موسم جديد للهجرة – حسن العديني

موسم جديد للهجرة – حسن العديني

قريباً من نصف القرن يفصل «موسم الهجرة إلى الشمال» عن الهجرة الاخيرة للطيب صالح إلى حيث يقف القادمون من الشمال والجنوب ومن الشرق والغرب على صعيد واحد.
صاحب «موسم الهجرة» عاش على مجده وشهرة هذه الرواية رغم أن بعض النقاد يعتبرون «عرس الزين» أكثر عمقاً وأخلد رسالة، وكذلك رغم أنه قليلاً ما أعيدت طباعتها فلا تكاد تجد في الأسواق سوى مقالاته مجموعة في كتب، أما رواياته الثلاث آخرهن «بندر شاه» فلا ترى لها وجوداً وإن كنت تسمع لها صيتاً.
تبعدني عن قراءة الطيب صالح سنوات امتدت من 1977. حتى اليوم، وكان أعارني أعماله زميل الدراسة جمال عبدالرحمن الدبعي، ويوم مات «زوربا» العربي، كما يسمونه، كان جمال أنهى منذ أيام هجرة شبه قسرية وشبه اختيارية إلى شمالنا القريب معيداً إلى الأذهان قصة رحلة الشتاء والصيف، ولكن بفاصل ربع قرن بين شتاء اليمن وصيف الشام.
وقبل أشهر كنت أقرأ كتاباً للدكتور «جلال أمين» جاء فيه على ذكر الطيب صالح وروايته الأشهر. وجلال بالمناسبة هو الابن الاصغر للدكتور أحمد أمين صاحب الدراسة الثلاثية الأثيرة: «فجر الاسلام»، و«ضحى الاسلام»، و«ظهر الاسلام». لكن جلال، دون أن يكون ابن هذا المفكر الصارم والمدقق هو من ذاته أستاذ لامع للاقتصاد في الجامعة الامريكية بالقاهرة. ولو أني أجزت لنفسي الحكم لقلت أن أي دارس للاقتصاد في العالم العربي لم يقرأ مؤلفات جلال أمين لم يزل يحبو في طريق هذا العلم. وإن يكن الأمر كذلك فهو أيضاً المفكر والناقد الأدبي والفني الذي يذهب بقارئه في بحور بلا شواطئ.
كثيراً ما يستدعي جلال أمين الكاتب الانجليزي «جورج أورويل». وعنده أن هذا واحد من الذين طبعوا القرن العشرين بطابعهم. خصوصاً بروايته النبوءة «1984» التي صدرت في 1948. وأمين يقلل من قيمة أدباء وفنانين عرب غير عابئ بأثر ما يقول على القارئ الذي استفرت اسماؤهم في ذهنه وقد أُلبست أردية الكمال والقداسة. وهو لا يتحرج من إنزالهم من الأبراج الشاهقة إلى السفوح حيث لا يختلقون عن أضراب كثر إن لم يكونوا أدنى في الخَلْقِ وأسوأ من الخلق. كذلك نراه ينزل توفيق الحكيم في الأدب وعبدالوهاب في الموسيقى ويوسف شاهين في السينما، ينزلهم جميعاً منزلة دنيا. لكنه يرفع الطيب صالح إلى ما فوق السحاب، وإذ يعرض لسطحية آراء «نجيب محفوظ» السياسية فلا يجد سبيلاً يمضي منه غير السوداني الطيب. وعنه يقول إنه كان مدعواً إلى ندوة في الجامعة الامريكية بالقاهرة، وفي جو المناقشة الدافئ والحميم عنَّ لإحدى الطالبات أن تسأله رأيه في قضية سياسية طازجة، وخاب رجاؤها إذ جاءت إجابته على عكس المألوف من أمثاله أصحاب الشهرة. قال الطيب صالح إن كونه أديب لا يعطيه الحق في إصدار أحكام في القضايا السياسية أو يوفر لديه القدرة على تكوين آراء ناضجة بشأنها.
من هذا الباب دخل جلال أمين إلى ما كتب وقال نجيب محفوظ في السياسة فنال منه نيلاً كبيراً. على أن هذا في جميع الأحوال لا يعفي الكاتب من الموقف والرأي السياسي ولكن ليس على طريقة توفيقية محفوظ أو ابتذال الحكيم حتى ليحاول من على شاكلتهما أن يلقي بوزنه الفني كي يثقل خفة آرائه السياسية.
