وفيه بدأ د. الغول رحمه الله كتابة ملخصات عربية للمقالات المنشورة باللغات الأوروبية، وبدأت من جانبي المشاركة بمقالات. وكان هناك من يرى في عدن من الزملاء الباحثين أن يكون اسم الحولية «أوسان» ولكنني تمكنت من أن أجعل الاسم (ريدان) الذي هو من وجهة نظري أنسب، وجعلت عملة عمدان بين يهقبض ملك سبأ وذي «ريدان» الحميري شعاراً مصوراً للحولية.
ومن الغريب أنني بعد أن كلفت خطاطاً بأن يكتب لنا إسم ريدان بخط جميل لقاء أجر دفعته له، ولكن خطه لم يعجبني فكتبت أنا الاسم بنفسي.
وطيلة أيام عملي بباريس كان مكتبي في اليونسكو (حيث عينت سفيراً ومندوباً دائماً لدى اليونسكو بعد اكثر من أربع سنوات سفيراً لدى فرنسا وسفيراً غير مقيم في عواصم اوروبية اخرى) يقوم بتوفير الخدمات الإدارية للحولية.
ومنذ البداية تقريباً كان الزميل الاستاذ الدكتور كريستيان روبان عالم النقوش الفرنسي الصاعد آنذاك والذي هو منذ حين في مقدمة العاملين في المجال، خير سند لي في تلك المهمة، ومعاً كتبنا العديد من المقالات باللغتين العربية والفرنسية. كما قام روبان مشكوراً في بعض الأحيان بمتابعة إخراج الحولية في لوثان.
وأدت مغادرتي لباريس عام 1983، للعمل مستشاراً لوزارة التربية بالامارات العربية المتحدة على أيام وزيرها الاستاذ الدكتور سعيد سلمان مؤسس جامعة عجمان ورئيسها منذ قيامها، أدى ذلك إلى أن حرمت «ريدان» من خدمات بعثتنا الدائمة لدى اليونسكو. فكان التفكير في حل عملي للمعضلة، خاصة وأن الغول الذي أصيب بمرض عضال أخريات أيامه، الأمر الذي اقتضى أن ندخل تعديلات على مشروعنا المشترك مع الأليكسو في مجال الآثار اليمنية إلى أن نلغي كبداية إصدار كتاب «مختارات من النقوش اليمنية القديمة»، وإشراك زملاء آخرين كالأستاذين الدكتورين بيستون (اكسفورد) وروبان (CNRS) أيامها وقد صدر الكتاب عن المنظمة عام 1985.
وكنت أيامها قد تعرضت لأزمة صحية جعلتني أملي الموجز التاريخي الذي أعددته للكتاب المذكور على بعض دكاترتنا الشباب الذين كانوا حينها يدرسون في باريس. فعلت ذلك وانا على فراش المرض بأحد مستشفيات باريس عام 1984. وقد اضطرني المرض آنذاك إلى التخلي عن عروض عمل كانت قيد البحث فعدت إلى عدن عام 1985، وبحثت مع الرئيس علي ناصر محمد مسألة الحصول على دعم مالي من مصافي عدن كان الهدف منه ضمان توفير جانب من المصاريف الإدارية ريثما يتم ترتيب أوضاع الحولية، ولست بحاجة إلى القول بأن وجود أخي فيصل عثمان بن شملان على رأس شركة مصافي عدن مما سهل الأمر.
وكما كان الحال من البداية استمرار المركز اليمني للابحاث الثقافية (؟) والآثار والمتاحف عنواناً لنا بعدن وكان رئيسه مديراً للتحرير باقتراح من يتولى تصفية حسابات الدعم الذي كنا نتلقاه من الرئاسة مباشرة.
وبعد حادث عائلي أليم مطلع عام 1986 إثر عودتي من رحلة علاجية للأهل بلندن، إلى جانب علاج ما كنت أعانيه شخصياً من مرض كان وقتها (قلَّل) من نشاطي بعض الشيء توصلت مع وزير الثقافة في عدن الاستاذ الدكتور محمد احمد جرهوم إلى الاتفاق على العديد من الترتيبات التي تهدف إلى تداول ما فسرناه نتيجة التطورات المذكورة أعلاه، فكان:
– قيام الرابطة اليمنية للدراسات الأثرية والنفسية في عدن والسعي من خلال الصديق الأخ يحيى حسين العرشي وزير الوحدة بصنعاء آنذاك والاستاذ عبدالعزيز عبدالغني رئيس الوزراء آنذاك إلى تدبير لقاء في صنعاء حيث نزلنا ضيوفاً على وزارة الوحدة في عام 1988، اشركنا فيه الاخ الاستاذ الدكتور صالح علي باصرة مع أعضاء الرابطة للالتقاء بالزملاء المعنيين هناك. وكان أن طرحنا اقتراحنا على الاخوة في صنعاء في لقاء بحضور الاخ رئيس الوزراء في بيته، على أمل أن تضم الرابطة أبناء الشطرين آنذاك ولكن الذين حضروا اللقاء المذكور في صنعاء كانوا شطراً من الشطرين وتغيب الأغلبية، واستغل الوقت الباقي في مناقشة الزملاء خاصة د. باصرة ود. اسمهان الجرو، ومحمد باطايع، ود. باوزير وكلهم من الرابطة مع الاخوة هناك فكرة الجمعية التاريخية التي كان يدعو لها بعض الاخوة.
ومضينا نحن في عدن وبدعم من وزير الثقافة الدكتور جرهوم ومساعد نائب الوزير آنذاك الاستاذ هشام علي بن علي إلى الدعوة إلى ندوة الدراسات اليمنية (فبراير 1989)، إلى جانب الإعداد لقيام مؤسسة «ريدان» التي دعمت من السلطات المعنية بتوفير مقر لها.
وعقب ندوة الدراسات اليمنية بدأ فريق يمني- فرنسي مشترك مشروع مدونة النقوش اليمنية مبتدئين في توثيق النقوش القتبانية وهو ما كان يدعو إليه الدكتور الغول منذ أول لقاء لي به عام 1968 بعدن وهو اللقاء الذي جمع بيننا في العديد من المشاريع العلمية المتصلة بالآثار والنقوش اليمنية، وادى إلى اختياري عضواً في مجلس كرسي الغول بجامعة اليرموك في إربد بالاردن.
ولقد امضيت مع الفريق المشترك بعض الوقت في مسح النقوش القتبانية في منطقة بيحان (الرسم الأول 1989) وكان الفريق يتكون من د. محمد عبدالقادر بافقيه، وكذا أحمد باطايع، ومحمد سعيد عامر (من المركز اليمني -عدن) والاخ خيران الزبيدي من فرع المركز في م/ شبوة، وكذلك الدكتور كريستيان روبان والدكتورة السندرا أفانسيني (ايطاليا) والدكتور منير عربش وريمي ادوان من الجانب الفرنسي.
كما بحثنا لدى انعقاد ندوة الدراسات اليمنية 1989 مع الاستاذ الدكتور معاوية ابراهيم من جامعة اليرموك- زمر حملة دولية للتنقيب في تمنع كلف هو بالتنسيق لها، وبدأ العمل آخر زيارة له لليمن عام 1991، بعد انتقالنا للعمل في الهيئة العامة للآثار بصنعاء، وهي الهيئة الموحدة التي اشتركت في وضع التصور لها بدعوة من وزير الثقافة بعدن قبيل قيام الوحدة، وتم في الوقت ذاته اعداد مكاتب لمؤسسة «ريدان» للدراسات الاثرية والنفسية في شارع مدرم (شارع الصحافة آنذاك)، كما تقرر في مباحثات توحيد الاجهزة الثقافية التي شاركت فيها، أن يكون لـ«ريدان» مكتب بصنعاء موقع عليه من جانبي ما لم يتحقق إلى اليوم لاسباب غير معروفة.
على أن ما تعرضت له مؤسسة «ريدان» من عبث بممتلكاتها واجهزتها بل واعتماداتها المالية في ظروف لم تتضح ابعادها تماماً وهو ما نحاول استجلاءه بمساعدة من يعنيهم الأمر جعلنا نواصل اصدار «ريدان» بمساعدات من الاصدقاء الفرنسيين وخاصة كريستيان روبان الذي يمثل الحولية في الخارج (أوروبا) كما هو واضح من العدد السادس.
وها نحن نواصل إصدار الحولية بمساعدتهم وبإمكانياتنا الذاتية حتى تنجلى الغمة! إن «ريدان» مؤسسة قامت بجهود شخصية كما هو واضح وبدعم من خيرين عددنا بعضهم سابقاً، وينبغي أن تواصل عملها خدمة للتراث الاثري والنقشي، وهو بصدد ترتيبه مع من يعنيهم الأمر من العارفين أهمية هذه المطبوعة العربية والدولية الناجحة والتي تواصل بخامها بفصل من ذكرنا ورغم كل شيء.
واخيراً وليس آخراً يحتم علينا الواجب الإشارة إلى الدعم الذي قدمه لنا المركز الفرنسي للدراسات اليمنية بصنعاء ومديره الدكتور فرانك ميرميه الذي انتهت مدة إدارته لهذا المركز، متمنين له التوفيق فيما هو قادم عليه.
والله من وراء القصد

عدن، الجمهورية اليمنية
المحرر

* افتتاحية العدد السادس من حولية «ريدان»
 
***
 
 بافقيه: المؤرخ باعتباره في الأصل تربوياً
 
في العام 1953 عاد محمد عبدالقادر بافقيه حاملاً شهادة البكالوريوس في الآداب من السودان ليعمل مدرساً ومساعد مدير المدرسة الوسطى في غيل باوزير، ثم أصبح عقب ذلك بفترة زمنية بسيطة لم تتجاوز العام 1954 مديراً للمدرسة ذاتها التي لعبت دوراً نوعياً بارزاً في حضرموت. ذلك كان نشاط بافقيه الأول: حقل التربية والتعليم. بافقيه، الذي عرف لاحقاً كمؤرخ وعالم نقوش وآثار مهم، أسس علاقته بالتاريخ ضمن اهتمام “وطني” ورؤية تربوية. بدا ذلك واضحاً لدى المدرس الذي نظم رحلة للطلاب في شتاء عام 1953 لزيارة منطقتي المشقاص والشحر، ليعقبها برحلة أخرى وهو مدير في العام 1954 لزيارة معبد ومقابر حريضة والآثار في وادي حضرموت.
عين بافقيه ناظراً للمعارف في السلطنة القعيطية عام 1962. وفي تلك الفترة أسس متحف المكلا. وبعد إنجاز الاستقلال عن بريطانيا عُين كأول وزير للتربية والتعليم في الحكومة، ومسؤولاً عن المتاحف والآثار؛ الأمر كان متساوقاً بالنسبة له. الرجل الذي كان معنياً بالتعليم لم يغفل عن تولي مهام تتعلق بالتاريخ، ذلك شأن جوهري ويتعلق برجل استشعرت ضمنياً وجود تحيزات وطنية في أدائه البحثي والعلمي في الشأن التاريخي، وهي تحيزات، وإن تم الإقرار بها، لم تنل من علميته وموضوعيته البحثية.
لقد أفصح بافقيه عن رؤية تحديثية باكرة في مجتمع محافظ بشدة في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات في كتابته الصحفية، وأبدى سخرية رفيعة من الجهالة وانخفاض الاهتمام بالتعليم، متناولاً بخفه ذكية تناقضات “الرؤى المحافظة” المعزولة عن تطورات العلم والعالم في تلك الفترة، فيصبح الموقف من السينما وتخطيط مدينة المكلا وعدم تعليم الأطفال. موضوعات لاذعة تناولها بكتابه رائقة في العديد من المقالات التي كتبها في صحيفة “الرائد” ونشرها لاحقاً في كتاب “صاروخ إلى القرن العشرين”.
لقد شكل بافقيه نموذجاً لمثقف ذي أدوار متنوعة تأسست رؤيته الوطنية ذات الطابع التحديثي على أولوية التعليم. وساهمت هذه الأولوية في بناء علاقة مميزة بالتاريخ ابتدأت بالرحلات المدرسية للطلاب أثناء التدريس لتخلص محصلتها النهائية ببافقيه المؤرخ وعالم التاريخ والآثار الذي أعادت رؤيته التاريخية ومساهمته العلمية النظر في تاريخ ممالك جنوب الجزيرة العربية برمته.
 
