معسرو تعز يضربون عن الطعام وسجناء يتضامنون معهم

معسرو تعز يضربون عن الطعام وسجناء يتضامنون معهم

ربما ليس بعد العسر إلا العسر المضاعف سيظل يعانيه السجناء اليمنيون على ذمة مبالغ مالية؛ إذ؛ ما زالت تبرز مظاهر اليسر شحيحة جداً، خصوصاً مع تعنت ورفض الهيئات القضائية والنيابية وضع حد حقيقي لمعاناتهم.
والواضح أن هؤلاء قد ملوا المناشدات. بينما يحرقون أيامهم كمديونين بلا قدرة على السداد، ما أثبتته أحكام الإعسار، وحالتهم البئيسة المتعوسة بين جدران السجن، بلا طائل.
لهذا كان معسرون في سجن تعز، قد جعلوا من يوم الشجرة (أول مارس) يوماً لتدشين إضرابهم المفتوح عن الطعام، وهنا مفارقة «طفشهم الأكيد من الحياة». فهؤلاء «لا يستجدون من السلطة فضلاً، بل إنهم ينتزعون حقاً من حقوقهم القانونية في إطلاق سراحهم، حيث وأن سجنهم فيه التسيب والفوضى والتهميش».
إنهم 72، بين سجناء على ذمة أموال، بلا ميسرة، هم من لبوا نداء الإضراب، الذي شمل أيضاً عديد سجناء على ذمة قضايا أخرى داخل السجن نفسه، وكان المعسر فهمي العزي محمد ناجي هو من أطلق الدعوة لرفاقه تحت شعار “حياتنا في تضامننا”.
وجاء في بيان أصدره بهذا الخصوص، حصلت «النداء» على نسخة منه، أنه «ما من حل للمعسرين غير اتحادهم وتنسيق خطواتهم»، لذلك فإنهم سيبدؤون “اليوم” (الأحد 1/3) إضرابهم المفتوح عن الطعام بعد أن وصلوا إلى مرحلة اليأس.
ولقد أكدت مصادر الصحيفة حجم التجاوب مع العزي بحيث صار يضرب عن الطعام، الآن, عدة سجناء متضامنون من غير شريحة المعسرين.
في ختام بيانه الذي ذيله بصفة الناطق الرسمي باسم سجناء معسري تعز، دعا فهمي العزي بقية السجناء المعسرين في الجمهورية إلى الانضمام إلى صفوفهم وعدم الرضوخ لتسلط واستبداد النيابة، و”موعد رمضان الذي تباهي به الحكومة في الإفراج عن السجناء، بينما الحقيقة أن المستفيدين أصحاب الوساطات”، حسب تأكيده.

***
 
10 سنوات بين المصحّة وعنابر الشريعة في مركزي تعز
مختل عقليا رهن 800 ألف ريال منذ 10 أعوام
 
