إتفقوا على اللجوء إلى المحاكم الدولية فنصحهم دغيش ونصح الحكومة أيضاً: نرمم منازلنا بأنفسنا ولا ندع الآخرين يحلقون لنا.. أنامل ناعمة ترسم مناظر مرعبة

إتفقوا على اللجوء إلى المحاكم الدولية فنصحهم دغيش ونصح الحكومة أيضاً: نرمم منازلنا بأنفسنا ولا ندع الآخرين يحلقون لنا.. أنامل ناعمة ترسم مناظر مرعبة

هلال الجمرة – تصوير: جميل سبيع
خرجت أسر المعتقلين بعد حرب صعدة إلى المؤسسات الدستورية (القضاء والحكومة والبرلمان)، كما وإلى رئيس الجمهورية ومؤسسات المجتمع المدني، تطالب بإطلاق سراح ضحايا الحرب المحتجزين في المعتقلات السياسية دون توجيه أي تهمة لهم وفق القانون، ما يؤكد أن لديها بصيص أمل في إمكانية استجابة رجال الدولة لنداء المقهورين.
وفي تطلع إلى الوعود البخارية خرج أطفالهم، الاثنين الماضي، ووجهوا نداءً إلى الرئيس لإنهاء محنتهم، فيما رأى أقاربهم من الكبار ألاَّ أمل في أي من مسؤولي الدولة، وأن دعوتهم الآن ستمتد إلى الخارج، مكررين: “شبعنا مناشدات، ما لنا إلا الخارج والأمم المتحدة”.
وفي مؤتمر صحفي لأسر المعتقلين والمختفين قسراً على خلفية حرب صعدة، عُقد في فندق صنعاء الدولي صباح الاثنين الفائت، تحدثت الطفلة رحمة ضيف الله الدريم إلى حشد من الصحفيين والحقوقيين والسياسيين والبرلمانيين عن محنة أسرتها حيال استمرار الأمن السياسي في اعتقال والدها.
وكانت الطفلة “رحمة”، 10 سنوات، قد أثّرت بقصة والدها في الحضور وشدّت عواطفهم وأبكت البعض، ثم نادت رئيس الجمهورية أن يضع حداً لمآسيهم.
 وخصص المؤتمر، الذي أعقبه معرض للصور ورسوم لأطفال المعتقلين، فقرة في برنامجه تحدث فيها أطفال وأمهات وزوجات المعتقلين. وإلى “رحمة” استمع الحضور إلى الأطفال: بتول المداني إبنة أخ المعتقلين ماجد المداني وحسن المداني، وإبراهيم المتوكل ابن أخت السجين معين المتوكل.
أدار المؤتمر الناشط الحقوقي علي الديلمي، المدير التنفيذي للمنظمة، وأوضح للحاضرين أن مطالبة المنظمة بإطلاق سراح المعتقلين “لا علاقة له بأي جدل كان، لا جدل الحرب ولا جدل الصراع السياسي. فالموضوع إنساني فقط”.
وفتح باب النقاش. وكان المشاركون قد ألمحوا صراحة إلى أنهم سيلجؤون إلى دول خارجية وسيرفعون قضاياهم إلى محاكم دولية بعد أن خذلهم رجال الدولة. ونصح البرلماني، فؤاد دحابة، الآملين في السلطة والمستجْدين الحل منها “مراجعة طبيب نفسي لأنه لا شك مصاب بمرض نفسي”. وانتقد في مداخلته “المسؤولية المنعدمة لدى السلطة السياسية حيال مأساة أسر المعتقلين وتعاملها مع المواطن كخصم واعتبار الرافضين للظلم عملاء وخونة”. كما حَمّلَ رئيس الجمهورية مسؤولية تعطيل توجيهاته، ودعاه إلى “أن يخطب ثانية ويدعو المسؤولين فيه إلى قبول أوامره ثم يوجههم بإطلاق المعتقلين”.
كان الجميع يرمقونه بإعجاب وكأنه يفضي عما بداخلهم. وقد صرح بذلك حسن زيد، وكان قد طلب الكلام قبل دحابة: “أكتفي بما قاله الأخ فؤاد”. لكنه أضاف أن ما دمرته الدولة في حرب صعدة ينم عن “شهوة القتل… باستخدامها القوة المفرطة”.
أما بالنسبة للنائب عبدالباري دغيش فقد حذر الدولة وأسر المعتقلين من خطورة اللجوء إلى الخارج، معتبراً إياه مسّاً بسيادة الوطن. وقال: “علينا أن نرمّم بيوتنا بأنفسنا قبل أن يتدخل الآخرون”. وأشاد بالدور الجيد الذي تقوم به أسر المعتقلين، معلنا تضامنه مع النساء والأطفال. وبأعلى صوته طالب بتطبيق القانون، متسائلاً: “ما الذي يمنع من تطبيق القانون؟!”. وأكد أن “مشكلة الاعتقالات ستظل قائمة مادام هناك خروق، وإننا بحاجة إلى أن نحل مشاكلنا وأن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق لنا الآخرون”.
وأشار عبدالسلام الوجيه إلى أن النداءات لم تعد مجدية، وأن الدولة لا تسمع إلا لأصحاب السلاح. ودعا الأسر إلى الصراخ بقوة، والسلطة إلى التوقف عن الممارسات الخاطئة؛ “إلى هنا يكفي!”. وإذ ذكّروا الرئيس ومسؤولي الأجهزة الأمنية بالآخرة، نصحوهم بأن يتقوا الله في أنفسهم وأن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. متسائلا عما كان عليه موقفهم لو أن المعتقلين والمعتدى عليهم هم أبناؤهم ونساؤهم.
وانتهى المؤتمر بمعرض صور الضحايا، واللوحات الفنية المعبرة التي رسمها الأطفال عن حالات ذويهم، ومقترح إعداد ملفات عن كل سجين وإرسالها إلى المحاكم الدولية المهتمة بهذا الشأن.
 