 
***
 

اليمن عارية في مراسلات كونت سويدي
 
ماجد المذحجي
 
يؤرخ الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه بحساسية عالية تعقيدات البيئة اليمنية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، في علاقاتها المتداخلة مع المركز الأوروبي الذي حضر بكثافة عبر المستشرقين الأوروبيين حينها في كتابة المهم “المستشرقون وآثار اليمن”، وهو عمل مرجعي نوعي يرصد ويحلل مادة مراسلات الكونت كارلو دي لندبرج مع عدد من الوسطاء اليمنيين النشطين في شبكة تهريب الآثار والمخطوطات وتدوين الزوامل واللهجات المحلية في تلك الفترة.
لندبرج مستشرق سويدي ينتمي للجيل الثالث من المستشرقين الأوروبيين، وكان القنصل العام والوكيل السياسي السابق لمملكة السويد والنرويج في الإسكندرية. بعد انتهاء مهمته بعام، في 1894، ذهب إلى الشام لتعنّ له من هناك فكرة الذهاب إلى الحبشة، لكن تحول الظروف حال دون تحقيق ذلك فوجه طريقة نحو ميناء عدن الذي وصله في ديسمبر عام 1894. لتمتد علاقته باليمن عقب ذلك حتى العام 1911 ويصبح أحد أهم علماء النقوش اليمنية، وأحد أبرز الذين لعبوا دوراً في تجارة الآثار والمخطوطات اليمنية في ذلك الزمن.
المادة الضخمة للمراسلات المتعددة بين عمر السويدي، الاسم العربي الذي اتخذه الكونت حين تطلع للتوغل في المناطق الداخلية لليمن في تلك الفترة، واليمنيين تبني صورة واضحة للفعالية البريطانية النشيطة في عدن وبدء تمددها للداخل اليمني، حيث يحظر بكثافة في المراسلات اسم وايمان بري المغامر البريطاني المعروف الذي اتخذ اسم عبدالله منصور، وتحضر أيضاً تفاصيل الرحلة التي قام التي قام بها لندبرج برفقة “الوالي” البريطاني على متن سفينة تجولت على المدن الساحلية على امتداد الجنوب وصولاً إلى المكلا، وهو ما شكل خروجاً غير معتاد حينها عن التمركز “العدني”، ومؤشراً على بدء التحول في السياسة البريطانية المنكفئة عن جوار عدن تجاه ما عرفت بالمحميات لاحقاً. علاوة على ذلك أوضحت المراسلات ضمنياً الآليات المتعددة التي تكونت في إطارها شبكة “تسريبـ” واسع للآثار والمخطوطات اليمنية في ملتقى القرنين، استفادت من التسهيل الضمني من الإدارة البريطانية في عدن، وإتاحة تلك المدينة لصاحب “أي غرض” الاتصال بقلب العالم آنذاك في أوروبا. كما تفصح مراسلات لندبرج مع وسطائه المحليين، التي قام بافقيه بتحقيقها وشرحها والتعليق عليها بكفاءة علمية وتاريخية فريدة ومتميزة، قراءة التعقيدات التي رافقت الوصول للمخطوطات والآثار ونقلها من مناطق القبائل والسلطنات، ووسائل التسوية التي يتم اللجوء لها من قبل هؤلاء الوسطاء للنجاح في ذلك مع “العقالـ” والمشايخ كما يخبرون فيها الكونت في رسائلهم المختلفة، وهو ما يشكل مادة مهمة في قراءة البيئة الاجتماعية والسياسية لجنوب اليمن في تلك الفترة، والتي احتضنت هذه العملية النشطة التي لا يمكن قصرها دلالتها على تهريب الآثار فقط، بل لكون هذا الشكل من الاتصال أتاح ضمن مستويات متعددة توسيع الدور البريطاني خارج عدن، خصوصاً في علاقة ذلك مع متغيرين مهمين في شمال اليمن آنذاك، وهما الأتراك، والنشاط المتزايد للإمام “الزيدي” الذي بدأ يثير قلق السلاطين والشيوخ ويلفت انتباه البريطانيين أيضاً.
الكتاب الصادر من مركز الدراسات والبحوث اليمني عام 1988 في جزأين، استغرق من الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه أكثر من عام لإنجازه، وهو الأمر الذي تم فعلاً في العام 1987. لقد كان ذلك مدة أطول من المتوقع حسب قول المؤلف في مقدمة العمل. تضمن الجزء الأول من الكتاب تمهيدا من أمتع ما يكون يخص “أصحاب الرسائلـ”، استغرق فيه بافقيه بشكل أساسي في تقديم سيرة الكونت لندبرج، ليتفحص النموذج الشخصي والمعرفي له عبر قراءة واسعة لأدواره التي لعبها والعلاقات التي أنشأها، متعرضاً للطموح “الملكي” السويدي في منافسة فرنسا بخصوص تبني علوم الاستشراق التي كان “خطها الاستوائي يمر بباريس” في حينها، ومتعرضاً أيضاً لطموحات لندبرج الشخصية المتعددة، ولإنجازه العلمي، وللمنافسة اللدودة التي ميزت علاقته مع المستشرقين الآخرين الذين اهتموا باليمن ونافسوه على مخطوطاتها وآثارها. ليتسع التمهيد ويشمل مرزق الحجار وعددا من الشخصيات اليمنية التي تراسل معها الكونت، فيقدم معلومات مختلفة عن كل شخص بناء على ما توفر عنه سواء من مادة المراسلات أم من خارجها، دون أن يتوقف ذلك على سرد محايد ومحدود، ليتحسس بافقيه خارطة الوضع اليمني المعقد آنذاك عبر قراءة وسرد معلومات عن مواقعهم الاجتماعية، وطبيعة أنشطتهم، والتعقيدات السياسية والاقتصادية والثقافية التي قدموا منها، والتي أدت إلى قيامهم بأدوار مختلفة، كلاًّ حسب أهميته، في العلاقة مع الكونت السويدي، وفي النشاط الواسع الذي ميز تهريب المخطوطات والآثار اليمنية حينها.
تطال موضوعات المراسلات بين الكونت واليمنيين حقولا عدة، وهي ترصد طبيعة ومستويات العلاقة التي تربطه مع العديد من الشخصيات اليمنية الذين قاموا بلعب أدوار مهمة في تلبية مطالبه مثل جمع الزوامل من البدو، أو تدوين اللهجات المحلية، علاوة على المطلب الأهم بالنسبة للندبرج وهو الحصول على المخطوطات ونقل الآثار والنقوش إليه. كما تكشف الرسائل العلاقات بين هذه الشخصيات وتحولات العلاقة مع مرور الوقت بين مرزق والهتاري والمذحجي والبريطاني بري، علاوة على العلاقة مع السلاطين في المناطق التي يذهب لها هؤلاء كمرسلين من لندبرج، وعلاقات هؤلاء فيما بينهم ومحاولتهم الاستفادة من أي صلات مع “أجنبي” للحصول على مساعدة في إطار صراعات النفوذ وتعزيز السلطة في مناطقهم. كما أن الرسائل تكشف الجهود المبذولة لتنفيذ مسوح ورسم خرائط تفصيلية عن “البر الداخلي” اليمني بالاستعانة بشكل رئيسي بالمغامر البريطاني بري، بما لذلك من أهمية نوعية يتداخل فيها العلمي بالسياسي حينها. كما أن بعض “الشكايات” في الرسائل التي كان يوظفها الوسطاء اليمنيون المذكورون بغرض “استدرار عطف” لندبرج وطلب المزيد المال منه، ترصد الأوضاع الاقتصادية في اليمن حينها وتأثرها بالظروف المختلفة حينها، مثل أحد مواسم القحط في اليمن التي حدثت في تلك الفترة والتي أدت إلى نزول البدو بكثافة إلى عدن. علاوة على امتداد القحط إلى الصومال في مرحلة لاحقة، وهو ما أدى إلى نقص في عدد المواشي وبالتالي ارتفاع أسعار اللحوم، حيث “سعر الرطل، من أردأ أنواع اللحم، قد بلغ في عدن ستة آنات”.
[email protected]
 
 
 
***
 

بافقيه وهيئة الآثار.. “كمن يحرث في بحر”

بين العام 1990 و1994 تولى الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه رئاسة الهيئة العامة للآثار والمخطوطات والمتاحف “الوحدوية” قادماً من رئاسة الرابطة اليمنية للدراسات الأثرية والنقشية “الجنوبية”، وهي مؤسسة غير حكومية أسسها بافقيه عقب عودته من باريس عام 1988 وأصبح اسمها بعد الوحدة وحتى نهب مقرها في عدن أثناء حرب 1994 “مؤسسة ريدان”. في تولي هذا المنصب ما يُطلق عليه عادة بـ”الرجل المناسب في المكان المناسبـ”. ولكن الأمر كما يبدو لم يمض وفق الافتراض المريح الذي يؤدي له المنطق البسيط لهذه العبارة، فإذا غضضنا الطرف عن أحقية وأهلية بافقيه الكاملة لهذا الموقع كونه من أهم علماء ومؤرخي اليمن وباحثا رصينا ورجل دولة، فهو تولى موقعه أيضاً ضمن اعتبارات التقاسم الوظيفي بين الشطرين السابقين لجهاز الدولة الجديد عقب عام 1990. وهكذا كان عليه احتمال صيغة سياسية لا تعنيه تماماً وهو المهتم بأن تكون الهيئة جهة علمية وبحثية وليست جهة إدارية يُنهكها الطابع الوظيفي والخدمي المعتاد لأجهزة الدولة.
لقد قبل بافقيه أن يتولى هذا المنصب، وهو ذو الحساسية العالية عادةً في العلاقة مع أي صيغة حكومية رسمية، بافتراض أنه سيتم تنفيذ مضامين وثيقة محاضر دمج المؤسسات العاملة في مجال الآثار والمتاحف والمخطوطات الموقع عليها في عدن بتاريخ 7 مايو 1990، والتي اتفق فيها على تشكيل مجلس أعلى للآثار يشرف وينسق عمل “مؤسستي” الآثار: المتحف الوطني، ومؤسسة ريدان للدراسات، والتي نصت على أن يكون للمخطوطات والوثائق وكذلك المدن التاريخية هيئات مستقلة بها، يتم تمثيلها في هذا المجلس. كل ذلك بالطبع لم يتم، واضطر بافقيه للتعايش مع الهيئة وإداراتها العامة بعد الاستغناء عن لائحة المجلس الأعلى للآثار ومؤسساته.
كان “كمن يحرث في بحر” وفق قوله الذي ينقله صديقه د. احمد باطايع في ورقته “بافقيه… السيرة والمسيرة” التي تضمنها الكتيب الصادر عن حلقة النقاش التي نظمتها جامعة عدن عن بافقيه. تصور بافقيه للهيئة كما يبدو يتعلق بضرورة تطويرها والعاملين في إطارها، والخروج من المركزية التي تهيمن على الأجهزة الحكومية بنقل العمل الآثاري وكادره من العاصمتين، صنعاء وعدن، إلى المحافظات لتنفيذ خطط الهيئة في مجال الآثار والمتاحف.
ذلك كله كان جهداً ضائعاً. وعلى المستوى البسيط كان على بافقيه أن يدخل في الكثير من “النزاعات” و”الجدلـ” لضمان انضمام كوادر كفؤة للهيئة، باعتبار ذلك أقل ما يمكن. في أواخر العام 1992 وبداية العام 1993 تُفصح مراسلات رسمية تبادلها بافقيه مع وزير الثقافة والسياحة حينها، حسن اللوزي، عن تصور الرجل الواضح لحاجة الهيئة لكفاءات، ودفاعه عن حقوق الموظفين و”أقدميتهم” في مواجهة “التقاسم” و”المحسوبيات” و”الترشيحات” غير المنطقية. في المذكرة التي تحمل الرقم 13 بتاريخ 12 يناير 1993، يجادل بافقيه عن ترشيحات تقدم بها لشغر ثلاث وظائف شاغرة في الهيئة، مؤكداً على معيارين أثيرين لديه: الكفاءة والخبرة. ذلك ما يؤكده باستمرار في مواقع مختلفة أثناء رده على رسالة الوزير اللوزي، مستغرباً ببساطة غياب هرمية إدارية والحد الأدنى من “النظام” الذي يستدعي عدم وجود رسائل وترشيحات للأفراد واقتراح إدارات جديدة من قبل “النائبـ”، موجهة إلى الوزير رأساً من دون مرورها به ونقاش تفاصيلها معه، باعتبار ذلك المنطقي، مؤكداً: “ليس هذا باحتجاج. هذه مجرد حقيقة. وهذه في النهاية مسألة يحكمها النظام. ونحن خاضعون للنظام”. استغراب بافقيه، ومحاجته المنطقية عن حقوق الموظفين والاحتياج لكفاءات يستتبعه تأكيد في ضمن الرسالة على ضرورة الاجتماع لنقاش الأمر، لأنه “لا يمكن أن نناقش مصائر العاملين بهذه الطريقة، فهناك معايير ستساعدنا عند المناقشة على الوصول إلى ترشيحات منطقية”. إذاً، الأمر يتعلق بتفصيل واضح لا لبس فيه بالنسبة له: “القضية بالغة الأهمية ومتعلق بتراث بالغ الضخامة والعراقة”.
يعكس بافقيه في هذا الرسالة والأخرى رقم 21 والمؤرخة في 14/1/1993 منطقاً بسيطاً: المفاضلة تقررها المزايا والخبرات بين المرشحين لشغر وظائف في الهيئة، وليس الأمر متعلق بكونهم يحملون دكتوراه فقط وفق ما أشارت رسالة الوزير، ذات اللغة “الحاسمة”، رقم 83 المؤرخة ب12/1/1993. حيث أن ميزتهم الإضافية، علاوة على شهاداتهم وعملهم في أجهزة الآثار، قياساً بمن تم قبول ترشيحهم، أنهم “عملوا في الميدان كما يعمل جميع الآثارين أصحاب المؤهلات في مجال الآثار”.
بافقيه في هذا الجدل مع الوزير و”النائبـ” يعكس تصوراً وفعالية شخصية منخرطة بشكل جاد في جعل الهيئة مؤسسة علمية وبحثية وإدارية ناجحة وفعالة تقوم بمهام حقيقية، إنه لا ينافح عن أحد لمحسوبية شخصية، فقط يدافع عن كفاءات يحتاجها، ويبحث عن عمل أفضل وجعل الهيئة محلا ملائما لرجال أكفاء سيتمكنون من العمل على تاريخ وتراث كبير مازال مهملاً ويحتاج للكثير من الجهد، وهو شأن لم تحتمله ذهنية التقاسم التي سادت أجهزة الدولة عقب الوحدة، والتي لم تنجُ منها الهيئة بالضرورة، وكل ذلك كما يبدو ساهم بكفاءة في تبديد جهوده، وأتى ضداً على تصوره لهيئة فعالة في مجال الآثار لديها مهام ضخمة يعرفها عالم كبير مثله عمل مطولاً في الحقل الآثاري و”النقشي” ولديه ما يضيفه بالضرورة.
> م. م
 
***
 
 
في طريق الذكرى السابعة لرحيل المؤرخ الكبير الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه
 

