سحر العسل السقطري استبقاهما لسنوات.. الزوجان سيرجنت طارا مع الملكات إلى فرنسا – بشرى العنسي

سحر العسل السقطري استبقاهما لسنوات.. الزوجان سيرجنت طارا مع الملكات إلى فرنسا – بشرى العنسي
عسل صورة ارشيفية (وكالات)

سحر العسل السقطري استبقاهما لسنوات.. الزوجان سيرجنت طارا مع الملكات إلى فرنسا – بشرى العنسي

بغرض السياحة لمدة أسبوعين زار تيري وكاميليا سيرجنت سقطرى. وكما يقال عن الجزيرة إن الداخل إليها لا يخرج منها، فقد مكث السائحان ثماني سنوات.
لم تكن الطبيعة الخلابة للجزيرة هي ما استهواهم للبقاء. سحر العسل السقطري كان له تأثيره حينها.
لفظت سقطرى الزوجين سرجنت بالأحمر. ولأن العسل كان يجري في عروقهما فقد عادا إليها مرة أخرى تحت جناح السفير الفرنسي لعقد صداقة مصلحة مع المكان.
الختم الأحمر على جوازي الفرنسيين منذ عام لم يوضع بمحض الصدفة. فحسب مصادر «النداء» بسقطرى دخل الزوجان الجزيرة لغرض السياحة، ثم ما لبثا أن بدآ يتاجران بالعسل السقطري.
حررت مذكرات من مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في سقطرى بهذا الخصوص، ما أدى بمصلحة الهجرة والجوازات لتحرير مذكرة هي الأخرى بتاريخ 18/2/2008 لترحيلهما من الجزيرة بصورة نهائية.
الغريب في الأمر أنهما عادا للجزيرة مرة أخرى، ولكن بصفة مدربين على تربية النحل وإكثار الملكات.
وبحسب المصادر ذاتها فإن مراسلات ومذكرات تبادلها وزير المياه والبيئة مع محمود شديوة رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة، بعد وساطة السفير الفرنسي، أفضت لمبرر قانوني لعودتهم.
مذكرة شديوة بتاريخ 11/1/2009 وصلت لفرع الهيئة بسقطرى تطلب تسهيل عمل كاميليا وتيري، كونهما في مهمة لإكثار ملكات النحل في الجزيرة.
الفرع بدوره حرر مذكرة إلى مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل لإخطارهم بأن الفرنسيين في مهمة.
تلك المهمة لم تتوقف عند تدريب النحالين على تربية النحل وإكثار الملكات فقط، بل امتدت لتصل إلى إخراج 10 ملكات و80 شغالة من الجزيرة إلى فرنسا.
بعد أطيب التحيات ودوام النجاح الذي تمناه سالم داهق لمدير عام مطار سقطرى في 20/2/2009. طلب منه التكرم بالسماح للخبيرين الفرنسيين كاميليا وتيري سيرجنت باصطحاب عشر ملكات نحل و80 شغالة.
ولأنها الشماعة التي تعودت الهيئة العامة لحماية البيئة وفرعها في سقطرى أن تعلق عليها إخراج العينات، فقد ذيل داهق الطلب بأنه لغرض الدراسة والبحث في المختبر وفقاً للاتفاقية الخاصة الموقعة مع فرع الهيئة.
مع وضع خطين على كلمة “الخاصة” رفض سالم داهق، مدير فرع الهيئة بسقطرى، إعطاء الصحيفة نسخة من تلك الاتفاقية.
«خروجهن تم بموجب اتفاقية معدة من قبل قانوني بالهيئة». أوضح داهق الذي تحدث عن مكنون تلك الاتفاقية الخاصة بقوله إنها تتعلق بدراسة حول إمكانية تكيف ملكات النحل مع بيئات جديدة، ومستوى إنتاجها بعد تلقيحها بذكور من خارج الجزيرة.
بعد الدراسة المفترضة والتي ستستمر من ستة أشهر إلى سنة حسب داهق ستعاد الملكات من فرنسا مع نتائج البحث إلى الجزيرة.
لا ندري هل الملكات التي ستعود (في حال عادت) ستكون هي نفسها التي أخرجت من الجزيرة أم عينات أخرى تم إكثارها تحت بند “بدل فاقد”! وهل سيعيد الفرنسيون كل العينات المأخوذة والتي تم إكثارها أم سيبقون شيئاً للذكرى!
