حسين اللسواس يوجه شكر لنصر طه!

حسين اللسواس يوجه شكر لنصر طه!

عندما أعلنها ذات نهار “لن أترشح لمنصب نقيب الصحفيين”، اعتقدت كما هو حال كثيرين، أن نصر طه مصطفى لم يكن يعني فعلاً عدم الترشح بقدر ما كان يرنو لاقتفاء أثر الرئيس صالح الذي أثار سخرية العالم بإعلانه عدم ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة المنقضية ثم تراجعه عن ذلك الإعلان عبر مسرحية السبعين الشهيرة وبذريعة الرضوخ لنداء الجماهير.
حسب الاعتقاد، كانت التوقعات تشير إلى أن عملية اقتفاء الأثر لن تقف عند حد النطق بعبارة “لن أترشح”، بل ستبلغ مرحلة الإيعاز إلى عدد من المقربين لإحداث ضجيج إعلامي ينادي ببقاء نصر طه ويناشده التراجع عن قرار عدم الترشح على طريقة (واصل المشوار فأنت الفارس المغوار) التي تعالت في مسرحية السبعين.
عدم حدوث الضجيج المتوقع، لم يكن كافياً لتبديد ذلك الاعتقاد الذي ظل يتعزز لدرجة بات معها كل حدث يشهده الوسط النقابي كتأجيل الانتخابات مثلاً دليلاً يضاعف من واقعية ذلك الاعتقاد ويوصله مرحلة اليقين.
الاختلاف ساد بين من يشاطرونني ذلك الاعتقاد، في جزئية واحدة فقط! وتتمثل في الذرائع التي سيسوقها نصر طه للتراجع عن قرار عدم الترشح. من نقاط التباين مثلاً، رأى البعض أنه سيدعي وجود ضغوطات عليا للتراجع عن القرار. في حين رأى آخرون أن مبرر التراجع سيحاط بأسطوانة الرضوخ لنداءات “واصل المشوار”.
بمعنى لم يخطر على بال أرباب ذلك الاعتقاد (أولهم العبد لله) أن الرجل قد يمضي في قراره بصورة جدية لأسباب أولها أن تنفيذه لقرار عدم الترشح سيعني تمرداً على النهج “الصالحي” وخروجاً عن اقتفاء الأثر الذي يُفترض أن يؤديه المقربون من شاغري المناصب الانتخابية حتى لا تحدث مقارنة مع “مسرحية السبعين” التي استنزفت من مصداقية صالح محلياً وخارجياً.
ثاني الأسباب، حجم الإغراء الذي يغلف منصب نقيب الصحفيين ومستوى الامتيازات الممنوحة لشاغله، ثالثها، نزعة التملك البشرية التي تجعل شاغل آي منصب حساس يعيش صراعاً سيكولوجياً مريراً في لحظات التفكير بمغادرة المنصب لأي سبب كان.
وقفت مدهوشاً عندما تلقيت نبأ إغلاق باب الترشح لمنصب النقيب مرفقاً بخبر صمود نصر أمام إغراءات الترشح وثباته على قرار عدم خوض الانتخابات.
أدركت حينها أن عبارة “لن أترشح” التي ألقاها نصر قبل أشهر خلت لم تأت بدافع المزايدة بقدر ما كان هدفها الحصول على إجابة لأسئلة كثيرة من بينها قياس حجم الرغبة لدى أعضاء النقابة في بقائه او رحيله.
كان من السهل عليه أن يوعز إلى عدد من موظفي وكالة (سبأ) التي يرأسها، لأداء دور “فرقة حسب الله” عبر إمطار المطبوعات بالمقالات واللقطات التي تناشده العودة عن قراره، لكنه لم يفعل.
لقد ظل ملتحفاً برداء الصمت مترقباً انسياب الآراء العفوية ببقائه أو رحيله ورغم إدراكه أن شخصيته مازالت تحظى بقبول لافت لدى قطاع واسع من المنتسبين لمهنة المتاعب إلا أن قناعة الاكتفاء بالصداع الناتج عن الولاية المنتهية كانت كافية للمغادرة بهدوء.
ربما قد يهمس البعض أن شائعات التوافق المؤتمري الإصلاحي على شخصيه ياسين المسعودي التي تمت، وفق الشائعات أيضاً، بضوء أخضر من الملازمين لصاحب الفخامة، كانت بمثابة رسالة لنصر دفعته لعدم الترشح، قد يكون في ذلك شيء من الصحة، لكني أعتقد أن ذلك –إن صح مضمونه– كان سبباً من بين أسباب، أي ليس دافعاً رئيسياً ووحيداً، بدليل أن إصرار نصر على الترشح مثلاً لم يكن ليجابه باعتراض رئاسي إطلاقاً لمسببات من بينها المكانة التي يحظى بها نصر لدى الرجل الأول، وكذا وجود قبول واحترام لشخصه لدى قطاع واسع من حملة حق الاقتراع النقابي وهو ما لا يمكن تجاهله عند اتخاذ القرار.
بالإضافة إلى عامل الحسابات السياسية التي تجعل من موافقة الرئيس صالح على رغبة (الملازمين) بإسقاط نصر عبر الصندوق أمراً مستحيل الحدوث، إذ من غير المعقول أن يقبل الرجل الأول التضحية بشخصية كنصر طه مصطفى لإرضاء غرائز “الغيرة” المستعرة في نفوس “الملازمين”.
بصرف النظر عن كل الحسابات والتحليلات، فإن قرار عدم الترشح الذي اتخذه نصر طه مصطفى يستحق أن تخلع له قبعات والإعجاب المصحوبة بفواصل الثناء.
عهده لا شك، لم يكن خالياً من سلبيات وقصور وأخطاء، غير أن انسحابه وعدم إصراره على البقاء يدفعنا لتغليب الإشادة على الأقل في اللحظة الراهنة بانتظار نتائج معادلة التفاعل الانتخابية ومجيء لحظة المقارنة بين نصر وخليفته.
قبل أشهر كنت قد طرحت رأياً عبر أسبوعية “الثوري” ناديت فيه (زملاء الحرف) بعدم التجديد لنصر طه معدداً سلبيات النقابة في عهده زاعماً أنه لا يصلح لمنصب حقوقي كنقيب للصحفيين بعكس منصب وزير الإعلام الذي يتناسب مع وضعه كشخصية سلطوية قريبة من النظام ورئيسه.
أما وقد أوفى نصر بوعده تاركاً المنصب للتبادل السلمي دون ضجيج، فإنني أدعو (زملاء الحرف) لتكريمه خلال مؤتمرهم الرابع تقديراً لإسهامه في تعزيز ثقافة التخلي عن المنصب واحترامه لرغبة التغيير الجامحة التي باتت مطلباً وطنياً على مجمل الأصعدة وفي كافة المجالات.
أخيراً، بعد إزجاء الشكر لنصر على قراره، نتساءل: هل سيمثل قراره أنموذجاً يحتذى ومثلاً يقتدى؟ تساؤل متروك على طاولة جميع شاغلي المناصب الانتخابية وفي المقدمة الرئيس علي عبد الله صالح وكفى!
حسين اللسواس
[email protected]