د. عبدالعزيز المقالح

لا أتذكر العبارات التي ودعته بها غداة رحيله، بيد أنني ما زلت أذكر الإشارة إلى آخر أحلامه في هذه الدنيا بأن يمد الله في أجله عاماً أو عامين ليرى كتابه المهم والأخير منشوراً بعد أن أخذ منه أكثر من عشرين عاماً بحثاً وترحالاً؛ لكنه –ويا للأسف!– رحل قبل أن تتحقق أمنيته، وما زالت لم تتحقق حتى الآن. والكتاب –موضوع هذه الإشارة– كما سبق وكرر لي القول هو خلاصة جهده العلمي في كتابة التاريخ، ويضم أهم الفصول عن تاريخ اليمن القديم الضارب في أعماق الزمن، بما لا يمكن لباحث تصوره أو تصديقه به قبل أن يقرأ الأدلة والبراهين التي جمعها بين دفتيه، وكيف أن هذا الوطن قامت على أرضه أهم حضارة شهدتها البشرية في أقدم عصورها. وهنا، وفي طريق ذكراه السابعة، أتوقف أولاً لكي أطرح سؤالين اثنين هما:
أولاً: لماذا لم يجد هذا المؤرخ الكبير والعالم الجليل ما يستحقه من إنصاف وتكريم، ولم تقم أية جهة من الجهات التي تبادر في مناسبات كثيرة إلى تكريم هذا أو ذاك، وتنسى أو تتناسى قمة فكرية وتاريخية كالدكتور بافقيه، تركت لنا الكثير مما نعتز به ونفاخر ببقائه؟!
ثانياً: أين كتاباته التي أنجزها في الفترة الأخيرة من حياته ومنها كتابه الذي سبقت الإشارة إليه، والذي كان يتحدث عنه باعتزاز ويرى أنه الخلاصة الحقيقية لجهوده في كتابة التاريخ، وأنه سيرد بوضوح تام على أسئلة كثيرة من المؤرخين العرب والأجانب والمستشرقين بخاصة، ويصحح جوانب كثير من الأخطاء التي وقع فيها البعض منهم أو وقعوا فيها جميعهم، ومن ذلك ما سمي بـ”تاريخ العرب البائدة”، وعن منطقة الأحقاف وما كان لها في التاريخ من آثار مشهودة، وكل ذلك بالوثائق التي لا تقبل الشك؟!
وبعد هذين السؤالين (والإجابة عليهما تشكل بالنسبة لي هماً شخصياً) أعود إلى الحديث عن علاقتي الوثيقة بالراحل الكبير الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه، والتي بدأت منذ عام 1973 في مصر وفي جامعة القاهرة بخاصة، فقد كان يومئذ يشغل منصب السفير للشطر الجنوبي من الوطن، وكان واضحاً أن اهتمامه بالقراءة والبحث العلمي أكثر من اهتمامه بالشأن السياسي، وأنه جاء إلى القاهرة -كما ذهب بعد ذلك إلى باريس- لينكفئ على البحث، ويبتعد ما استطاع عن أجواء الصخب والضجيج اللذين كانا قد أغرقا الوطن بشطريه. لذلك فقد جمعتني به المكتبة الشرقية لكلية الآداب، حيث كان يمضي جل وقته في منأى عن السفارة. وفي هذه المكتبة كان يقرأ ويدون ملاحظاته. صحيح أننا التقينا كثيراً في السفارة وفي منزله، بحضور عدد من المثقفين السياسيين البارزين في مصر العربية، لكن لقاءاتنا الأعمق والأكثر حميمية كانت هناك في مكتبة كلية الآداب بجامعة القاهرة، بين آلاف الكتب، وبالقرب من كبار الأساتذة الذين يكاد الفضاء الصامت ينقل الناعم والخفيف من أصداء أصواتهم.
لم تطل إقامة الدكتور بافقيه في القاهرة، فقد انتقل سفيراً في باريس، ثم مندوباً دائماً لدى اليونسكو، وهناك بدأ دراسة اللغة الفرنسية وأجادها وتواصل عبرها مع المستشرقين من أبنائها والمعنيين باليمن وآثاره ونقوشه. وفي باريس أنشأ مع هؤلاء مجلة “ريدان” الدورية التي تخصصت بالآثار والنقوش، وكانت وما تزال إحدى المراجع المهمة في هذا المجال. وفي هذه الفترة حصل على دكتوراه الدولة في جامعة السوربون، وأصدر مجموعة من الدراسات والكتب المتعلقة بالتاريخ وبالآثار والنقوش، وبعضها بالتعاون مع عدد من المستشرقين، منهم المستشرق الفرنسي كريستيان روبان، وكتاب بالتعاون مع هذا الأخير ومع عالم اللغويات العربي الدكتور محمود الغول.
وعندما عاد الدكتور بافقيه إلى الوطن بعد مشواره الفرنسي الطويل والغني بالمنجزات عُيّن رئيساً للهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات حتى عام 1995، حيث عين مستشاراً لوزارة الثقافة وتفرغ لإنجاز كتابه البالغ الأهمية والذي لم ينشر منه حتى الآن سوى الجزء الخاص بـ”توحيد اليمن القديم” والذي قام بطبعه ونشره المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية بصنعاء في عام 2007. وكان قبل وفاته بشهور قد وعدني أن يبعث بنسخة مصورة منه مخطوطته مع ابنه الطبيب الدكتور علوي محمد عبدالقادر، لكن القدر كان أسرع إليه، إذ وافاه الأجل في 18 أغسطس 2002 عن عمر ناهز 75 عاماً حافلة بكل جليل من الأعمال ابتداءً بالتدريس والصحافة وإدارة المعارف في محافظة حضرموت إلى وزارة التربية والتعليم والاهتمام بالمجال التربوي، حيث ترك أوضح البصمات وصولاً إلى عملية الدبلوماسي وإعطاء كل وقته لتاريخ اليمن القديم وما ظهر حتى الآن من نقوش ولقى أثريه عن المراحل التي سبقت الإسلام والمسيحية واليهودية بعشرات القرون. ووفاءً له وتقديراً لجهوده في حقل التاريخ يستحق أن يسمى باسمه أحد الشوارع في عاصمة الوحدة، وأن يطلق على إحدى المؤسسات العلمية أو إحدى قاعات الجامعة والمراكز الثقافية، وطبع كتاباته المخطوطة مع إعادة كتبه المنشورة، وذلك أقل ما يستحقه من إنصاف وعرفان.
وفي ختام هذه الإشارات نجدد الإشارة إلى أننا في العقدين الأخيرين من هذا الزمن الرديء افتقدنا في بلادنا وفي الوطن العربي عدداً من الأعلام والمشاهير. لكن حزني الأكبر يتمركز حول علمين من أولئك الأعلام، هما الدكتور محمد عبد القادر بافقيه؛ لأنه لم يشهد ثمرة جهوده الأخيرة التي لم ترَ النور وهي خلاصة المرحلة التي أمضاها مقيماً وباحثاً في باريس واطلاعه على فيض هائل من المعلومات المتعلقة بتاريخ البحث القديم مضافاً إليها المعلومات التي اختزنها أو بالأحرى أفادها من عمله رئيساً للهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات. وأما العلم الثاني فهو الدكتور جواد علي، ذلك الراهب العلمي الذي انعزل على مدى ربع قرن لاستكمال ما بدأه في كتابه الموسوعة “المفصل في تاريخ العربـ”، والموسوعة وما أضاف إليها في عزلته وقفاً على تاريخ اليمن القديم، إلاَّ أن جهوده الأخيرة، كما الحال مع جهد الدكتور بافقيه، غابت في زحمة الأحداث ولم يتمكن أحد من العثور على أهم اكتشافات الدكتور جواد، التي أوضح لي في رسالة منه أن ما توصل إليه عن تاريخ اليمن القديم وعلاقته بشعوب العالم القديم يعد أهم بكثير مما ورد في كتاب “المفصلـ” بما لا يقاس.
 
 
***
 
حول ترجمة كتاب توحيد اليمن القديم لمحمد بافقيه
 
* أشاد مكسيم رودنسون بسعة معرفة بافقيه لموضوعه معتبراً أن بافقيه أثبت استحقاقه لدرجة «دكتوراه الدولة» قبل أن يلتحق بهذه الجامعة، ومن ثم فإن الموافقة على منحه هذه الدرجة ليس إلاّ من باب الاعتراف بفضله
* ما يميز بافقيه اجتهاده للوصول إلى المعرفة من مصادرها الاصلية
* لم يكن ممن يقف موقفاً عدمياً مبتذلاً من المستشرقين

علي محمد زيد
اعتدتُ أن أتعامل مع الترجمة من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى اللغة العربية، وبخاصة فيما ينشر عن اليمن، باعتبارها وسيلة من وسائل القراءة المركزة لما أقرأ، وبالذات حين أشعر بأن النص المعني يغني معرفتي أولا وقبل كل شيء. وبعدها تستولي عليّ الرغبة في ترجمته على نحو لا أعود معه قادرا على التأجيل أو النكوص، وكل همي أن تعم الفائدة وينعم آخرون بمشاركتي في متعة قراءة هذا النص والاستفادة منه. ولعلها نزعة عادة ما يتمتع بها المعلم أو المحب لمهنة التعليم، من حيث كان التعليم مهنة مارستها منذ كنت طالبا في المرحلة الثانوية حين كنتُ أدرس في الفترة الصباحية وأتولى التدريس بعد الظهر في معهد معين التجاري، المدرسة الخاصة الوحيدة حينذاك، شبه المجانية، التي افتتحها المربي المرحوم محمد علي ناجي الكُميم، للتعليم بعد الظهر لمن حرموا فرصة الاستفادة من التعليم العام بسبب ظروف حياتهم القاسية وانشغالهم بكسب لقمة العيش. كما أن تلك المدرسة الفريدة قد أعطت لبعض طلبة المدرسة الثانوية مثلي فرصة تحسين ظروف معيشتهم، من خلال المساهمة في جهد معرفي شبه مجاني من خلال التدريس لمن حُرِموا من الحصول على التعليم من صغار الموظفين والجنود وبعض النساء، ومساعدتهم في رفع مستواهم المعرفي وفتح أبواب الحياة أمامهم، سواء عن طريق أخذ شهادة الثانوية العامة والحصول على منح للدراسة في الخارج أم للالتحاق بالكليات العسكرية (الكلية الحربية وكلية الشرطة) أم ببساطة الحصول على فرص الترقي الوظيفي، في مرحلة كان التحصيل العلمي ما يزال طريقا مباشرا إلى صعود درجات سلم المراتب الاجتماعية الذي كسرت الجمهورية حلقاته المغلقة بإحكام وفتحت أبواب صعوده أمام أبناء المزارعين والمهاجرين، ولم يطغ بعد “تسونامي” المحسوبية والتمييز، ولم تغلق بعد فرص الحصول على المنح الدراسية وعلى فرص العمل والترقي الوظيفي أمام الكثير من المثابرين والمتفوقين ممن لا سند لهم ولا دعم.
المهم أنني بهذا الموقف من الترجمة باعتبارها قراءة مركزة لما أجد من المفيد تعميم فائدته عن طريق ترجمته ونشره قد ترجمت عددا لا بأس به من النصوص، بعضها كتب وبعضها دراسات أو مقالات. وأدى تساهلي في النشر أو عدم العثور على من يتحمل تكاليف النشر، أو ببساطة عدم الحصول من المؤلف على حق النشر في بلد يعد فيه طبع كتاب مغرما لا مغنما ومن ثم لا أحد مستعد لدفع حقوق المؤلف للحصول على حق النشر حتى دور النشر اليمنية وغير اليمنية، إلى عدم نشر بعض ما ترجمتُ، وفي بعض الحالات وجدتُ ما ترجمت وقد تعرض للتشويه والنشر منسوبا إلى آخرين. وبعض الحالات في هذا الخصوص معروفة وكانت، وربما ماتزال، موضوع تندُّر بين الزملاء. أقول هذا لأوضح إلى أي مدى تعاني الترجمة من إحباطات وصعوبات غير معقولة في بلد لا ينكر أحد أنه في حاجة ماسة للترجمة في جميع العلوم لكي يتمسك بأذيال عالمه حتى لا يطول تهميشه وإقصاؤه عن عالم يحقق فتوحات معرفية هائلة.

ترجمة كتاب بافقيه
بدأت علاقتي بكتاب الأستاذ الدكتور (لا أحب استعمال عبارة “الأستاذ الدكتور”، ولا حتى “الدكتور” إلا في حالات نادرة أشعر عندها أن الشخص المعني كنز معرفة أكبر من الألقاب المنفوخة) في إحدى قاعات جامعة السوربون عندما كنت طالبا في الدراسات العليا في باريس، سنة 1983، يوم ناقش رسالته لدكتوراه الدولة (وهي موضوع هذا الكتاب)، وحضرتُ، ومعي عدد من طلبة الدراسات العليا اليمنيين، هذه المناقشة لأتعرف على الأستاذ بافقيه شخصيا لأول مرة. وكانت أولى مشاعري مشفقة عليه، لأنه كان، وهو الرجل الذي يمضي في العقد السادس من العمر، يعارك لغة فرنسية جميلة ومحببة لكن إتقانها وإتقان نطقها بالذات ليس باليسير، خاصة أن بافقيه ربما يكون قد تعلمها عندما جاء إلى فرنسا في مطلع ثمانينيات القرن العشرين سفيرا للجنوب في فرنسا ومندوبا لدى منظمة اليونسكو. ومعروف أن تعلُّم أية لغة أجنبية في سن متأخرة قد يسعف في فهمها والقراءة بها، والكتابة لمن كان موهوبا في فن الكتابة والفهم، لكن اللسان يستعصي على إتقان النطق كلما تقدم الإنسان في السن. وقد كان نطق بافقيه سليما كما كانت لكنته محببة وهو في بعض الأحيان ينطق الفرنسية بمسحة من اللغة الإنجليزية التي يجيدها إجادة تامة. وكان المصدر الثاني لخشيتي عليه وجود الأستاذ الكبير مكسيم رودنسون، المستشرق المعروف وصاحب المؤلفات الكثيرة العميقة، ضمن لجنة المناقشة المكونة من أربعة أساتذة مميزين، بالإضافة الى الأستاذ كريستيان روبان، أهم متخصص في آثار اليمن في فرنسا، والذي شارك كمستشار للجنة دون أن يكون عضوا فيها لأنه لم يكن قد حصل على درجة دكتوراه الدولة التي تتيح له، وفقا للنظام الأكاديمي المعمول به في فرنسا في تلك الفترة، المشاركة في لجان مناقشة أطروحات الدكتوراه. وكنت سابقا قد سمعت الأستاذ رودنسون يقول لطالب يمني عند مناقشة أطروحته للدكتوراه عندما وجدها ضعيفة ما معناه أن الأطروحة لا تساوي شيئا، وأن جميع أطروحات الدكتوراه لا تساوي شيئا إذا لم يثبت من يقدمها فيما بعد أنه مؤهل للمشاركة في مسيرة المعرفة الإنسانية ولو بقدر يسير. فكم من رسائل دكتوراه أعجب الأساتذه بها لكن مقدمها خيب أمل الجميع فيما بعد لأنه اكتفى بها وتوقف عندها وكأنه قد بلغ ذروة المعرفة. لذلك توقعت مناقشة ساخنة لن يقف فيها بافقيه، وهو العالم المثابر العنيد، موقف من يخفض الرأس ليسمح للموجة أن تمضي بسلام، كما يفعل أغلب الطلبة عند مناقشة أطروحاتهم، للفوز بموافقة لجنة المناقشة والحصول على الشهادة. لكنني سرعان ما فوجئت بجميع أعضاء اللجنة يثنون على الأطروحة ويستفسرون صاحبها عن بعض التفاصيل فينشرح صدره وتسترتخي أعصابه ويمضي في المناقشة بهدوء ووقار، وأحيانا تفر من فمه بعض كلمات بلغة عربية سليمة يفهمها أغلب أعضاء اللجنة، لكنه لا يتخلى عن تأثره المحفور في أعماق ذاكرته بسنوات الدراسة في السودان. ولدهشتي كان أكثر المناقشين تأدبا في الحديث مكسيم رودنسون الذي أشاد بسعة معرفة بافقيه لموضوعه وعمق هذه المعرفة، مشيرا إلى أن بافقيه أثبت استحقاقه لدرجة “دكتوراه الدولة” قبل أن يلتحق بهذه الجامعة، ومن ثم فإن الموافقة على منحه هذه الدرجة ليس إلا من باب الاعتراف بفضله وبجهوده العلمية. ومع أن الأعضاء الآخرين في اللجنة قد تداولوا المناقشة، فإن ما ظل ماثلا في ذاكرتي إشادة رودنسون بالأطروحة، لأن ليس من السهل كسب رضاه، وعادة ما يتولى الطلبة الخوف حين يكون عضوا في لجنة مناقشة أطروحاتهم. وهكذا حصل بافقيه على مرتبة الشرف بسهولة، عن استحقاق وجدارة.
وحين صدرت الأطروحة في كتاب عن دار “جونتر” في باريس بادرت بقراءة النص بتمعن واستمتاع، وكتبت عنه مقالا في الصحف اليمنية يبين مصدر إعجابي به ويشيد بقيمته المعرقة الكبيرة، وبدأت في الحال ترجمته كعادتي مع ما يستهويني من نصوص لأزداد معرفة به، إذ لا يمكن أن يترجم المرء ما لا يستوعبه تماما، وبالأخص لأن موضوعه صعب ويستند إلى نقوش يمنية إما ترجمها بافقيه أو أعاد ترجمتها، أو يناقش بعض مضامينها مع المستشرقين الذين تناولوها من قبله. والتقيت ببافقيه صدفة فيما بعد في صنعاء، وكان قد تعين بعد الوحدة رئيسا للهيئة العامة للآثار، في حين كان قد قرأ المقال وأعجب به. فبادرني بالقول والابتسامة تشرق على شفتيه إن الحياة الثقافية اليمنية اعتادت على ألاَّ يكتب المرء إلا عن صاحبه إذا لم يكن لأسباب أخرى أقل قيمة من الصحبة، ومن النادر أن يكتب أحد لمجرد الإعجاب بكتاب. لذلك دعاني معه لعرض موضوع الكتاب في الجمعية الخيرية لحضرموت في صنعاء في مقيلها الأسبوعي. وعند انتهائي من ترجمة الكتاب بعد ذلك اللقاء بفترة طلبت منه أن نبحث عن ممول لطبعه، إن لم يكن إحدى المؤسسات الثقافية اليمنية فلنحاول إقناع الجمعية الخيرية الحضرمية التي تحمست للكتاب حين توليت عرض محتوياته بحضور مؤلفه. لكنه قال لي إنه يريد إعادة النظر في بعض الأفكار والاستنتاجات على ضوء النقوش التي اكتُشِفت بعد كتابة النص. فقد كان مهموما بالمنافسة بينه وبين المستشرقين المختصين بالآثار اليمنية ممن اعتاد أن يناقشهم مناقشة الند للند ويصحح بعض آرائهم أو بعض ترجماتهم لمفردات نقوش أعاد ترجمتها بعدهم، أو الدفاع عن فهمه لبعض النقوش التي ترجمها واعتمد عليها في أطروحته. وقد كان هذا الجهد والتعمق المعرفي تحديدا مصدر إعجابي بالكتاب ودافع حماستي لترجمته. فما يميز بافقيه عن كثيرين من اليمنيين والعرب اجتهاده للوصول إلى المعرفة من مصادرها الأصلية، ولم يكن ممن يقف من مؤلفات المستشرقين موقف المستسلم أمام ما يقولون، كما يفعل بعض من ينسخون ما يكتب هؤلاء المستشرقون ويزينون أقوالهم بالاقتباس منهم وكانهم يقتبسون من كتب سماوية لا يأتيها الباطل قط. لكن بافقيه لم يكن أيضا ممن يقف موقفا عدميا مبتذلا يرفض آراء المستشرقين جملة وتفصيلا دون دراسة ودون تمحيص، بل كان يقف موقف العالم المدقق الذي لا يتردد عن أن ينهل المعرفة من حيث أتت، يقبل أو يدحض عن برهان واستنادا إلى حجج علمية رصينة، وليس عن هوى أو عن رد فعل غريزي جاهل. وبالطبع لم يكن أمامي سوى أن أتفهم دوافع المؤلف لتأخير النشر، وأقبل وجهة نظره التي لا يستطيع أحد أن يجادله فيها. فهو في الأول والأخير مؤلف الكتاب ومن يقرر متى ينشره. وعند ذلك سلمت نص الترجمة إليه لينقحه كما يريد ويطبعه عندما يطمئن إلى أن أوان نشره قد حان.
ومرت بضع سنوات غادر خلالها بافقيه هذه الدنيا للأسف سنة 2002، بعد معاناة من المرض ومن النكران والاهمال. وإذا بالصديق جان لامبير، مدير المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية في صنعاء، يتصل بي عام 2006 ليقول لي إنه حصل من ورثة بافقيه على حق النشر، وإنه يبحث عمن يدفع تكاليف طبع الكتاب في صنعاء. وبعد أن بدأ الحراك الجنوبي اقتنع الصندوق الاجتماعي للتنمية، ربما لأسباب سياسية، بنشر هذا الكتاب الذي يتناول ظروف تحقيق أول تجربة توحَّد فيها اليمن في التاريخ. وقد أحسن الصندوق بهذا العمل المفيد صُنعا، لأن كتاب بافقيه بحث علمي رصين يوفر لليمنيين الذين يكثرون الحديث عن حضاراتهم القديمة ما يساعدهم على الفهم الصحيح لتاريخ تلك الحضارات.
ومع سعادتي بخروج الكتاب إلى النور باللغة العربية، فإنه يعاني مثل كل ما طبع من الكتب التي ترجمتها (ربما باسثناء القليل منها) من أنها طبعت دون العودة إليَّ، وتعرَّض بعضها لشيء من التدخل بما لا أرتاح له من صياغات للجمل والعبارات. ولأن الطبعة الأولى من كتاب بافقيه “غير مخصصة للبيع” كما يقول الكتاب في صفحته الثانية، فهل لي أن آمل أن تبادر أية جهة ثقافية يمنية أو أي مهتم، بتمويل صدور طبعة جديدة للجمهور، على أن يعود إليَّ لتجنب بعض الهنات التي رافقت الطبعة الأولى. وأطمئن الجميع منذ الآن إلى أنني لن أطالب بحقوق ترجمة حتى لا يتجنبوا العودة إليَّ، فكل همي أن أضمن أن تكون الطبعة القادمة خالية من أي عيوب.
 