لكن يبدو أن كل ذلك تركته وزارة المياه والبيئة والهيئة مع فرعها للفرنسيين وذمتهم الواسعة.
الملكات في تجارة منتظرة
البحث المزعوم في حال نجح فإن رحلات خارجية كثيرة تنتظر ملكات سقطرى، لمَ لا؟ مادامت اليمن تكره التمييز والاحتفاظ بالنادر.
«في حال نجاح التجربة فسيتم البحث عن أسواق على المستوى الإقليمي والدولي للاتجار بملكات النحل التي تم إكثارها في سقطرى، باعتبار أن هذا النوع من التجارة رائج، لاسيما بملكات النحل ذات الصفات المميزة التي تتكيف مع الظروف المناخية المختلفة، لاسيما الحرارة المرتفعة والبرودة الشديدة».
النص السابق ورد في تصريح أدلى به سالم داهق إلى صحيفة «الثورة». وبحسب الجزء الأول من التصريح فإن اليمن على استعداد للمتاجرة بالملكات في حال أثبتت جدارتها وتكيفها مع البيئات الأوروبية.
تجارة الأنواع الحيوية الموجودة في سقطرى ورد بشأنها فقرة خاصة في قرار مجلس الوزراء رقم 351 لعام 2002 بشأن الموافقة على لائحة تنظيم أخذ العينات من مجموعة جزر سقطرى.
الفقرة الثامنة من المادة الثامنة في القرار تقول إن على إدارة محمية سقطرى والهيئة التأكد من عدم أخذ العينة لغرض الاتجار بها.
القرار أرجع الأمر للهيئة وفرعها للحفاظ على تنوع سقطرى والتأكد من جميع الإجراءات التي قد تضطرهم لإخراج عينات والتي يفضل أن تكون جافة أو ميتة وغير قابلة للإكثار.
لكن الهيئة هنا ستقوم بإجراء البحث مع الفرنسيين، أو بالأصح أسلمت الملكات لهم كي يتأكدوا من إمكانية تحملها للغربة خارج الوطن ليتاجر بها لاحقاً.
إلى الآن لم يثبت ما إذا كانت الملكات خرجت فعلاً لغرض الدراسة والبحث أم أنهن كنَّ هدية ارتضتها الهيئة للزوجين سيرجنت كتعبير لهم عن الامتنان، خاصة أن الاتفاقية المزعومة تقبع في ظلمة الأدراج.
تنظيم لائحة قانونية أو استصدار قرار من رئاسة الوزراء إضافة إلى أخذ موافقة القائمين على اتفاقية “سايتس” العالمية بشأن الكائنات المهددة بالانقراض والموقعة عليها اليمن إجراءات تنتظر الهيئة في حال أرادت الاتجار بملكات النحل، حسب إيضاحات نديم طالب، مدير مشروع حماية التنوع الحيوي بسقطرى.
قرار جديد يناقض قرار مجلس الوزراء السابق هو كل ما تحتاجه وزارة المياه والبيئة والهيئة، لتمرير ملكات النحل النادرة إلى جميع دول العالم تحت مسمى “مصلحة النحالين” في الجزيرة.
محمود شديوة، وسالم داهق أكدا لـ«النداء» أن تلك الأبحاث ما هي إلا لمصلحة النحالين بسقطرى حيث ستعود عليهم بالفائدة من خلال إيجاد مصدر دخل جديد لهم.
الوقائع تقول عكس تأكيداتهما تماماً، فالفرنسيان اللذان ينتظر منهما رفع دخل النحالين كانا أول من استغلهم.
فحسب المصادر كانت كاميليا (لبنانية الأصل) وزوجها تيري يشتريان العسل بأسعار زهيدة من النحالين ليعيدا بيعه في الخارج بمبالغ كبيرة.
عندما فضح أمرهما بعد سنوات وتم ترحيلهما أعادتهم وساطة السفير الفرنسي مع تواطؤ وزارة المياه والبيئة.
حين عادا هذه المرة كان معهما مبلغ كبير من السفارة الفرنسية كمنحة لتدريب النحالين وشراء معدات تساعدهم في استخراج العسل بطرق سليمة إضافة إلى تكوينهم جمعيات للنحالين.
ما كان يأخذه الزوجان من عسل من خلال النحالين كان كفيلا بتغطية نفقات أكثر من تلك التي تم خسارتها.
الثنائي سيرجنت واللذين سلمت لهما ملكات سقطرى ما هما إلا مربيا نحل في فرنسا ويملكان معمل عسل هناك، لذا سوّقا للعسل والنحل السقطري كونهما يعرفان ندرته.