لم تستثن النيابة العامة التي عقدت استمرار احتجازها للسجناء خارج فتراتهم القانونية حتى الرجل الذي صار مجنوناً في مركزي تعز، ذاك هو محمد عبدالله عثمان الضبوعي، 55 عاماً، أشد المحتجزين تضرراً وانقضت فترة عقوبته المحددة بثلاث سنوات قبل سبع سنوات إلا أنه ما زال محتجزاً ومختلاً عقلياً أيضاً.
في عنبر الشريعة وعلى سرير مصحة السجن، يمضي محمد الضبوعي عامه العاشر. لكن تردده على المصحّة ورقوده فيها بات الأغلب منذ حوالي 3 سنوات بسبب حالته الصحية المترية.
الضبوعي، بحسب سجناء قدامى، ضحيّة للنيابة التي جعلت مسألة الإفراج عنه مرهونة بسداد ما عليه 800 ألف ريال واستمرت في احتجازه فترة 10 سنوات: ثلاث منها بحكم قضائي و7 سنوات غير قانونية.
في مارس 99 أودعت نيابة التربة بالمواسط محمد الضبوعي السجن بتهمة السرقة، وبعد فترة محاكمة نطقت محكمة التربة الابتدائية بالحكم ضده: السجن 3 سنوات ودفع 800 ألف ريال. ووفقاً للقانون كان يفترض أن يحال إلى قاضي التنفيذ في مارس 2002 للنظر في قضيته والإفراج عنه وتحديد ما يجب، تقسيط المبلغ عليه أو أي إجراء آخر. لم تتخذ النيابة أي إجراء مماثل، وما يزال سجيناً لم يحدد مصيره بعد، ولم يحل إلى قاضي التنفيذ (ينتظر رحمة الرئيس والمحسنين منذ 10 رمضانات مضت)، ومازال سجيناً معسراً مختلاً يفتقد لأدنى مستويات العناية.
بالنسبة للعناية والاهتمام بوضعه، يفيد السجناء بأن الضبوعي عانى بشدة قبل عامين وكاد أن يتعفن من الوسخ وعدم النظافة. شارف على باب الوحدة والإهمال. لقد فقد أعز 3 أشخاص إلى قلبه، أحدهم السجين عبدالكريم الشرعبي على ذمة أموال عامة، “كان يدي له شاهي وخبز وكدم وينظفه ويغسله، مات داخل السجن. رفيقه الثاني أعدم قبل سنة وكان يواسيه ويخدمه. والثالث مات أيضاً في السجن”، قال أحد السجناء. لقد أفرج عمن قبله ومن بعده بيد أنه توفق بسجين نبيل وإنسان لا يفارقه إلاّ عند النوم اسمه فهد قشفر سجين على ذمة حقوق خاصة. ويقوم فهد بخدمة إنسانية عظيمة: “يغسله ويحلق له ذقنه وينتبه له بالأكلـ”. لقد ألفا بعضهما وشارفت مدة العقوبة المحكوم بها على فهد أن تنتهي ويتوقع أنه سيدفع ما عليه من مال وقد أصبح كلٌّ منهما يتوجس من فراق الآخر؛ فهد لا يحتمل أن يتركه وحيداً والضبوعي أيضاً يخاف من فراق رفيقه الوفي.
وقال السجناء إن الضبوعي لم يحظ بأكثر من زيارتين منذ دخوله السجن، وأنه يحترق شوقاً لرؤية زوجته وأولاده الذين لم يرهم في سجنه، لكنه لم يعد يدرك تصرفاته ولا يعي ما يدور حوله”.
السجناء على ذمة أموال خاصة وعامة يناشدون النائب العام والمسؤولين أن يضعوا حداً لمعاناة الضبوعي وإخراجه لأسرته للاعتناء به.

***
 
فقد أثمن ما لديه بسبب عجزه عن دفع قيمة علاجها: طفلته غزال التي فارقت الحياة بعد سنتين من تاريخ استحقاقه للافراج
عبدالعزيز يقدم للنيابة الدليل الأقوى لإثبات إعساره
 
قبل سنتين، توفّيت الطفلة غزال عبدالعزيز ناجي حسن، 5 سنوات، بعد صراع مرير خاضته مع المرض فيما بقي والدها عاجزاً عن إنقاذها أو عرضها على أحد الأطباء.
لقد كان مسجوناً على ذمة حقوق خاصة. إلاّ أنه يعتبر نفسه مقصراً ومذنباً و ما يزال يردد: “أنا مذنب ولن أسامح نفسي ولا النائب العام في جريمة موت فلذة كبدي أمامي ولم أستطع فعل شيء”.
يعتقد السجين عبدالعزيز، 40 عاماً، أنه كان بإمكانه إنقاذ حياة ابنته أو حتى عرضها على دكتور، على الأقل، لو كان خارج السجن ولو أن النيابة لم تنتهك القانون بإبقائه محتجزاً رغم انتهاء فترة عقوبته.
يمضي عبدالعزيز ناجي حسن عامه السابع في السجن المركزي بتعز، 3 منها بحكم قضائي من محكمة استئناف تعز، و4 بجهل قضائي مازال يدفع ثمنه. فقبل أربع سنوات انتهت فترة العقوبة المحكوم بها عليه ويفترض أن يغادر الحبس، آنذاك، لو عمل بالقانون الذي دخل السجن بدعوى تطبيقه.
وفي لقطة تحسرية وتخيلية تصور الرجل نفسه موجوداً خارج المعتقل لحظة مرض طفلته، وقال: “لو قد كانت النيابة أفرجت عني قبل ما تمرض بنتي كنت أقدر على الأقل أشتغل وأعالجها وأشتغل وأرجع بيس الناس اللي عليَّ”. ويعود إلى واقعه في صورة تقارن بين ما كان يجب أن يحدث وما حدث: “واليوم جالس محبوس لا قادر أسدد ما علي، ولا قادر أخرج أشوف بقية العيالـ”.
من جوف قسم المعمل يطلق تنهداته المجروحة التي لازمته منذ فارقت ابنته الحياة، وفقاً لرفاقه في القسم: “آه! آه!! غزال في ذمتكم يا مسؤولين”. وصار لا يثق بأحد يعده بالعمل على إخراجه من السجن. وفي حديثه إلى “النداء” قال: “مو شاتعملوا لي!؟ ما عاد نصدقش أنفسنا”. موضحاً السبب الذي جعله يتعامل مع الآخرين هكذا: ” نزلوا يسجلوا أسماءنا، المعسرين، برمضان، لكن كذب ومكذابة. كثر الكذب والبيع والشراء. يجوا يسجلوا ويخرجوا غيرنا”.
ويشكو كافة المعسرين من المشكلة ذاتها: تسجيل أسمائهم والإفراج عن آخرين ممن “معهم وساطة، ويدوا زلط للمسؤولين على التسجيل ويخرجوا حتى لو عادهم جدد”.
قبل سجنه كان عبدالعزيز يعمل في بقالة لبيع المواد الغذائية في جبل صبر بمحافظة تعز، وفي يوم ما استدان من أحد معارفه. بيد أن الدين تحول بعد خلاف بينه والشخص الذي أقرضه إلى تهمة بالسرقة في محكمة صبر.
وأصدرت المحكمة وأيدتها الاستئناف حكماً ضده قضى “بسجنه 3 سنوات وسداد 2 مليون و400 ألف ريالـ”. نفذت النيابة الحكم وسجنت الصبري 3 سنوات، وعندما أفادها بأنه مفلس ولا يستطيع سداد المبلغ قررت مواصلة احتجازه “حتى الموت أو سداد المبلغ”، قال. وهنا بدأت بانتهاك القانون ومخالفته.
لم تفكر النيابة في مسببات وفاة طفلته “غزالـ” التي فارقت الحياة بسبب عدم امتلاك والدها قيمة علاجها الذي ربما لا يتجاوز 20 ألف ريال؛ فكيف سيكون باستطاعته دفع مليونين ونصف (بالله عليكم!)!؟ وهل يعقل أن يضحي بأغلى ما لديه ثمناً لإثبات إعساره للنيابة، ويطلب من عبدالله العلفي النائب العام أن يضع نفسه في مكانه: “ماذا لو كنت معسراً في مركزي تعز وكانت غزال ابنتك!؟ وهل سيؤثر فيك الموقف لو كنت سجيناً آخر!؟”!؟
 