 
***
 
 
ذكريات مع الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه
عبد الرحمن حسن بن عبيدالله السقاف
 
قبل نحو عقدين من السنين جاء إلى متحف سيئون الأستاذ القدير فيصل بن شملان، فألقى نظرة سريعة عامة لصالة الآثار القديمة وسأل ليرى نموذجاً معيناً من العملات القديمة التي ضربت في القصر الملكي (شقر) في شبوة عاصمة دولة حضرموت القديمة، لأن صديقه الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه لديه دراسة في التاريخ القديم، وكان يعلم أن مواطنًا من منطقة خريخر قرب الهجرين عثر على كمية من العملات البرونزية القديمة على مقربة من منزله وسلمت إلى المتحف أو كان يتوقع أن تسفر الحفريات الأثرية بمدينة ريبون التي تجريها البعثة العلمية اليمنية السوفييتية عن العثور على نموذج مثالي لتلك العملة التي إذا ما وجدت واضحةً وحصل الأستاذ على صورتها ستحل له بعض المسائل العلمية في بحثه العلمي.
 شيء لا يستغرب أن تكون عملة لا تزن أكثر من ثلاثة جرامات من البرونز مجال اهتمام الباحث الكبير د. بافقيه ويشاركه الاهتمام صديقه الوزير بن شملان (الذي صار يوما قاب قوسين من رئاسة الجمهورية اليمنية). أكبرت هذا التعاون، إنه لموقف فيه درس في الأخلاق والبحث العلمي.
كنت أهتم باسم الأستاذ بافقيه من خلال بعض الخطابات التي وجهها إلى سيدي الوالد رحمه الله. لم أعِ تفاصيل مضمون تلك الرسائل، ولكنها تصب في مسيرة جهود المثقفين في تكوين وعي شعبي لمرحلة الاستقلال الوطني. وعرفت أنها من شخص مهم هو الأستاذ محمد عبدالقادر بافقيه. هكذا كنت أعرف الأستاذ بافقيه كشخصية وطنية صاحب كتاب “تاريخ اليمن القديم”، وباحث رائد في علم الكتابات اليمنية القديمة. ولم يتيسر لي أن أره إلا في مكتبه في مبنى الهيئة العامة للآثار والمخطوطات والمتاحف وهو رئيسها، حيث شكلت الوحدة اليمنية وحدة للمؤسستين المتناظرتين في شطري الوطن، في جنوبه المركز اليمني للأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف، وفي شماله الهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات ودور الكتب.
وكنت موظفًا ممن كلفوا بعد الوحدة اليمنية بمهمة عمل إدارية في ديوان الهيئة بالعاصمة.
عملت في إدارة المتاحف إلى جانب مهمة سكرتير لجنة المقتنيات الأثرية والتراثية والمخطوطات، وهي لجنة يرأسها الأستاذ الدكتور بافقيه، الأمر الذي أتاح التعرف عليه أكثر، فمهمتي عمل التوثيق الأولي للمواد التي ترد إلى اللجنة ووضع البيانات بعد تأكيد صحة، كونها أثرية، وتحديد الفترة الزمنية والتقييم الفني الأولي لها، مما يساعد رئيس وأعضاء اللجنة ويختصر الجهد والوقت.
أتاحت لي مهمتي هذه العمل مع رئيس الهيئة بشكل مباشر، حتى أني في كثير من الحالات أعمل بشكل مؤقت كمدير لمكتبه، ومن قرب عرفت ومضات من حياته ومواقف توضح شخصية تجمع بين الجد إلى حد الصرامة، والبديهة الحاضرة في ابتكار النكتة المرحة والتعليق اللاذع والصبر على الآلام بأنفة وكبرياء. وخلال عمله في هيئة الآثار والمتاحف استطاع أن يبني لها بنية تحتية وامتيازات وتنشيط الأبحاث العلمية من خلال تنظيم البعثات الأجنبية. وفي تلك الفترة انطلقت أبحاث دراسة عصور ما قبل التاريخ التي توسعت في البلاد اليمنية في السهول والهضاب والصحارى والجبال في كل مكان يمكن البحث فيه، مما يؤيد فرضية أن اليمن كانت من أقدم مواطن الإنسان على الأرض.
كان الدكتور بافقيه مسكوناً بتفسير المعلومات التاريخية الواردة في القرآن الكريم والمصادر الدينية والكلاسيكية العربية والأجنبية بشواهد الآثار التي تستكشف تباعًا في البلاد.
استطاع د. بافقيه أن يبني للهيئة بنية تحتية وحضورا كبيراً في كيان وزارة الثقافة، وإلى جانب ذلك حضورا متمكنا وفاعلا في المؤتمرات العلمية في العالم العربي والعالم. وقد فعّل عدة مشاريع من البحث العلمي والدراسات، كدورية “ريدان” التي تعنى بنشر المستجد من دراسات الآثار، وانطلاقة عدة برامج دراسات أهمها دراسة العصور الحجرية. كما أسس الدكتور بافقيه مجلس إدارة للهيئة، إلا أن ذلك المجلس لم ترسخ لائحته وللأسف. بدا لي في بعض المواقف أن هذا الرئيس أشبه بقائد أوركسترا متمكن وواثق من نفسه وقف على المسرح أراد أن يقدم العرض ولكنه لم يدرب فرقته قبل العرض واكتفى بأنه يعلم أن لدى كل منهم كراس النوتة.
وقد كان الدكتور يتحدث عن كتاب على سطح مكتب أفكاره ويعمل على إنجازه خلال أوقات يقتطعها من وقت راحته، ولكن الوظيفة الرسمية وتعقيدات العمل لم تتح له وقتاً كافيًا للراحة من جهة، ومن جهة أخرى فإن حالته الصحية المعقدة التي استعصت على الأطباء فلا يواجهها إلا بالصبر وتجاهل الأعراض. كان موضوع ذلك الكتاب “التاريخ العربي قبيل الإسلام”، ومادته مبنية على كثير من المعلومات المستجدة مما توصلت إليه الدراسات الأثرية والنصوص المكتوبة بالمسند المكتشفة في الجزيرة العربية والتي لم تتح للباحثين والمؤرخين من قبل، بينما أتيحت لنفر قليل من الباحثين في مجال المسند (اللغة العربية الجنوبية القديمة) أكثرهم من الغربيين وقليل من العرب واليمنيين يكون الدكتور بافقيه حينذاك أفقههم في علوم اللغة العربية الفصحى والتاريخ الإسلامي المبكر وجغرافية الجزيرة العربية.
إن دراسة هذه الفترة بالغة الأهمية من التاريخ العربي والأرضية التي تأسس عليها المجتمع الإسلامي من قبل باحث مقتدر ومتمكن أمر بالغ الأهمية وسيفضي إلى كتاب تحتاجه جدا المكتبة العربية والإسلامية. وأحسب أن مشروعًا بهذا القدر من الأهمية قد وصل إلى مراحل متقدمة منذ تلك الفترة من العام 1993حتى وفاته في العام 2002، رحمه الله، ولو لم يستكمل هذا الكتاب فإن الفصول الميسورة منه تغني عن كثير من الكتب في المكتبة العربية، ولو أن بعضا من الأفكار التي يحتويها الكتاب قد نشرت في مقالات ودراسات متفرقة.
وللدكتور بافقيه رؤية في توظيف المعارف التاريخية في صياغة الواقع ورسم ملامح المستقبل بآلة عصرية يطرح دائما قضايا منها حتمية قيام تعاون بين المشتغلين بالآثار في دول شبه الجزيرة العربية كلها قبل أن تختفي المواقع التي أصبحت مهددة بالتدمير وخاصة في اليمن نتيجة لزحف العمران على الأقل.
ومن ذلك المنطلق فقد أطلق بافقيه دعواته في عدد من المؤتمرات العربية إلى اعتبار الحقائق التاريخية المشتركة للبلاد العربية ثوابت للتنمية والتعاون والشراكة العربية. ومثالا على ذلك: يطلق على أسواق العرب القديمة التي كانت تتنقل في مدن الجزيرة العربية “السوق العربية المشتركة” مع عدم إغفال ضرورة توسع سوق الحديثة كل البلاد العربية لتشمل شمال أفريقيا وشرقها.
رحم الله السيد محمد عبدالقادر بافقيه وجعل تراثه علمًا ينتفع به وأثابه عليه أجرًا جزيلاً إنه واسع الرحمة كريم منان.
 
 
***
 

د. منير عربش:
 بافقيه الوحيد كمؤرخ يمني وعربي لديه رؤية تاريخية لتاريخ ممالك اليمن القديمة

* عندما ألتقي معه في باريس أو في منزله في عدن كنت أصغي إليه فقط
* لقد لفت الانظار منذ البداية إلى وجود إشكالات في تسلسل تاريخ الممالك العربية الجنوبية وفي قراءة النصوص
* للاسف أن المؤرخ بافقيه لم يكن لديه طلاب كثيرون ولم يدرس ولم يعط محاضرات
* بافقيه لعب دورا كبيرا في تأسيس مدرسة تاريخية عربية حول النصوص القديمة التي كانت محصورة فقط عند المستشرقين
* لقد كانت تجربة بافقيه في الهيئة سيئة سببت له إحباطا وقرحة في المعدة
 