«المشكلة كانت في الرطوبة الموجودة في العسل ووسائل الإنتاج والخزن». ومن وجهة نظر شديوة فإن كل تلك المشكلات تجاوزها النحالون بمساعدة الفرنسيين.
قد لا ينكر فضلهما في تعليم النحالين الطرق السليمة لتربية النحل وجني العسل وتكوين الجمعيات، لكن هذا لا يخفي حقيقة قبضهم الثمن أضعافا، ولا يبرر أيضاً إخراج ملكات النحل لمصير مجهول.
التصريح الذي أدلى به داهق لـ«الثورة» يذكر فيه أن الاتفاقية كانت بين هيئة حماية البيئة ومنحلة تيفاني الفرنسية من جهة وبين الهيئة ومؤسسة حماية وتربية النحل الأهلية بسقطرى وبين مركز نحل العسل بحضرموت.
في حين قال شديوة لـ«النداء» إن الاتفاق كان مع الحكومة الفرنسية عبر تيفاني، التي كلفت كاميليا وتيري بالموضوع.
يتضح من تلك الدائرة أن الأمر عاد للزوجين من جديد، واللذين قد يكونان هما المالكين الأصليين لتلك المنحلة.
سالم داهق من جانبه لم يذكر مؤسسة معينة تم الاتفاق معها على البحث. وكل ما ذكره لـ«النداء» خلال اتصال هاتفي هو اسم الباحث المفترض (ديموانجين ميخائيل تو).
«مش مكتوب هنا اسم المركز». قالها داهق وهو يقلب أوراقا وكأنه ينظر في الاتفاقية.
المطار كنقطة وصل
بتوقيع من مؤسسة سقطرى لحماية وتربية النحل طلب من الفرع إخراج ثماني ملكات نحل و80 شغالة كعينات لغرض الدراسة في مركز النحل بحضرموت.
فرع الهيئة بسقطرى أرفق الطلب أعلاه برسالة موجهة لمحمود شديوة رئيس الهيئة بالسماح بخروج الكمية مع إضافة “إلى حضرموت وفرنسا”. فرنسا لم تذكر في طلب المؤسسة نهائياً إضافة إلى أن الملكات والنحل التي خرجت من سقطرى لا تتطابق والعدد المذكور في مذكرة فرع الهيئة.
في اليوم الثاني مباشرة وجه سالم داهق رسالة إلى المطار للسماح بخروج ثماني ملكات و80 شغالة مع صالح سالم العطاء من مركز النحل بحضرموت.
بعد يومين أرسلت رسالة أخرى للمطار بالصيغة نفسها، ولكن اختلفت فيها عدد العينات والحامل لها. فهذه المرة كانت عشر ملكات و80 شغالة بصحبة تيري وكاميليا.
المطار تسلم الأوامر ونفذ دون مطابقة العينات أو مناقشة إمكانية السماح من عدمه وهذا ما فعله مطار صنعاء الدولي.
مصادر في المطار أكدت لـ«النداء» عدم وجود مختص هناك من البيئة لتتبع مثل تلك الأمور وهو ما فتح المجال لضياع التنوع النادر في اليمن.
تنبه الفرنسيون لسر وتميز النحل والعسل السقطري فأعطوه كل اهتمامهم وهو ما يتضح من خلال متابعة أخبار الزيارات الفرنسية لسقطرى واللقاءات المتكررة مع النحالين حتى أخذوا معهم ذلك السر.
بحث أجراه الدكتور محمد سعيد خنبش عن النحل السقطري أثبت تميز ذلك النحل عن المتواجد في بقية المحافظات كونه يتغذى من نباتات نادرة لا توجد سوى على الجزيرة ما جعل النحل والعسل أكثر نقاوة من الناحية الوراثية.
بغض النظر عن البحث العلمي المزعوم لا يمكن إخفاء حقيقة تورط وزارة المياه والبيئة والهيئة العامة لحماية البيئة في إخراج سلالة نادرة من اليمن إلى دولة أجنبية تحت اتفاقيات مشبوهة وغير واضحة.
الوزارة والهيئة المناط بهما الحفاظ على بيئة وتنوع اليمن الحيوي صار واضحاً أنه لا بد من وجود جهة أخرى لتحمي البيئة منهما خاصة مع تكرار اعتدائهما على البيئة تحت مسوغ قانوني للتحايل على القوانين واللوائح التي وضعتها بنفسها.