***
 
أطفال يتفنّون في تصوير الجُرح
 
علّقوا مآسيهم على جدران قاعة فندق صنعاء الدولي، تقابلها صور آبائهم وأعمامهم وذويهم المحتجزين في معتقلات السجون السياسية. أفصحوا عما بداخلهم في رسوم نقلت الجرح الذي يعوق حركتهم منذ اعتقال آبائهم. وأخرى ركزت على جحيم الحرب في صعدة، وثالثة على حملة الاعتقالات التي نفذت في صنعاء ومحافظات عدة، طالت الهاشميين وأبناء المذهب الزيدي، فضلاً عن تصوير أنواع التنكيل والتعذيب التي يتعرض لها المعتقلون.
بلهجة ملفوفة بالبراءة تسلسلت عروض الأطفال. وبعد انتهاء المداخلات التي تخللت المؤتمر الصحفي دار الحاضرون على معرض الرسوم المحزن والمبكي. وإذ جسّد المعرض الحملة الأمنية الشرسة التي نفذت منذ بدأت حرب صعدة، تطرق الأطفال المبدعون الذين خلقتهم الحاجة إلى ثغرات مسّت أقرباءهم مباشرة.
رحمة ضيف الله، 10 سنوات، أعدت هي وإخوانها الثلاثة: آسيا، 14 سنة، حسين، 12 سنة، وهاني، 7 سنوات، عشر لوحات فنية تصف المشهد الكارثي في حياتهم: اعتقال والدهم ضيف الله حسين الدريم من أمام المدرسة اليمنية الحديثة التي يعمل فيها مدرساً لمادة اللغة العربية، والمعاناة المشتركة بينه وأسرته خارج السجن. ويقول الأشقاء الأربعة إن والدهم يهتم بهم كثيراً وأنهم افتقدوه. إلا أنه وقت زيارتهم له، يوم الاثنين من كل إسبوع، “يسألنا عن حالنا، وأحيانا نشوفه مريض وأحياناً لا بأس”. وقالت “رحمة” إن رسومها البسيطة تحكي عن حالة والدها وكيفية اعتقاله “وحزننا ومشاكلنا احنا وأمي وعذاب أبي في السجن”.
حسب تخيلها لواقع السجون السياسية وما يمارس فيها من تعذيب أخذت لوحة الطفلة بتول المداني، 12 سنة، بعدها، إذ جمعت واقعتي الاعتقال لعميها ماجد المداني وحسن المداني، اللذين تم اعتقالهما في الأسبوع الأول من يونيو 2008، فالأول قبض عليه أثناء أدائه لعمله كموزع كروت في أمانة العاصمة، والثاني عندما كان على سيارته الخاصة في الجراف رفقة زوجته وأطفاله إلى العيادة لغرض معالجتهم. أتاحت للريشة رؤية الاستمتاع بتعذيب عميها ورسمهما معلقين بأيديهما، فيما الجلاد يتلذذ بتعذيبهما. وقالت بتول إن أحد أنواع التنكيل التي أفصح لهم عنها عمها أنه “مرة دخل الحمام مرتين وبعدين دخلوه زنزانة انفرادية لمدة يوم”، وحين نقل لهم ذلك منعوا عنه الزيارة لفترة.
أما الطفل إبراهيم المتوكل، 10 سنوات، فقد استدعى فكرة تعذيب مؤذن الرسول بلال بن رباح، وأسقطها على حالة خاله معين إبراهيم المتوكل، المعتقل منذ 27 مايو 2008. توحي الرسمة بأن الشخص الذي يتلقى التعذيب لتغيير معتقده بأنه في قريش يرفض العودة ويرد عليهم بـ”أحد أحد” يصرخ، فيما يقصد بها خاله، لاسيما بعد سماعه قصة التعذيب الموحشة التي تعرض لها خاله في السجن. “عذبوه في الأمن القومي حتى اكتسرت يده”، قالها وأمسك على دموعه. ووصف خاله بالطيب وبأنه أشتاق لاحتضانه.
وكان معين ابراهيم قد اختطف وهو في الطريق إلى جامعة صنعاء، “بيوصل خالتي وزوجته، وعارضته سيارتين ونزلوا هزروه من فوق السيارة”. وأخفي مدة شهرين ثم أبلغوا بأنه في الأمن السياسي.
وأطلق جميع الأطفال صرخة استجداء وتوسل ومناشدة إلى “الأب الكبير” رئيس الجمهورية، للإفراج عن “آبائنا وإخواننا وأعمامنا وأخوالنا”. وأضافوا: “نحتاج إليهم كما نحتاج إلى الماء والطعام… أصبحنا نعد الساعات والليالي شوقاً إلى عودتهم إلينا”، مذكرين الرئيس بالأمر الذي أصدره في ليلة العيد بالإفراج عن ذويهم المعتقلين”.
 