تعرف منير عربش على بافقيه في العام 1989. كان ذلك أثناء العمل معاً في بعثة يمنية فرنسية مشتركة عملت على النقوش القتبانية في بيحان. تلك البعثة كانت أول اكتشافاته لليمن التي استمرت أكثر من عشرين عاماً حتى الآن، وكانت أيضاً تدشيناً لعلاقة عمل وصداقة، يصفها بالحميمة، مع د. محمد عبدالقادر بافقيه، الرجل الذي قال إنه “يستمع” فقط حين يكون بمعيته، تقديراً لأهمية ما يقوله. يستعيد عربش في هذا الحوار بعض تفاصيل علاقته مع بافقيه وأدواره، ويقدم رأياً مهنياً، وهو المؤرخ والباحث البلجيكي من أصل سوري الذي يعمل في المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية في صنعاء، في تجربته ومنجزه العلمي.
> متى تعرفت إلى الدكتور محمد بافقيه؟ وماذا كان انطباعك الأولي عنه؟
– تعرفت على المرحوم الدكتور بافقيه في بداية التسعينيات في عدن وفي وادي بيحان عند المسح الأثري أثناء مشروع النقوش القتبانية، كنت ضمن البعثة الفرنسية، وكان بافقيه صاحب المشروع. كنت أحضر رسالة الدكتوراه حينها وفي بداية اكتشافي لحضارة اليمن، وكان بافقيه صاحب رؤية لتاريخ اليمن ولديه حس وطني بضرورة الحفاظ على هذا التراث ودراسته. هذا الانطباع ترسخ في السنوات اللاحقة، ارتبطت مع بافقيه بعلاقة صداقة حميمة واحترام متبادل، وعندما كنت ألتقي معه في باريس أو في منزله في عدن كنت أصغي إليه فقط، لأنه الوحيد فعلاً الذي لديه رؤية تاريخية لكيفية قراءة النصوص القديمة، وعنده معرفة موسوعية بالنصوص العربية، وهذا طبعاً شيء جديد بالنسبة للمؤرخين العرب، أنهم يقرؤون النصوص العربية على ضوء التاريخ القديم، على ضوء الاكتشافات النقشية، وهذا طبعاً يعطي آفاقاً جديدة للبحث العلمي وللباحثين العرب.
> بماذا تفرد قياساً بالمؤرخين اليمنيين الآخرين؟
– كان المرحوم بافقيه الوحيد كمؤرخ يمني وعربي لديه رؤية تاريخية لتاريخ ممالك اليمن القديم. هناك علماء يمنيون آخرون، مثل الدكتور يوسف محمد عبدالله والأستاذ مطهر الإرياني والدكتور عبدالله الشيبة وآخرين، تعلموا على أيدي هؤلاء العلماء، فمثلا الدكتور يوسف عبدالله لديه رؤية أدبية ولغوية للحضارة القديمة من خلال قراءة النقوش المسندية القديمة، فهو يقرأ النصوص من خلال اللغة ومن خلال المصادر العربية. أما الدكتور بافقيه فكان لديه رؤية تاريخية للأحداث وهذا شأن لا يتوفر لدى الجميع. وأعتقد أن الرؤيتين مكملتان لبعضهما، وأكثر العلماء الأجانب المختصين بتاريخ حضارة اليمن ليست لديهم كلهم هذه الرؤية التاريخية، وهذا فارق حقيقي، وطبعاً استفاد الكثير من الباحثين الأجانب وخصوصا الأستاذ الدكتور كريستيان روبان الفرنسي، الذي لديه هو أيضا رؤية تاريخيةً لكن مع قراءات مختلفة للنقوش، ولكن الاثنين لعبا دوراً كبيرا في إعادة النظر بتسلسل تاريخ حضارة الممالك العربية الجنوبية للقرون التي تلت العهد الميلادي.
> إذن فإن امتلاك بافقيه لرؤية تاريخية هو الذي ميزه عن الآخرين؟
 – كان لا يحمّل النصوص أكثر مما تحتمل. القراءة التاريخية هي عندما يكون لديّ نقش جديد: في أي وقت نضعه؟ بأي مكان؟ بأي تسلسل؟ ولماذا؟ وما هي الثغرات؟ وما هو المؤكد والافتراضي؟ وما هي الفرضيات المختلفة؟ طبعاً أول كتاب أصدره حول نقوش وآثار العقلة في 1967 أظهر ذلك. كان واضحاً امتلاكه لهذه الرؤية والقراءة التاريخية، وأن لديه الوعي بوجود ثغرات كبيرة في هذه النصوص، والمؤرخ لا يمكن أن يزيد على النصوص أو يضيف معلومات غير موجودة بالنصوص. وطبعاً للمؤرخ بافقيه دور كبير في إعادة تسلسل تاريخ الممالك العربية الجنوبية من القرن الأول إلى القرن الرابع، بفضل النقوش الكثيرة التي اكتشفها مع العالم الفرنسي روبان في موقع المعسال في محافظة البيضاء، والتي ساعدتهما على اقتراح تسلسل جديد. العلماء الأوروبيون حتى الثمانينيات كانت لديهم نظرات أخرى، وقراءة أخرى للنصوص، وتسلسل آخر للممالك. وكتابا بافقيه “تاريخ اليمن القديم” و”توحيد اليمن القديم” مرجعان مهمان لجميع العلماء، ولقد تقدم برسالة دكتوراه إلى جامعة السوربون بفرنسا عرض فيها هذا التسلسل الجديد لأحداث القرون الثلاثة الأولى للميلاد. وهذا التسلسل الزمني يعتمد عليه كل الباحثين اليوم بالرغم من وجود بعض الثغرات في النقوش.
> واضح من خلال قراءة أعمال بافقيه اعتناؤه بنقاش وتغيير الكثير من الأفكار الواردة في مؤلفات المستشرقين عن تاريخ اليمن، ما انعكاس ذلك على أدائه واهتماماته العلمية؟
– لنكن صريحين، عندما جاء المستشرقون إلى اليمن في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت الفكرة هي قراءة نصوص تاريخ اليمن القديم من خلال التوراة، هناك من الباحثين من يرون ضرورة قراءة تاريخ اليمن ضمن سياق تاريخ الشرق القديم، وهذا لا مانع فيه، ولكن أن تسلِّط القراءة التوراتية على النصوص العربية الجنوبية فهذا يأخذك في متاهات لا نهاية لها. هناك مشكلة حتى الآن هي تاريخ الملوك المذكورة في التوراة، وبالتحديد سليمان الحكيم. عندما أتى الأمريكان في خمسينيات القرن الماضي، كان لديهم فكرة واحدة فقط، وهي إثبات وجود بلقيس، ومن خلاله سيتم بذلك إثبات وجود سليمان. طبعاً اكتشفوا نقوشاً مهمة وآثارا مهمة، ولكنهم لم يحصلوا على دليل صريح على وجود ملكة في ذلك الوقت، أي القرن العاشر قبل الميلاد. الآن كل الاتجاهات والمدارس الأوروبية سواء الفرنسية أم الألمانية أم الايطالية أم الروسية أم حتى الأمريكية تصب في مصب واحد وهو التمييز بين النصوص الدينية والنصوص التاريخية، وكل الاكتشافات الأخيرة تؤكد أن اليمن كانت مهد حضارة عريقة عراقة حضارات الشرق القديم، وأن القراءات التوراتية ناقصة وأنها اليوم انتهت كقراءة تاريخية لأحداث الشرق القديم. المؤرخ بافقيه لعب دوراً كبيراً في إعادة قراءة الاكتشافات لنصوص محرم بلقيس التاريخية التي اكتشفتها البعثة الأمريكية في الخمسينيات من القرن الماضي، وكان له من البداية رؤى واضحة وتاريخية لا تأتي في سياق التعصب لليمن، بل لكونه باحثاً مؤرخا يهتم بكتابة تاريخ اليمن القديم. لقد لفت الأنظار منذ البداية إلى وجود إشكالات في تسلسل تاريخ الممالك العربية الجنوبية، وفي قراءة النصوص، وهو يتقن جيداً قراءة النصوص العربية الجنوبية والنصوص العربية. واليوم فإن إعادة قراءة النصوص العربية والإسلامية من خلال النقوش العربية الجنوبية تعزز إلى حد كبير ما دونه المؤرخون العرب. طبعاً أضافوا قصصاً وأساطير، ولكن الحوادث الأساسية الرئيسية التي سبقت الإسلام بعدة قرون قد أكدتها النقوش وهذا يدل على أنه كان يوجد مدرستان: مدرسة كتابة، ومدرسة شفوية. الهمداني يذكر شخصيات عاشت قبله ما يقارب ألف عام، وهذا مما يؤكد أن ذاكرة الشعوب كانت حية ومازالت كذلك.
> ما هي باعتقادك مساهمة بافقيه الأبرز؟ هل كانت على مستوى المنهج مثلاً؟
– لقد كان منهجه التاريخي مختلفاً على المستوى اليمني والعربي. هناك مؤرخون عرب كبار، مثل فيليب حتّي وجواد علي وعمر كحالة وحسين مروة وعرفان شهيد وآخرين كثر، لكنهم لم يكونوا يتقنون قراءة النصوص العربية الجنوبية بشكل جيد، ولذلك أقول إن بافقيه لعب دوراً كبيراً في تأسيس مدرسة تاريخية عربية حول النصوص القديمة التي كانت محصورة فقط عند المستشرقين، وهذا مهم جداً. اليوم هناك يمنيون يقرؤون النقوش ولديهم رغبة في التعلم، ولكن للأسف أن المؤرخ بافقيه لم يكن لديه طلاب كثيرون ولم يدرِّس أو يعطِ محاضرات بشكل مستمر في الجامعات، وهذا أمر كان سيخلق فرقاً حقيقياً. تتم الاستفادة الآن من الكتب التي أنجزها والتي تعتبر لنا صرحا علميا كبيرا. وهو في السنوات الأخيرة كان متعباً صحياً، ولكن أتمنى اليوم أن تتم الاستفادة من المنهج الذي تركه في مؤلفاته العلمية من قبل الباحثين اليمنيين والعرب.
> هل يمكن التقاط دوافع أو تحيزات وطنية أو قومية عربية في عمل بافقيه البحثي ومساهمته العلمية؟
– كان بافقيه يؤلف قبل وفاته كتاباً عن نشوء (فكرة) التوحيد، في شبه الجزيرة العربية بشكل عام وفي اليمن بشكل خاص، وكانت لديه قراءات عن تاريخ الأديان في الجزيرة العربية تقول بوجود توحيد عربي قبل الإسلام ومختلف عن التوحيد اليهودي أو النصراني. نستنبط من قراءاته هذه أنه يميل لهذا الرأي، وهو ميل طبيعي لا يعني التعصب لليمن، فهذه قراءة خاصة به حول ديانات الممالك العربية الجنوبية وخصوصاً حول الإله “ذو السماء” أي رب السموات. عند التوحيديين هذا الإله (ذو السماء) موجود في اليمن منذ القرن السابع قبل الميلاد، ولا أعتقد شخصياً من خلال النقوش التي بين أيدينا أن هناك توحيدا في اليمن في ذلك الوقت. نعرف أن التوحيد أتى لليمن رسمياً وشعبياً في أواسط القرن الرابع للميلاد وهذا ما تؤكده النقوش والمصادر العربية. بالتأكيد هناك نظرة عربية، في شبه الجزيرة العربية، لعالم الآلهة، مختلفة عن نظرة اليهود أو النصارى، وهي مختلفة أيضاً عن نظرة البابليين والأشوريين. إذن، لا يمكن القول بوجود ميول “وطنية” لبافقيه في هذا المجال. وبرأيي أن المؤرخ بافقيه كان لديه هذه الفكرة التي يمكننا قبولها أو رفضها مع إعطاء الدلائل والبراهين…
> أنت قلت إن من المؤسف أن بافقيه لم يدرس طلاباً، هل يمكن القياس على ذلك والقول إنه لم يخلِّف تأثيراً كافياً على الباحثين والباحثات في مجال التاريخ والآثار في اليمن؟
– نعم، للأسف هو لم يدرِّس، ولكن الباحثين اليمنيين يقرؤون كتبه ويستفيدون منها، وتأثيره قائم من هذه الزاوية. هناك علماء يمنيون وأجانب يعملون على تاريخ اليمن والجزيرة العربية ونقرأ كتبهم التي تلعب دوراً كبيراً فعلياً. مثلا العالم الانجليزي ألفريد يبستون كرس كل حياته العلمية لقراءة وفهم النقوش، وبفضله نقرأ النقوش اليوم، وأنا لم ألتق به في حياته سوى مرة واحدة وهو لم يقم بالتدريس إطلاقا، ولكن أعماله مرجع أساسي في البحث العلمي حول لغة وقواعد النقوش المسندية.
> كيف في تقديرك يمكن الاستفادة من تراث بافقيه، سواء على مستوى الجامعات أو المراكز البحثية، أم على أي مستوى آخر؟
– بداية يجب علينا بذل كل ما يلزم للحفاظ على مكتبة المرحوم بافقيه. وهي مكتبة غنية بكل المصادر والمراجع التي تناولت اليمن، وهذا يجب أن يتم عبر التواصل مع عائلة المرحوم، سواء بإنشاء مكتبة باسمه أم غيره، المهم هو أن نبذل كل جهد للحفاظ عليها وأن تكون في متناول الباحثين والطلاب اليمنيين، ويكون مقرها في جامعة عدن أو المكلا أو غيرهما. المهم على الحكومة اليمنية أن تقوم بأي شيء للحفاظ على مكتبته قبل أن تندثر أو تتبعثر هنا وهناك. العالم البلجيكي جاك ريكمانس بعد وفاته جزء من مكتبته معروضة للبيع، والمكتبة هذه تضم الكثير من الكتب النادرة، وفي بلجيكا ليس هناك من الطلاب الذين يهتمون باليمن، ولكن يفترض أن كل اليمنيين المهتمين بتاريخ اليمن يجب علينا أن نقوم بشيء ونحصل على المكتبة القيمة لليمن. لذلك يجب التواصل مع عائلة المرحوم وصديقه وصديقي الدكتور أحمد باطايع للقيام بإنشاء مركز ومكتبة لبافقيه مثلاً، وتكون في متناول الباحثين، فهذا مهم جداً. طبعاً كتاباه “تاريخ اليمن القديم”، و”توحيد اليمن القديم” المترجم من الفرنسية والذي نشره المعهد الفرنسي للآثار بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، يدرس للطلاب في جامعات صنعاء وعدن وتعز وذمار، خصوصاً بعد ترجمته للعربية ليكون في متناول الباحثين. وللأسف طلاب الدراسات العليا والدكتوراه لا يتقنون أية لغة أجنبية، وهذه كارثة. كيف يعمل مثلا طالب رسالة دكتوراه حول أي موضوع في العلوم الإنسانية والاجتماعية إذا كان لا يعرف ما الذي كتب في موضوعه بالانجليزية أو بالفرنسية أو بالألمانية، وتعلم اللغة الأجنبية سهل جدا في اليمن إن كان في الجامعة أم في المراكز الثقافية الأجنبية. الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه حظي بشهرة عالمية لأنه كان يكتب بالفرنسية ويتكلم الانكليزية، وكان يحاضر ويعرِّف بتاريخ هذه الحضارة بفضل هذه اللغات.
> هل كان سيختلف تأثير بافقيه لو كان مارس مهامه ونشاطه في بلد آخر، غربي أو عربي؟
– اليمنيون والأوروبيون ينسون أنه قبل ثلاثين سنة لم يكن يوجد شيء في اليمن. لم تكن هناك مؤسسات علمية، وكان العلم محصوراً على عائلات علم مثل عائلات الأكوع والإرياني والسقاف والحبشي والمقحفي، وغيرها، هذا العلم القديم والمحصور لم يحل بدله علم حديث بمناهجه وبشكل كامل وبفروعه المعروفة، والمشكلة قائمة حتى الآن، وهذه ليست فقط في اليمن بل في كل العالم العربي، لم يتم إحلال العلم الحديث بمناهجه وبأدواته العلمية وبانفتاحه على العلوم الأخرى محل المدارس القديمة بمناهجها المعروفة. كل هذا يجب ألاَّ من يمنع إنشاء جيل جديد مثقف ومتعلم، وهذا الجيل الجديد ينشأ تدريجيا في مجال الدراسات والبحوث التاريخية. هناك أفراد محدودون مؤهلون ولديهم كل الإمكانيات الفكرية للقيام بالبحث العلمي، وهذا أمر يحتاج إلى مؤسسات وأفراد، ففي فرنسا مثلا هناك علماء كبار يعيشون منعزلين ولا نعرفهم إلا من خلال مقالاتهم، هذه مشكلة العلماء الكبار عادة، وأولئك الذين أنشؤوا مدارس هم قلة، لماذا؟ في مجال الدراسات حول الحضارة المصرية مثلا هناك مدارس ومئات العلماء على مستوى العالم مهتمون بهذه الحضارات، ويجب ألاَّ ننسى أن اليمن حتى الآن ليست معروفة في المحافل الدولية والبحث العلمي مازال في بداياته، ومازلنا في بداية الاكتشافات. أما مصر والعراق وسورية واليونان فالحفريات العلمية والاكتشافات الغزيرة بدأت منذ 200 عام.
> عملت أنت وبافقيه في بعثة يمنية وفرنسية مشتركة منذ التسعينيات من القرن الماضي لمسح النقوش القتبانية، في منطقة بيحان، كيف رأيته في الميدان قياساً به كمؤرخ؟
– بافقيه كباحث وعالم ومؤرخ كان يعمل ميدانياً وبحثياً، وظهر ذلك منذ أن أصدر كتابه الأول حول نقوش موقع العقلة بالقرب من موقع شبوة القديم. وكان لكل شيء بالنسبة له دليل أثري من الواقع، أي أننا نقرأ الآن تاريخاً من خلال الواقع الأثري والواقع النقشي. بافقيه يكتب التاريخ من خلال الوقائع الأثرية والنقشية، وكان بافقيه عالماً في التاريخ اليمني القديم، وحين يكتشف في الموقع نقشاً جديداً يعطيك الإطار التاريخي له، ومن أي فترة وغيره. إن تجربة العمل معه متعة حقيقية. للأسف لم يرافقنا دائما بمواسم المسح الأثري والنقشي بسبب انشغاله المستمر ووضعه الصحي.
> واجهت مجلة “ريدان” صعوبات، وهي تكاد تكون الدورية اليمنية الوحيدة حول الآثار ولم تنتظم في إصدارها، ولعبتم في المعهد الفرنسي دوراً في دعمها. حدثني عن “ريدان” وأهميتها، ولماذا الاحتياج لها؟
– “ريدان” كانت فكرة بافقيه والمرحوم عبدالله محيرز والمرحوم محمود الغول الأردني الأصل، هذا من الجانب العربي، وعلماء أوروبيين مثل المرحوم جاك ريكمانس البلجيكي وبيستون البريطاني والألماني موللر والفرنسي روبان. وكانت الفكرة إعطاء تصور عن الآثار اليمنية من خلال نتائج الحفريات العلمية مباشرة إلى الباحثين الأوروبيين والعرب. كلما تحدث حفريات ومسحا أثريا سنويا يتم نشر نتائجه فوراً بمجلة “ريدان”. إنها مجلة مهتمة بمتابعة نتائج البحث العلمي الأثري في اليمن. طبعاً صدرت أعدادها الأربعة الأولى في بلجيكا، وحظيت باستقبال كبير في المحافل العلمية العربية والدولية، في الأعداد الأولى لقيت نجاحاً كبيراً، وكانت طباعتها جيدة، بعد ذلك طبعاً عاد بافقيه إلى عدن وأسس “مؤسسة ريدان” وصارت هناك صعوبات في الطبع. وطبع العدد الخامس في عدن ضمن الفكرة نفسها. ولم يكن هناك مقالات كثيرة وغنية بالمعلومات الجديدة، وبعدها طبع العدد السادس في فرنسا و”مؤسسة ريدان” كانت قد أغلقت، ولكن أنا كنت في مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي والإسلامي بإكس إن بروفانس- مرسيليا، الذي اشتغل فيه فأبدى استعداده لطباعتها في مرسيليا بالتعاون مع العالم كريستيان روبان صديق المرحوم بافقيه، وأصدر العدد السادس، واضطررنا لطباعة العدد السابع هنا في صنعاء بعد وفاة صاحب مطبعة مرسيليا، وهناك مشاكل كثيرة منها غياب المؤلفين العرب. لا يصح أن يكون هناك مؤلف واحد. غياب الجانب اليمني كان جانباً سلبياً جداً. العدد الثامن أقوم بتحضيره الآن. منذ سنوات أحضره ولكن المشكلة نفسها قائمة، هو جاهز تقريباً. أنا مستعد بالطبع لكتابة مقالة أو اثنتين، ولكن ليس لكتابة كل شيء، وهو سيصدر من المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية بصنعاء بالتعاون مع المركز الوطني للبحث العلمي بباريس. العدد التاسع قررنا أن نعمل مجلة يمنية، أي بالعربي، وتترجم فيها أهم المقالات من اللغات الأوروبية.
> كان بافقيه ذا استقلالية عالية تجاه الأطر الرسمية، رغم تسلمه مواقع حكومية مهمة، لماذا هذا مهم بالنسبة له كباحث ومؤرخ؟
– في الواقع إ‍ن استقلالية الرأي عند المرحوم بافقيه في ذلك الوقت أتت بآثار سلبية عليه وعلى الهيئة العامة للآثار والمتاحف التي كانت تابعة لرئاسة الجمهورية. ولأكون صريحاً معك أيضا فإن أغلب الباحثين وخصوصا المؤرخين مثلي غير قادرين على إدارة مؤسسات، لأنهم بكل صراحة ليس مجالهم إدارة الأعمال، وإدارة المؤسسات علم ومهنة قائمة بذاتها، والمؤرخ بالتأكيد ليس مجاله إدارة الأعمال والمحاسبة وشؤون الموظفين، ويمكنه يوما ما دراسة تاريخ نشوء المؤسسات الحكومية مثلا… وهناك الكثير من المشاكل التي تنشأ. بافقيه حين استلم الهيئة العامة للآثار، كنا سعيدين بذلك لأنه عالم كبير ومتفهم وحريص على التراث الحضاري اليمني، ولكنه في الوقت نفسه كان سياسياً وذا استقلالية بالرأي ومن خلال لقاءاتي معه وكيف يدير الأمور، وفيما يتعلق بالهيئة كمؤسسة مسؤولة عن الآثار في اليمن ومسؤولة على تأهيل كوادر أيضاً، فالأمر لم يكن سوى عمل إداري روتيني يطغى على فكرة حماية الآثار ودراستها، وهذا أدى إلى نتائج سلبية على بافقيه وعلى المؤسسة، خصوصاً أن هناك الكثير من المشاكل الإدارية والروتينية ذات الخصوصية في اليمن. لقد كانت تجربة بافقيه في الهيئة تجربة سيئة سببت إحباطاً له وقرحة المعدة… كباحث ومؤرخ لو كنت مكانه كنت سأصاب بأكثر من الإحباط أيضاً، وحتى من غير أن أكون رئيس هيئة هناك إحباط في إدارة آثار حضارة اليمن والأمر ليس بالسهل، فالهيئة تتطلب إمكانيات مادية وسياسية وإدارية لكي تقوم بدورها الموكل إليها وهذا لا يتم بين ليلة وضحاها…
> ماذا تريد أن تضيف عن بافقيه؟
– العالم والمؤرخ محمد عبدالقادر بافقيه رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، توفي، ولكن أعماله باقية سيستفيد منها طلاب العلم والمعرفة، ونحن ندين له بالكثير وأنا بشكل خاص كباحث ومؤرخ وصديق له ولعائلته، لما قدمه للمكتبة اليمنية وللدراسات التاريخية لحضارة ممالك اليمن وللبحث العلمي.
 