وإنما أردت الحديث عن الطيب صالح فأخذني جلال أمين، لكأن جاذبية الصديق «سامي غالب». شدتني إليه، وكان هو الذي أخبرني في أمسية رمضانية أن جلال أمين أصدر مذكراته وطلبتها فجأني بها ابن اخي المهندس «ابراهيم»، ولشد ما أزعجني عنوانها: «ماذا علمتني الحياة» فقد وجدت أداة السؤال زائدة، وتمنيت العنوان من دونها، وربما فيها تكررت مقارنة سبق أن اجراها جلال أمين بين ابتذال المغربي «محمد شكري» في «الخبز الحافي» ورقي «الطيب صالح» في «موسم الهجرة إلى الشمال».
وكنت قرأت «الخبز الحافي» في منتصف الثمانينات، والعجيب أنني اشتريتها من معرض للكتاب أقيم في جامعة صنعاء وفي فترة كان للاتجاهات الاسلامية سطوة على ما يقرأ وينشر. ولقد لفتت انتباهي لها نتف أخبار من مجلات وصحف أدبية تحدثت عن مسيرة مليئة بالجرأة على الاعتراف، ثم لم أجد فيها غير الباعث علي الاشمئزاز والتقيؤ. ولم أكن قد اطلعت على اعترافات جان جاك روسو، لكني شعرت من قبل بالتعاطف مع الطفولة المعذبة للفرنسي «جان جينيه» كما رواها في «يوميات لص» أو في بوحة للمرحوم «سعدالله ونوس» في مقابلة نشرت بمجلة الكرمل.
وليس من ذلك أن جان جنييه مثل أغلب اليساريين في فرنسا متعاطف مع القضية الفلسطينية، متأفف من عنصرية الحركة الصهيونية، مبغض وحشية إسرائيل، ولكن لأنه فنان قبل وبعد أي شيء. إنه يسمو بالفن حتى وهو يستعرض أسوأ ألوان السلوك البشري، فهو يحرض على التعفف والفضيلة، وذلك ما لا يفعله محمد شكري الذي يتباهى بتهتكه وانحطاطه.
من أجل هذا وضع جلال أمين محمد شكري على السفود، وأشعل من فوقه نار الفضيلة ومن أسفل منه. تلك النار توهجت من موقد «موسم الهجرة إلى الشمال»، إذ فيها يعالج الطيب صالح العلاقة بين الشمال الاستعماري والجنوب منهوبة ثروته، وهو يستخدم اتصال المرأة بالرجل بأسلوب لا يقترب من الحيوانية المقززة (بل) إلى العلاقة الانسانية الدقيقة والشفيفة، وحيث لا تسمع فيها آهات وأنات محمد شكري في بيوت الهوى وعلي سرر الفاحشات والبغايا.
غير أني قبل أن أختم اخشى أن أنسى القول أن أجمل ما قرأت للطيب صالح بعد وفاته نصاً كان كتبه في رثاء صديق فلسطيني له زامله بإذاعة لندن اسمه «اكرم محمد صالح»، فجعل الطيب محمد صالح من اسم الجد سبيله إلى الحكمة المأثورة «رب أخ لك لم تلده أمك»، وزاد عليها «وكذلك ابن عمك».
ذلك عما كتبه، وأما عما كُتب عنه فأروع ما قرأت، على الاقل ما وقع في يدي، كتبه الصديق الأستاذ عبدالرحمن بجاش في جريدة «الثورة»، وعبدالرحمن يكتب دائماً ما يولد عندي الغبطة فأقول ياليتني كاتبه.
ثم.. لايظنن القارئ أن هذا مقالاً في الأدب أو ما يشبه، إنما أنا من أصحاب السياسة مشتغلاً من قبل وكاتباً على الدوام. وإذ أطوف من حولها الآن فلا أرى سوى أن موسم الهجرة إلى الشمال طال. ولكن ليس على طريقة غربة مصطفى سعيد وشهوته للانتقام بل بالخضوع والاستسلام وقبول ما يأتي من الشمال للجنوب. وهذا أيمن نور زعيم حزب الغد في مصر الذي تجرأ ونافس حسني مبارك على رئاسة الجمهورية فانشق بعض رفاقه من الحزب حتى أودى به الشقاق إلى السجن، لكنه بإرادة من الشمال وغرب الشمال خرج من سجنه بعد سنوات ثلاث. هنا في اليمن طال الجدل وتطاول التحدي بين حزب حاكم لا يلتفت لما تقوله المعارضة وبين معارضة تصرخ وتندد، ثم ينقشع غبار الأزمة ويجيء الوفاق ويمحي ما كان تحت الغمام بتأثير النجمة الباردة في بروكسل والشمس الدافئة في واشنطن.
ومازال موسم الهجرة إلى الشمال طويلاً وإن عاد الطيب صالح خجولاً من أفعال أهله فاختفى تحت الطين هنا في الجنوب.