.. وآخرون لم يعرفوا آباءهم طلقاء
 
تفصل شباك معتقل الأمن السياسي، المخصص للزائرين، مساحة تزيد على 3 أمتار، ما يمكّن الرقيب، المكلف بالتصنّت على حديث المعتقل مع زائره، من تنفيذ مهمته بشكل جيد: تسجيل ما يقال، وأحياناً إفشال التواصل.
هذا بالضبط ما تعانيه أسر المعتقلين على خلفية حرب صعدة، عند زيارتهم لذويهم، فهي تؤمن بأن الجندي المرابط بجوار السجين يستطيع سماع كلامهم أعلى من قريبهم المعتقل.
أخت ياسر الوزير، المعتقل في سجن الأمن السياسي منذ 5 يوليو 2008، قالت لـ”النداء” إن والديها المسنين يعجزان تماماً عن سماع ياسر كما يفشل أيضاً في سماعهما؛ “دوشة وصياح وزحمة والزوار ملان”، أكدت. ووصفت الزيارة بأنها “كذبة؛ لا نسمعه ولا نشوفه، بسبب الشبك الذي يغطي معظم جسمه… وبيسمع العسكري اللي جنبه كلامنا أكثر مما يسمعنا أخي”.
وكان ياسر الوزير، 25 عاماً، قد اعتقل في يوليو الماضي عقب زواجه بتسعة أشهر، وأصبح ابنه الآن في الشهر السادس من عمره. إلاّ أن وضع المهندس المعماري وأحد مدرسي العلوم الشرعية الزيدية في جامع النهرين مايزال قائماً، وانتظار زوجته المستمر منذ اعتقاله لم يتغير، وأملها بعودته ينمو مع نمو طفله الذي لم ير ملامحه أو تقاسيم وجهه.
إعدام العيب في الجراف
في مؤتمر صحفي عقدته المنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات، تلاه معرض صور ورسمات لأطفال المعتقلين، باحت زوجة السجين حسن المداني للحضور بالواقعة المخيفة لاعتقال زوجها حسن محمد المداني، التي تمت في 30 يونيو 2008.
صباح ذلك اليوم تحرك حسن، 37 عاماً، من منزله في حي الجراف بصنعاء على سيارة صحبة زوجته وأطفاله قاصداً إحدى العيادات داخل العاصمة لمعاينة ابنه. لكنه لم يحقق مراده؛ على بعد أمتار من البيت وجدوا نقطة عسكرية للتفتيش، وهناك أوقف جنود من الأمن المركزي سيارته وطلبوا منه إبراز هويته. نفّذ طلبهم وأبرز بطاقته الشخصية التي “ربما احتوت حكماً باعتقاله”. تقول زوجته التي كانت جالسة على المقعد الأمامي إلى جواره إن 3 أطقم عسكرية كانت تحوط المكان كان أفراد أحدها بلباس مدني. وأوضحت أن العسكري لفّ البطاقة في جيبه وتولّى مهمة التنكيل بزوجها. “شاف اسمه، وبعدين قفزوا له عسكر كثير هزوروه من السيارة وخرجوه”.