***

تحدث عن أدواره والابعاد الثرية في شخصيته
عبدالعزيز بن عقيل: أسس في غرفة متحف المكلا،
وسعى مع محيرز لضم شبام إلى التراث العالمي

«كان تربوياً من الطراز الأول»، قال لـ«النداء» عبدالعزيز بن عقيل، الباحث المتخصص في مجال الانثروبولوجيا والآثار.
وهو يرى أن «ريادة بافقيه في مجال التربية والتعليم تم إغفالها»، منبهاً إلى أن تجربته الرائدة في مجال التعليم في حضرموت لم تدرس، وبالتالي فإن الرجل لم يُعطَ حقه في هذا البعد.
«كان صحفياً قديراً»، أضاف بن عقيل، لافتاً إلى براعة بافقيه في مجال الصحافة والكتابة الصحفية خصوصاً. ومعلوم أن بافقيه كتب باسم «سندباد على الورق» سلسلة مقالات شائقة في صحيفتي «الرائد»، و«الرأي العام» الحضرميتين في النصف الأول من الستينيات. وقد صدرت مقالاته في كتاب «صاروخ إلى القرن العشرين: كتاب صحفية من حضرموت 1960- 1965». وفيه يتجلى بافقيه نقاداً نافذاً للظواهر الاجتماعية، وساخراً لا يبارى، خصوصاً وهو يعرِّض بأنصاف المثقفين، والمحافظين الذين تذعرهم القيم العصرية ويقلقهم مجرد التفكير بإنشاء سينما أهلية.
«من الظلم أن يُحصر في مجال علمي ضيق»، تابع عبدالعزيز بن عقيل، مشيراً إلى قدرات بافقيه الادارية خلال مسيرته الحافلة بالانجازات.
وفي الستينيات أسس متحفاً في مدينة المكلا ضم نماذج من نقوش ومخربشات وفخار وأنصاب ومذابح وآنيات تعود إلى ما قبل الإسلام، وبعضها إلى مملكة حضرموت القديمة.
«معظم هذه اللقى إن لم يكن جلها سطحي، أي التقطت من السطح ولم تكن نتيجة حفر». ويوضح بن عقيل -الذي التقته «النداء» في منزله بمدينة المكلا- الجهد الذي بذله المؤرخ الاستثنائي من أجل إقامة أول متحف في حضرموت: «كان البدو يأتون بها من مناطق شبوة القديمة عاصمة حضرموت القديمة ومن الوادي والهضبة الجنوبية لقاء مكافآت رمزية كان يعطيهم إياها».
يستطرد: «كذلك نشأ المتحف بعد إضافة نماذج من مصنوعات شعبية. وفي غرفة تابعة للتربية والتعليم تم افتتاح المتحف الذي صار نواة وأساس متحف المكلا الحالي».
«كان قامة علمية عالمية في علم النقوش والآثار»، يقطع بن عقيل، قبل أن يردف: «بافقيه مرجعية لازمة لكل راغب في دراسة النقوش اليمنية القديمة وتاريخ اليمن قبل الإسلام». ويزيد قائلاً: «بما أن علم النقوش وآثار اليمن القديمة ذو مواضيع عويصة، فإن هذا الاختصاص يكاد يغيب عن معظم مثقفي اليمن، ولذلك فإنه (بافقيه) ليس بالعالم ذي الشعبية الواسعة في أوساط المثقفين بحكم تخصصه الدقيق».
وعن منهجية بافقيه العلمية في كتابة التاريخ يقول الدكتور عبدالعزيز بن عقيل: “ظل تاريخ اليمن القديم ردحاً من الزمن في إطار مدرستين: مدرسة أوروبية حديثة كانت تعد النقوش المصدر شبه الوحيد (باستثناء معطيات الآثار وما ذكره المؤلفون اليونان والرومان وكتاب التوراة) بالنسبة لدارسي النقوش الأوروبيين وكانوا يعتبرون المؤلفات العربية وكتب الأنساب التي تعود إلى المؤلفين العرب والمسلمين بأنها أسطورية وإخبارية وعديمة الفائدة، وبعضاً من هذا يعود سببه لجهلهم بالمؤلفات العربية نفسها.
أما المدرسة الثانية فهي مدرسة المؤرخين العرب التقليديين الذين كانوا يوردون ما كتب في المؤلفات العربية عن اليمن فيما قبل الإسلام وكأنها هي التاريخ دون أن يُعملوا النقد للجوانب الأسطورية والخرافية وغير المعقولة في هذه المعلومات.
أما الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه فقد استطاع، بمنهجيته العلمية الحديثة وتمكنه من قراءة النقوش اليمنية وتحليلها وتمكنه أيضاً من التراث اليمني والعربي والإسلامي، استكمال المعلومات التي لم تفصل فيها النقوش بالمعلومات التي ذكرتها المصادر آنفة الذكر بعد إخضاعها للنقد والتحليل أيضاً والنظر إليها من عدة زوايا لإخراج بذرة الحقيقة التاريخية منها. وهنا تتجلى المنهجية العلمية الخلاقة للدكتور محمد عبدالقادر بافقيه، التي ساهمت في جعل المختصين الأوروبيين في النقوش في القرن العشرين يخجلون من أنفسهم أن لم يجيدوا اللغة العربية ليقرؤوا بها المؤلفات الإسلامية كمؤلفات الهمداني وكتب الأنساب وغيرها للاستفادة منها إضافة إلى النقوش. وفي هذا المجال يقف العالم الأستاذ الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه رحمه الله علامة فارقة.
ويشير بن عقيل إلى أن الأستاذ الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه كان له دور كبير مع المرحوم الأستاذ عبدالله محيرز في ضم مدينة شبام حضرموت التاريخية إلى قائمة مدن التراث العالمي حيث بذل قصارى جهده في تحقيق الحلم الذي كان قد بدأه الأستاذ عبدالله محيرز في ضم مدينة شبام لقائمة مدن التراث وهو ما سعى إليه بافقيه.
ويذكر الدكتور عبدالعزيز بن عقيل أن الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه رحمه الله كان قد أوصى قبيل وفاته بأن تكون مكتبته الخاصة، بما تضمنته من أبحاث علمية ومذكرات خاصة، للقراءة العامة في مدينة المكلا، شريطة أن يخصص لها مكان في المدينة ويقوم على هذه المكتبة موظفون لتيسير الخدمات للباحثين. وللأسف فإنه حتى الآن لم تنفذ هذه الوصية حسب رغبة المرحوم، وما زالت مكتبته في مدينة عدن رغم إلحاح أبنائه الغيورين على ذلك. فحتى الآن لم تخصص الدولة مكاناً مهيئاً لنقل المكتبة، ولا موظفين اثنين للعناية بها. وبهذا الصدد نطالب -تكريماً للعالم الراحل- أن تنفذ وصيته، وهي على كل حال وصية خيرة لمصلحة الثقافة والاهتمام بتاريخ البلد، وهو لا يطلب شيئاً، وإنما يعطي خبرات عمره وسني شبابه وكهولته، فهل من مجيب؟!
 

***
 

الفقيد بافقيه والبعد السادس في حياته العلمية والعملية*
 
أ. د. صالح علي باصرة
 
يعرف الكل أن فقيد الوطن والثقافة اليمنية والعربية الاستاذ الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه قد تميز في حياته العملية والعلمية والثقافية في المجالات التالية:
1 – الإدارة التربوية:
فهو قد شغل مهمة نائب ناظر المعارف في السلطنة القعيطية في م/ حضرموت قبل الاستقلال، ثم ناظراً للمعارف وفي نفس السلطنة، ثم وزيراً للتربية والتعليم في أول حكومة وطنية بعد الجلاء البريطاني وإعلان استقلال جنوب الوطن.
2 – العمل الدبلوماسي:
وقد شغل في حياته أكثر من منصب دبلوماسي، ومنها سفير حكومة جنوب اليمن في القاهرة وممثلها في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وسفير جنوب اليمن لدى الجمهورية الفرنسية وممثلها لدى منظمة اليونسكو.
3 – كتابة التاريخ:
وعلى وجه الخصوص التاريخ القديم، وله في هذا المجال أكثر من كتاب أو دراسة، ومنها كتابه المشهور والمعروف وهو «تاريخ اليمن القديم»، وكتابه «العربية السعيدة» الجزء الأول والثاني.
4 – الكتابة والبحث في مجال الآثار والنقوش: وله في هذا المجال أكثر من عمل منها:
– آثار ونقوش العقلة.
– المستشرقون وآثار اليمن.
– تأسيس حولية ريدان، وهي حولية سنوية تهتم بالدراسات الأثرية وترجمة وتفسير النقوش اليمنية.
– تأسيس متحف المكلا للتاريخ والآثار.
– ندوة الحضارة اليمنية عام 1975 والندوة الثانية عام 1989. والجزء الأكبر في أعمال الندوتين تمحور حول آثار ونقوش اليمن وفي عدة جوانب منها: البحث عن الآثار والنقوش اليمنية غير المكتشفة، إعادة دراسة الآثار والنقوش المكتشفة، السعي لإعداد معجم للنقوش اليمنية، وإعادة تنظيم المتاحف اليمنية.
5 – الكتابة الصحفية:
فقد كان الفقيد صحفياً من الطراز الأول وكتب الكثير من المقالات في الصحف الصادرة في المكلا وعدن قبل الاستقلال وكذا في بعض الصحف السودانية أثناء دراسته هناك، وخاض معارك صحفية وأشهرها معركته الصحفية مع الفقيد المؤرخ بامطرف وعلى صفحات صحيفة «الرائد»، وكان بامطرف يخوض معركته مع بافقيه من على صفحات «الطليعة».
لقد قدم الفقيد بافقيه نفسه لمثقفي وطنه وللمهتمين على المستوى العربي والعالم من خلال نشاطاته وتراثه المكتوب في المجالات الخمسة السالفة الذكر. وقدم بافقيه ومن خلالها أيضاً وطنه، والعِلم الذي لا وطن له وخاصة علوم التربية والتاريخ والآثار والنقوش.
ونحن في هذه الورقة المتواضعة حول الفقيد بافقيه وتراثه العملي والعلمي سوف نبتعد عن المجالات الخمسة التي ستكون مجال اهتمام وبحث مجموعة من الكتاب والباحثين، وسوف نركز على مجال جديد سادس ترك فيه بافقيه بصمات واضحة ولكن ربما يكون الإلمام بها أو معرفتها محدودة، وهذا المجال هو مجال تأسيس وقيادة المنظمات النقابية والثقافية غير الحكومية. ولقد بدأ الفقيد بافقيه نشاطه في هذا المجال في وقت مبكر من حياته، ثم نمت وتطورت لاحقاً أثناء وبعد دراسته في السودان وفرنسا. وسوف نقدم في السطور التالية أربعة نماذج لنشاط الفقيد بافقيه في مجال تأسيس وقيادة المنظمات الجماهيرية والثقافية غير الحكومية.
 