…وأخرى تستظل بسيارة محافظ تعز
وحيدة تكافح، الطفلة أسماء عبده جسار، ذات ال12 ربيعاً، من أجل توفير لقمة العيش لها ولأسرتها: والدتها وإخوانها وهم أصغر منها سناً.
في الصباح تدرس “أسماء” في الصف الرابع الأساسي. وأثناء عودتها من المدرسة تمر بجوار مبنى محافظة تعز للعمل في مسح زجاج السيارات لقاء مبلغ زهيد تطعم به والدتها وإخوانها بعد أن تخصم منه 100 ريال حددتها لوالدها المسجون على ذمة مال خاص.
من المفروض أن عبده جسار ودع السجن المركزي بتعز في 2006، وفقاً للاستحقاق القانوني للإفراج عنه. لكنه لم يحدث، وتوجب على الطفلة، التي لم تهنأ بطفولتها، أن تتحمل المسؤولية وأعباء النفقة.
أحد الزملاء وجد “أسماء” مستظلة جوار سيارة المحافظ ترقب عن بعد قدوم أصحاب السيارات لتقوم بمسح الزجاج الأمامي للسيارة مقابل مبالغ ضئيلة تجمعها لشراء الغداء لأسرتها. وأفادت بأنها تضطر الذهاب إلى مدرستها صائمة وأنها تواصل صيامها أحياناً إلى وقت العصر.
شاحبة وفحمية الوجه تواجه “أسماء” قدرهم الذي أرادته لهم النيابة باحتجازها لعائلهم “ظلماً” منذ 3 سنوات. وتقول إن أباها معدم وينتظرها ظهر كل يوم لإعطائه 100 ريال.
فوالدها أكمل فترة العقوبة المحكوم بها عليه قبل 3 سنوات وبقي احتجازه رهن سداد المبلغ المالي الذي عليه. وتعيش مع أسرتها في منزل مهترئ من 3 غرف بإيجار شهري 15 ألف ريال وهو ما يضاعف عناءها وجهدها التي تبذله.
وإلى محافظ تعز وجهت “أسماء” مناشدتها العاجلة لفك محنة أسرتها، وقالت: “المحافظ يستر يخرج أبي من الحبس ويرجع يشتغل ويصرف على إخوتي وأنا أدرس وبس”. ولكي يتأكد محافظ تعز من حقيقة المأساة التي تعيشها الطفلة التي أغرقت والدها الديون ما عليه سوى إزاحة الستارة قليلا ورؤية “أسماء” الواقفة إلى جوار سيارته.