لم يتمكن المداني من معرفة ما يدور، “كان يقول لهم: ما به!؟ ما لكم!؟”، فيما يواصلون إهانته. تجمّدت زوجته وأطفاله في مقاعدهم، معبرين عن فزعهم وخوفهم بالبكاء والصراخ. بعد أن انتهى “الاشاوس” من مهمتهم “الوطنية الفذة”: اعتقال المداني؛ عادوا إلى زوجته وأطفاله وحاولوا إخراجهم من السيارة. “كانو يدقدقوا السيارة ويقولوا لنا نخرج يوصلونا إلى البيت، وأنا قلت عانتصل بواحد من أهلنا يجي يروحنا، ولا رضيت أخرج”. وزادت: “كانوا يهزوروا أطفالي وهم يبكوا وكان الناس يقولوا لهم: خلاص قد شليتوا الرجال عيب عليكم تضايقوا المكالف والأطفال، وهم يردوا عليهم بالأوالي”.
لم تنج الزوجة وأطفالها من مشهد الرعب الذي يحاصرهم إلاّ بعد ساعة، إذ أعادوا مفتاح السيارة ومضوا. كانت تحركاتهم سريعة، وقد أبقوا الأطفال في حالة من الرعب مدة شهر.
في المؤتمر الذي خصص للأطفال تحفّظت الزوجة على اصطحاب أطفالها، الذين باتت تخاف جداً من مغادرتهم البيت. “أخاف يخرجوا من البيت زيادة في الفعاليات”، قالت.
ظل الزوج في عدّاد المختفين قسراً مدة شهرين. بعدها قرر مسؤولو جهاز الأمن السياسي إظهاره وأذنوا لأسرته بالزيارة. في الزيارة الأولى سألته زوجته عما إذا كان قد تعرض للتعذيب خلال فترة إخفائه في السجن. “قال لي الحمد لله هانا! أما في الأمن القومي (وأشار بيده بما يؤكد قوة التعذيب التي لاقاها)!”. آنذاك أتى دور العسكري الملاصق له: “سحبه من الشبك بقوة وهزوره ومنعنا من زيارته مدة شهر”.
في هذه الفعالية كان الأطفال هم الأكثر حضوراً. لقد أثروا في الحاضرين بجملة من المآسي، كل منهم أتى لتمثيل قريبه المعتقل في سجون الأمن السياسي بطريقة غير قانونية.
وإلى زوجة المداني تحدثت فاطمة علي الفقيه عن واقعة اعتقال زوجها، العزي صالح راجح، 30 عاماً، في فبراير 2005، ثم أطلق سراحه بعد زمن، واعتقل ثانية في 7 مايو 2007 عقب زواجه ب8 أشهر، وتم إخفاؤه مدة شهرين. عانت الزوجة جراء ذلك، ما أثر على وضعها الصحي خلال فترة الحمل، مما عجل بولادتها لتتم في الشهر الثامن، وظل الطفل في حالة صحية سيئة. وتمر الزوجة وطفلها بوضع مادي صعب، بسبب اعتقال عائلهم الوحيد. “الآن له أكثر من سنتين في السجن ونحن نتجرع أشد العذابـ”، أوجزت.