1 – النموذج الأول:
تأسيس وقيادة جمعية اتحاد التلاميذ في عام 1940
أسس الفقيد بافقيه في المكلا، وهو (كان) مايزال تلميذاً صغيراً جمعية للتلاميذ تحت اسم «جمعية اتحاد التلاميذ الأدبية». وتميز هذا الاتحاد بأنه لم يكن نادياً يخص مدرسة معينة بل كان اتحاداً لكل تلاميذ مدارس المكلا وقد أراد له مؤسسوه أن يصبح نواة لاتحاد طلابي لكل مدارس المنطقة يولد تحت ستار النشاط الأدبي.
وجاء في وثيقة تأسيس الاتحاد في سنة 1935 الموافق 1940، ولدى الكاتب نسخة منها حصل عليها من الفقيد بافقيه، ما يلي: «أما بعد نقول نحن الواضعين أسماءنا أدناه: نلتزم لجمعية اتحاد التلاميذ الأدبية التي نحن أفرادها بالطاعة في كل ما تأمر به الجمعية وأيضاً أن لا نقلَّ الأدب في مقر الجمعية ولا يمكن لأحد منا أن يحمل لأخيه شيئاً من البغض والحسد بل ويلزمنا أن نكون أخوة مخلصين لبعضنا البعض وإننا راضون بهذه الجمعية ولا نتأخر عن مواعيد الحضور المقررة في البرنامج». وكان من أبرز مؤسسي «جمعية اتحاد التلاميذ» بعد بافقيه كلُّ من: علي محفوظ بامحفوظ، سالم باداود عمر بن سهيلان، سيف بن علي البوعلي، عبدالقادر باحشوان، وطاهر محمد بازنبور. واستأجر أعضاء الاتحاد غرفة في أحد منازل المكلا القديمة لتكون مقراً للاتحاد وفي تلك الغرفة أقامت الجمعية حفلاً خطابياً بمناسبة التأسيس وافتتاح المقر وذلك يوم ١2/2/1941 وحضر هذا الحفل الكثير من شيوخ المكلا ورجال التربية ورجال الاعمال وسجل بعضهم كلمات ثناء وتقدير للجمعية ومع الأمل بأن يكون لها نشاط مفيد للتلاميذ وللوطن.
وبرغم الهوية الثقافية لـ«لجمعية اتحاد التلاميذ» وبساطة تكوينها وصغر سن أعضائها فقد قامت السلطة في حضرموت بعد أشهر معدودة من افتتاح الاتحاد بإصدار أمر كتابي وقعه ناظر المعارف آنذاك الشيخ القدال باشا، وقضى الامر بحل الاتحاد وإغلاق مقره، وقدمت السلطة مبرراً واهياً لقراره وقد قدم هذا المبرر في اللقاء الذي عقده ناظر المعارف مع قيادة الاتحاد، فقد قال ناظر المعارف إن «سبب الحل هو من أجل تلافي حدوث صراعات بين التلاميذ لأن مجموعة من التلاميذ المعارضين للاتحاد تقدمت بطلب تأسيس اتحاد جديد لهم».
وأسس بافقيه وبعض أعضاء قيادة الاتحاد السابق إطاراً جديداً لنشاطهم الثقافي وأسموه «ندوة امرئ القيس» وتم اختيار هذا الاسم لاعتقادهم بأن كلمة «الاتحاد» أو «الجمعية» تثير الريبة والخوف لدى السلطات الحاكمة آنذاك، غير أن هذا الاعتقاد تلاشى بسرعة لأن السلطة الحاكمة آنذاك أصدرت قراراً آخر تم بموجبه حل الندوة (لمعرفة المزيد من التفاصيل حول الموضوع يتم الرجوع إلى كتاب صالح علي باصرة: دراسات في تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر، الدارسة رقم (7) لمحات موجزة من تاريخ نشوء وتطور حركة التلاميذ والطلاب في حضرموت، ص 161 إلى 178، دار المسيرة للطباعة والنشر، عمان 2001).

2 – النموذج الثاني:
اتحاد بعثات جنوب الجزيرة العربية
بعث الفقيد محمد عبدالقادر بافقيه إلى السودان للدراسة الثانوية ثم الجامعية. وهناك باشر الفقيد تنفيذ اهتماماته وأنشطته المتعددة إلى جانب الدراسة، ومنها الكتابة الصحفية المساهمة في تأسيس الجمعيات والاتحادات والمنتديات الطلابية. ففي منتصف عام 1946 كان الفقيد محمد عبدالقادر بافقيه من بين مؤسسي ما سمي باسم «اتحاد بعثات جنوب الجزيرة العربية» وقد نشرت جريدة «فتاة الجزيرة» في عددها المزدوج (324، 325) الصادر في 9/6/1946، بيان تأسيس الاتحاد والذي جاء فيه: «إلى جميع أبناء وطننا العزيز نزف هذه البشرى السعيدة بشرى إنشاء اتحاد قوي متين بين طلبة بعثات جنوب الجزيرة العربية في السودان من عدنيين ومحميين وحضرميين الذين أصبح عددهم ما يزيد عن ثلاثين طالباً تغربوا عن أوطانهم لطلب العلم ليعودوا إليها مثقفين متنورين بتلك الفوائد التي استطاعوا جنيها من العلوم المختلفة والثقافة العالية أثناء دراستهم». وأشارت وثيقة تأسيس الإتحاد إلى أهدافه، ومنها:
– المؤالفة والمؤازرة بين جميع الأعضاء.
– المطالبة بحقوق البعثات.
– الدعاية للوطن في الخارج وخدمة الوطن أثناء العطلات الصيفية وعن طريق أكثر من أسلوب.
– الاتصال ببعثات جنوب الجزيرة في الأقطار الأخرى لتبادل الرأي والاستعداد للحياة العملية المفيدة للوطن.
وتكونت هيئة اتحاد بعثات جنوب الجزيرة العربية من ستة أعضاء هم:
1 – عبدالله علي الجفري رئيساً
2 – قحطان محمد الشعبي سكرتيراً
3 – علي قاسم كليب أميناً للصندوق
4 – لطفي جعفر أمان عضواً
5 – محمد عبدالقادر بافقيه عضواً
6 – أحمد علي سعد عضواً
(انظر تفاصيل هذا النموذج في دراسة للأخ محمد سعيد مديحج، مناقب من حياة محمد عبدالقادر بافقيه، المركز الثقافي للانشطة التربوية والتنموية، غيل باوزير، 2002).
 
3 – النموذج الثالث:
النادي الثقافي في المكلا»
بلور الفقيد محمد عبدالقادر بافقيه فكرة تأسيس ناد ثقافي في المكلا يقوم بأنشطة ثقافية وتعليمية واجتماعية عديدة وتبدأ نواة النادي في المكلا ثم يتوسع خارج المكلا من خلال تأسيس فروع له في أكثر من مدينة. وتمكن بافقيه من إقناع بعض شباب جيله من الخريجين بالمشروع فتحمسوا له وتمكن بافقيه وصحبه من الحصول على ترخيص بتأسيس النادي من الحكومة القعيطية وتم افتتاح النادي رسمياً في 8 فبراير 1957 وتحت اسم «النادي الثقافي بالمكلا». كما تم استئجار مقر له في مبنى قرب إدارة الجمارك في حي «البلاد» أقدم أحياء المكلا.
وبعد يوم من الافتتاح عقد المؤسسون اجتماعاً لهم في مدينة «غيل باوزير» القريبة من المكلا يوم الجمعة الموافق 9/2/1957، وتم في الاجتماع صياغة دستور للنادي مكون من ثماني مواد وحددت المادة الثالثة من دستور النادي هدف إنشاء النادي بجملة قصيرة جداً ولكنها كانت ذات دلالة وقيمة كبيرة في ذلك الحين، ونص العبارة هو: «تهيئة جو ملائم لنشر وتنمية الثقافة».
وترأس بافقيه الهيئة الإدارية للنادي. ونظمت الهيئة الإدارية أنشطة ثقافية وتربوية كثيرة منها:
– عدد من المحاضرات السياسية حول فلسطين وثورة يوليو وثورة الجزائر.
– ندوة ثقافية عن كفاح بعض شعوب العالم وأخرى حول حياة الصيادين.
– عرض مسرحية في فبراير 1958 بعنوان «آلام جحا» للكاتب محمد فريد أبو حديد.
– الاتصال بعدد من المسؤولين في وزارات التربية في مصر وسوريا والعراق والكويت لتوفير مقاعد دراسية جامعية وثانوية لبعض طلاب حضرموت.
وفي فبراير 1958 احتفل النادي بالذكرى الأولى لتأسيسه. وفي يومي 7 و8 أبريل 1958 عقد النادي مؤتمره الأول وشكل في يومه الأول ثماني لجان متخصصة لمناقشة التقرير المقدم إلى المؤتمر وتقديم المقترحات لتطوير وتوسيع أنشطة النادي.
لقد بلغ عدد أعضاء النادي في عامه الأول حسب تقرير لجنة العضوية حوالي 228 منهم 182عضواً عاملاً و46 عضواً منتسباً. وقدمت اللجان الكثير من المقترحات لتطوير النادي. ويمكن القول أن مقترحات التطوير كادت أن تحوله إلى تنظيم سياسي وتعليمي وثقافي واجتماعي.
وقبل أن يتحول النادي إلى تنظيم قررت السلطة القعيطية وإدارة المستشار البريطاني في المكلا إغلاق النادي. ففي 22 إبريل 1958 أي بعد أقل من أسبوعين من انعقاد مؤتمره الأول صدر الأمر السلطاني بحل النادي الثقافي في المكلا وإغلاق مقره ومصادرة ممتلكاته. وتم تنفيذ الأمر بأسلوب عسكري وكأن النادي منظمة سياسية خطرة. وأصدر وزير السلطنة بياناً علق على جدران منازل مدينة المكلا وتضمن مبرر حل وإغلاق النادي الثقافي وجاء في البيان ما يلي: «إن النادي الثقافي قد انتهج نهجاً سياسياً منذ اليوم الأول لافتتاحه وبدأ في الأسابيع الأخيرة يتدخل في السياسة العامة للدولة وحرصاً على سلامة الشعب أمر السلطان عوض بن صالح القعيطي بإغلاقه». (للحصول على تفاصيل أكثر حول الموضوع انظر: صالح علي باصرة، دراسات في تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر، الدراسة رقم (9)، قصة تأسيس ونشاط وإغلاق النادي الثقافي في المكلا، 8 فبراير 1957 – 22 أبريل 1958، دار المسيرة، عمان 2001 من ص171 إلى ص 190).

4 – النموذج الرابع:
مؤسسة ريدان للدراسات الأثرية والنقشية
خلال فترة عمل الفقيد في باريس كسفير لجنوب اليمن ثم ممثلاً للجنوب في منظمة اليونسكو اهتم بمشروع تأسيس رابطة للدراسات الأثرية وإصدار حولية تعنى بالآثار والنقوش اليمنية. ففي عام 1975 عمل بافقيه وبالتعاون مع حكومة جنوب اليمن سابقاً على عقد مؤتمر دولي سمي بـ«ندوة الحضارة اليمنية»، وشارك فيه الكثير من كبار العلماء اليمنيين والعرب والاجانب المهتمين بنقوش وآثار الحضارة اليمنية، أمثال: محمود الغول، وريكمانز، بيستون، مولر، بيرن، بيتروفسكي، عبدالله البجرة، يوسف محمد عبدالله، محمد عبدالقادر بافقيه، وآخرون. وخرج المؤتمر بعدة توصيات، منها:
– إعداد معجم سبئي.
– إصدار حولية.
– تأسيس مؤسسة تهتم بالنقوش والآثار اليمنية.
وبعد انعقاد الندوة تم ضم إدارة الآثار والمتاحف للمركز اليمني للأبحاث الثقافية ليكون «المركز اليمني للأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف». وسعى بافقيه إلى الحصول على دعم مالي من أكثر من جهة لإصدار الحولية التي سميت «ريدان» على أن يتم إصدارها باسم المركز اليمني للابحاث الثقافية والآثار والمتاحف وصدر العدد الأول عام 1978، ورأس تحرير الحولية محمود الغول وشغل بافقيه مساعد رئيس التحرير في حين شغل الفقيد عبدالله محيرز -كمدير للمركز- منصب مدير التحرير واستمرت «ريدان» حتى عام 1981، ثم توقفت بعد ذلك لأسباب كثيرة أبرزها عدم توفر التمويل المالي. وخلال توقف حولية «ريدان» توفي الاستاذ محمد الغول وعادت «ريدان» للصدور في عام 1988، وتحمل الفقيد بافقيه رئاسة تحريرها.
وظل بافقيه يعمل من أجل تأسيس مؤسسة غير حكومية تهتم بالآثار والنقوش، وساعده على تحقيق هذه الأمنية انتهاء فترة عمله في باريس وعودته إلى عدن في نهاية الثمانينات. وكون في عام 198 الرابطة اليمنية للدراسات الأثرية والنقشية، ووجدت الرابطة الدعم من الدولة في الجنوب سابقاً وعلى وجه الخصوص من وزارة الثقافة والإعلام. وقامت الرابطة بتنظيم ندوة دولية بعنوان «ندوة الدراسات اليمنية» في عدن خلال الفترة من 1 إلى 4 فبراير 1989، وحضر الندوة الكثير من العلماء والباحثين في مجالي الآثار والتاريخ من اليمن والخارج.
وأصبح للرابطة مقر في الشارع الرئيسي في المعلا بعدن. وزاول الفقيد من خلال الرابطة نشاطه العلمي الأثري. وبعد الوحدة المباركة عادت حولية «ريدان» للصدور وباسم الرابطة التي تغير اسمها من «الرابطة اليمنية للدراسات الأثرية» إلى «مؤسسة ريدان للدراسات الأثرية والنقشية». وأصدرت المؤسسة العدد السادس من الحولية (ريدان) التي توقف صدورها منذ العدد الخامس عام 1988 وحتى عام 1994 أي عام صدور العدد السادس. وفي عام 2001 صدر العدد السابع من «ريدان» وكتب الفقيد بافقيه مقدمة لهذا العدد من الحولية تحدث فيها عن قصة صدور حولية «ريدان» وتأسيس الرابطة ثم مؤسسة «ريدان» والصعوبات التي واجهتها الحولية والرابطة ثم المؤسسة قبل الوحدة وبعدها وتعرض مقر المؤسسة ريدان للنهب أثناء حرب صيف عام 19٩4، وهذه المقدمة ربما كانت بمثابة إعلان لنهاية مؤسسة «ريدان» وخاتمة الحياة العلمية والعملية للفقيد بافقيه (انظر: حولية ريدان، العدد السابع 20٠1، المقدمة ص 6 إلى ص9 باريس 2001).

وأخيراً:
ملاحظات واستنتاجات ختامية:
1 – لقد ظهرت المهارات القيادية للفقيد محمد عبدالقادر بافقيه في مجال العمل النقابي بشكل مبكر، منذ عام 1941، وهو تلميذ في المرحلة المتوسطة، وتطورت هذه المهارات بحسب النمو التعليمي والثقافي للفقيد بافقيه.
2 – ربما كان الفقيد لا يحب الانتماء الحزبي ولذا فضل التعبير عن وجهة نظره تجاه قضايا المجتمع عبر الاتحادات والاندية والجمعيات غير الحكومية. ولكن الكل يؤكد أن كتابات بافقيه الاجتماعية والسياسية الصحفية أوضحت اقترابه من الناصرية كفكر بدون أي انتماء حزبي.
3 – يوجه البعض النقد للفقيد بافقيه. ومحور هذا النقد أنه حين وصل إلى السلطة تعامل مع الاتحادات الطلابية والمنظمات غير الحكومية كسلطة وليس كرجل اكتوى بنار السلطة المعادية لأي نشاط معارض، وهذا لاحظه البعض أثناء شغله لمنصب ناظر المعارف في حضرموت قبل الاستقلال وأثناء شغله منصب أول وزير للتريبة والتعليم في أول حكومة وطنية بعد الاستقلال، حيث اصطدم بافقيه مع اتحاد الطلاب الحضارم ثم مع الاتحاد الوطني لطلاب اليمن. ولعل بيانات الاتحاد الوطني واحداث 68، في ثانوية الشعب تؤكد حدوث مثل هذا الاصطدام، ولكن البعض يرى أن سبب الاصطدام هو اختلاف نظرته للمشاكل وهو مسؤول عن تعامله مع المشكلة وهو خارج دائرة صنع القرار.
4 – يظل الفقيد بافقيه شخصية متعددة المهارات وصاحب معرفة واسعة في مجال تخصصه وصاحب مهارة صحفية ومهارة قيادية في المنظمات غير الحكومية وفي كراسي السلطة. ولكن المهم أنه موسوعي المعرفة والأنشطة وصاحب وجهة نظر آذا أمن بها يظل يدافع عنها وحتى ولو خسر منصبه بسبب هذا الموقف.
ونسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد بافقيه بواسع رحمته وأن يجعل تراثه المكتوب وغير المكتوب مادة تنتفع بها الاجيال اللاحقة وخاصة وأن جوهر كل أعماله الإيمان بالعروبة والإسلام كوجهين لعملة واحدة وأن وحدتهما وتكاملهما اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعلمياً هو السلاح الذي لا سلاح غيره لمجابهة التحديات التي تواجه الأمة العربية والاسلامية. لقد كان يبحث في وحدة تاريخ الجزيرة العربية كنواة للوحدة العربية الاسلامية.
 
* ورقة عمل مقدمة لحلقة نقاش حول بافقيه نظمتها كلية الاداب بجامعة عدن
 

***
 
 
لم يندم على شيء من خياراته أو يحزن عليها
شيخ بافقيه عن والده: مرضُ المال منع والدي من إكمال المشوار
قيادي في حضرموت اقتحم منزلنا، وخرجت من مكتب باجمال عازماً على عدم العودة
 
عدن – كفى شاهلي
 
شيخ بافقيه أحد أبناء المؤرخ المعروف الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه رحمه الله، رجل شغوف بالأرقام أكثر من لغه الحرف والنقش والوصول إليه ليس بالأمر السهل.
حدثت نفسي كثيراً قبل مقابلته: ترى هل أستطيع أن أحصل على الوقت وأجري المقابلة معه؟! فالرجل يقضي جل وقته في العمل وهذه هي جزئية مهمة من حياة والده المرحوم بافقيه كذلك؛ فهذا الشبل من ذاك الأسد! وكل من يعرفه في شركة مصفاة عدن حيث يعمل مديرا لقسم التوظيف، يقول: هذا الرجل يقدس عمله”.
والجميع يكرر على مسمعي أنه رجل لا يعرف التهاون في الأداء ولم يخذلني القدر بتجربة معه فالرجل جعلني في الانتظار ما يزيد عن أربع ساعات بسبب ضغط العمل في الموعد الأول معه ولا خيار لديَّ سوى الانتظار فالعمل يسرقه حتى الرابعة عصرا من كل يوم.
لم ير شيخ والده إلا كما وضع نفسه بينهم وفي أعينهم مربيا أدرك معنى العلم ومؤمن بالقناعة والخيارات لم يتدخل قط في ميولهم واختياراتهم التعليمية أو الأفكار التى تبنوها وكانوا مؤمنين بها. قال شيخ: “كل منا خط لنفسه طريقا يختلف عن خط والدنا فأنا مثلاً درست التجارة – إحصاء وإدارة أعمال في دولة الكويت، تتلمذت هناك منذ الثانوية لم أجد والدي إلا داعما وكنت أشارك في مظاهرات أيام القومية ولم يمنعني لأنه علمنا احترام الخيارات وعلمني وأخوتي الاعتماد على الذات وشق طريقنا بأيدينا حتى لا نعوز أحدا ولم يكن أي منا قد تأثر بخيارات الوالد وسلك نفس توجهه. كان يعطينا الحرية ويحملنا مسؤوليتها”.
عائلة الدكتور محمد بافقيه فرع من أسرة آل عيديد التي تمتد جذورها إلى العلامة محمد عمر بافقيه صاحب “تاريخ الشحروأخبارالقرن العاشر” تميز أبناؤها بحب العلم. وحين فتح بافقيه عينيه على الدنيا في السادس عشر من أغسطس 1928 وجد نفسه في كنف عائلته بالشحر إحدى مدن السلطنة القعيطيه بمحافظة حضرموت.
بدأت مسيرته في التعلم منطلقاً من حفظ المصحف في السادسة من عمره وجالس أهل الثقافة حين كان والده وعمه يتصدران تلك مجالس الأدبية آنذاك، رحلة في التعلم انطلقت من الشحر وفي 1940 رحلت العائلة إلى مدينة المكلا وهناك التحق بالمدرسة الوسطى التى افتتحت 1944.
كان بافقيه من الدفعه الأولى، بل ومن أوائل مبعوثيها الى السودان 1945 لدراسة الثانوية العامة في ثانوية “حنتوبـ” تلتها الدراسة الجامعية في جامعة “جوردن” المعروفة بجامعة الخرطوم حالياً.
يقول شيخ عن والده: “علاقتنا بالوالد كانت تقوم على الحب والاحترام أكثر من أي شيء وكان مربيا صارما لا يتهاون في الخطأ الذي لا يقع في إطار الخيار والفكر والمبدأ والقيم وكان يتخذ مبدأ الثواب والعقاب الذي قد يصل حد الضرب، ولمَ لا إذا كان الأمر يستدعي ذلك! لكنه نجح في جعلنا والحمد لله ناجحين في حياتنا وأعمالنا ونحترم خيارات الآخرين كما علمنا ذلكـ”.
رحلة بافقيه انطلقت منذ الأربعينيات حين نشط في إصدار مجلة “المدرسة الوسطى” الحائطية مع زميله الألمعي فرج باظافري، وهي المدرسة عينها التى تعاقب عليها جنب للبعثة السودانية محمد بافقيه وصديقه فيصل بن شملان وفرج بن غانم وغيرهم.
لم يتوقف عند هذه النشرة، ففي السودان نشرت له مجلة “السودان الجديد” قصة “الدقة بالدقة” واستمر بالتواصل مع الصحافة حتى التسعينيات ويذكر أنه صاحب فكرة إصدار صحيفة “الرأي العام” حين تقدم بالفكرة كمقترح على هيئة “النادي الثقافي”، وكتب لها أن ترى النور في 1963 من “دار حضرموت” للطباعة وكان أحد المساهمين فيها وعلى خطى الطريق الصحفي سارت ابنته الكبيرة التى قررت أن تدرس الإعلام في القاهرة وانتقلت لاكمال الدراسة في الجزائر إلا أنها لم تتمكن وعادت لتعمل في الحقل الصحفي مع صحيفة “14 اكتوبر” حتى الثمانينيات.
كان بافقيه قد تزوج من إحدى بنات “آل هارون “وأنجب منها خمسة، لم يكن أي من شيخ أو إخوته الأربعة يقتربون من عالم والدهم عندما كانوا صغار “كنا نقدس معلمينا ونهابهم هكذا تعلمنا على يد الوالد ولا نتدخل في عمله أو نحاول الاطلاع”.
ولم يدركوا من هو أكثر الناس قربا منه بعد الوالد في مرحلة الطفولة خاصة وهم يعيشون في ترحال لطلب العلم كما كان والدهم نفسه كثير الانشغال منهمكا في طلب العلم حد دراسته اللغة الفرنسية للاستفادة من المراجع الفرنسية في إعداد كتابه “تاريخ اليمن القديم”.
يصف شيخ شغف والده قائلاً: “كان والدي يحب الآثار والنقوش ويغامر كثيرا وأتذكر حين ذهب الى العقلة وهبطت السيارة في موقع تل وتعب حينها لكنه كان مستمتعاً بكل ذلكـ”.
في 1964 أصبح بافقيه ناظراً للمعارف ويحسب له إنشاء متحف المكلا 1966 وانتقل إلى العمل الدبلوماسي كسفير لليمن الديمقراطية في لندن وفي نهاية 1969 كان قد عاد إلى القاهرة ونقل أبناؤه إليها للدراسة باستثناء شيخ الذي بقي في الكويت ترك بافقيه السفارة في السبعينيات عندما طلب تفرق لإعداد كتابه “تاريخ اليمن القديم” وتمت الموافقة على طلبه.
 قال شيخ: “حين درس والدي اللغة الفرنسية لإعداد كتابه أصبح بعدها سفير البلد لدى فرنسا ومندوبا لليمن الديمقراطية في منظمة اليونسكو وفي الثمانينيات ترك السفارة وظل يعمل كمستشار تربوي مع اليونسكو في الإمارات، كانت معه إحد ابنتيه التي درست في فرنسا ثم نقلها الى الإمارات لتنهي دراستها الجامعيه هناكـ”.
العودة إلى عدن
نال بافقيه درجة الدكتوراه من فرنسا وكانت أطروحته “تاريخ اليمن وتوحيدها في التاريخ”.
عقب عودته الى عدن فتح بافقيه مؤسسة “ريدان” واتخذ من إحدى بنايات الشارع الرئيسي مقرا لها بالإيجار إلا أن هذه البناية البنية اللون تحولت الى ماضي بعد أن أصبحت عمارة سكنية لا فرق بينها وبين أي بناية سوى رائحة التاريخ فقط.
رأى شيخ ذلك الحلم الذي بذل لأجله والده الكثير من الجهد يتحول إلى حطام من ذكرى جميلة شاء لها بافقيه أن تكون مركزا للنقوش والحفريات جنب إلى إصدار نشرتها الحولية لكنها ماتت وضاعت كل الأموال التى دفعتها شركة مصفاة عدن دعم لها على الرغم من أن الفرنسيين كانوا قد بدؤوا دعمها.
أصبح الرجل وزير التربية والتعليم في أول حكومة وطنية بعد الاستقلال 30 نوفمبر 1967 إلا أنه سرعان ما قدم استقالته وسلم مفتاح سيارته وسكن عند احد أصدقائه حين كانت الكثير من القيادات التى عملت مع الإنجليز تجد أوراق الاستغناء عن خدمتها على طاولتها في ساعات الصباح الأولى من دوام العمل. قال شيخ: “والدي رفض هذه التصرفات وما كان له أن يقبلها على نفسه فسارع بتقديم استقالته وتوالت محاولات كثيرة لإعادته الى عملة كوزير التربية والتعليم في دولة اليمن الديمقراطية الشعبية”.
لم ير شيخ أن والده أنصفته الدولة ولم يشعر قط بأنه أوتي حقه من التكريم، “مع أن والدي لم يكن يبحث عن التكريم يوما، لكن الحقيقة تقال بأن الدولة لم تنصفه بحقه أصلا فما بال التكريم! فحتى اللحظة لم تسلمه الدولة بعض مستحقاته وأتذكر حين ذهب والدي إلى البحرين لحضور مؤتمر الآثار لم تدفع له بدل سفر بدرجة وزير.
وأضاف: “ولم نتسلم منزلنا الذي اقتحمه احد القياديين في حضرموت مع أن الوالد دفع أقساطه حتى وهو في فرنسا وكذلك فيللا مشروع الوحدة دفع أقساطها والكثير من الأمور التى أبلغنا الدكتور عبدالقادر باجمال رئيس الوزراء حينها ولم يحرك ساكناً ومن حين ولجنا عليه أنا وأخي لأول مرة نتابع في الأمر خرجنا وأنا أعد نفسي بعدم العودة”.
عقب الوحدة 22مايو90 عين بافقيه رئيسا للهيئة العامة للآثار والمتاحف إلا أنه لم يتقبل وأصبحت مؤسسة “ريدان” تابعة لوزارة الثقافه: “كان الوالد مجتهداً بهذا الأمر وللأسف أقحمت أمور كثيرة وأصبحت المؤسسة تابعه لوزارة الثقافة”.
يضيف: “لم تكن مشكلة الوالد مع الإخوة في الشمال مسألة قبول العمل معاً لأنه كان يعرف ويتواصل مع الكثير منهم قبل الوحدة ولكن السبب الحقيقي هو مرض المال، الذي جعله لا يكمل معهم المشوار فلا شيء يساوي العمل والهدف الرئيسي لأي مشروع حتى وإن كان المال عينه وفي تلك الفترة ترك الوالد صنعاء وجاء إلى عدن ثم سافر إلى السعودية قبل حرب صيف 94 بأسبوع واحد لإجراء عمليه لعينيه واندلعت الحرب حينها وعاد فور توقفها”.
وعن مساعي العائلة الحديثة على طريقة بافقيه أجاب شيخ: لدينا مسكن في مديرية المعلا بعدن به بعض الكتب ومستلزمات الوالد وكانت الفكرة أن نعمله مركزا يجمع كل أعماله، وسرعان ما عدلنا الأمر بتغيير المكان بدلا من عدن نعتقد أن المكلا انسبـ”.
شيخ بافقيه الذي تلونت معالم وجهه وتفتحت أوتار صوته الهادي أثناء حديثنا معه عن ذكرى زمن جميل لا يقارن البتة بزمننا هذا، جزم لنا أن الوالد لم يخلف لهم في العائلة الا ما يعتزون به طوال حياتهم قائلاً: “لم يندم والدي على شيء من خياراته أو يشعرنا بأنه حزن على ذلك بالمطلق ونلتمس ذلك في أنفسنا، على سبيل المثال، كلنا درسنا ما نحب وأبدعنا فيه ونتكل على أنفسنا وبنينا مستقبلنا دون عوز والحمد لله فما بال ذلك الرجل الذي أمضى جل عمره مناضلاً للبلد؟!”.