القضية الجنوبية.. قراءة في الأسباب والتداعيات – شفيع محمد العبد

القضية الجنوبية.. قراءة في الأسباب والتداعيات – شفيع محمد العبد

إن القضية الجنوبية هي تعريف عميق لمعاناة شعب وجد نفسه خارج المعادلة السياسية، وواقعا تحت حرب أباحت نهب الأرض والثروة وتسريح أبنائه من وظائفهم؛ شعب فقد الأرض والثروة وبات مهدداً بفقدان الهوية. القضية الجنوبية هي نتاج طبيعي للواقع المفروض منذ حرب صيف 94 التي قضت على المشروع السياسي الحضاري الذي ضحى من أجله شعب الجنوب بدولة ذات سيادة ولها الشخصية الدولية. على أن بدايات القضية الجنوبية كانت منذ اللحظات الأولى لميلاد الوحدة، حيث تم قتل أكثر من 151 كادرا من الجنوب، وقصف منزل رئيس البرلمان الدكتور ياسين سعيد نعمان، ومنع رئيس الوزراء المهندس حيدر العطاس من دخول صنعاء، وغيرها من الممارسات الاقصائية.
فمحاولة طمس تاريخ الجنوب تم من خلال محاولات التأسيس لتاريخ جديد يقوم على مفاهيم “عودة الفرع للأصلـ” و”واحدية الثورة” و”استعادة تحقيق الوحدة اليمنية” و”الوحدة الوطنية” و”عيد الجلاء”. حتى أسماء المدارس والشوارع والساحات العامة والمعسكرات والمعالم تم استبدالها بأسماء جديدة تتواكب مع مرحلة ما بعد الحرب والتي أعادت إنتاج الجمهورية العربية اليمنية.
كما أن مؤسسات الجنوب الناجحة هي الأخرى تعرضت للنهب والتدمير والخصخصة. وما ميناء عدن ومطارها وتلفازها إلا دليل إدانة.
لقد تقاسموا أرض الجنوب ووزعوها فيما بينهم “كانتونات”، ولم يتبق إلا البشر لتقاسمهم!
إن الحراك الجنوبي الرافض للواقع المفروض عليه، كانت بداياته الأولى منذ لحظات اجتياح الجنوب واستباحت أرضه وثروته وتقاسمها، وتشريد كوادره وتسريحهم من أعمالهم وحرمانهم من حقهم في الأرض والثروة.
على أن حركة التصالح والتسامح الجنوبية والتي انطلقت من جمعية ردفان الخيرية بعدن والتي كان جزاؤها الإغلاق حتى اللحظة، تلك الحركة هدفت إلى توحيد الصف الجنوبي وتجاوز خلافات الماضي ومآسيه. ووحدها الشعوب الحية تملك القدرة على تحويل ذكرياتها المأساوية إلى لحظات للتصالح والتسامح، الأمر الذي أزعج السلطة، وبدلاً من التفكير جدياً في السعي لتكريس قيم التسامح والتصالح مع الجميع، ذهبت وبكل ما أوتيت من قوة لمحاولات إجهاض الحركة ولو استدعى الأمر استخدام القوة. وقد رأينا كيف واجهت مهرجانات التصالح بالرصاص الحي والمسيل للدموع والزج بالكوادر في السجون وتقديمهم للمحاكمات… ففي أول مناسبة للتصالح كانت النتيجة إغلاق مقر جمعية ردفان الخيرية، وفي المناسبة التي تلتها حاولت منع المهرجانات واستخدام أنصارها للزج بهم في مواجهة إخوانهم، وفي المناسبة الثالثة سقط شهيدان، وفي التي تلتها شهيد، إضافة إلى عدد من الجرحى والمئات من المعتقلين، وعدد آخر من الشهداء والجرحى في بقية مهرجانات الجنوب وفعالياته السلمية…
كل ذلك لم يثن أبناء الجنوب، وإنما زادهم صلابة وإصرارا على المضي قدماً لتحقيق أهدافهم.
كثير من حقوقنا في الجنوب تهدر. فبعد الأرض والثروة، هاهم يحاولون منعنا من ممارسة حقنا في التجمع السلمي وحقنا في تأسيس الجمعيات، وحقنا في التنقل والسفر، فهاهم قيادات وناشطو الحراك يسكنون الجبال، هرباً من مطاردات وملاحقات السلطة لهم، حتى الحصانة البرلمانية لم تشفع للنائبين الخبجي والشنفرة.
أعلمكم أن المناضل حسن باعوم لم يتمكن من الذهاب إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، بسبب الملاحقات الأمنية له، واضطر إلى إجرائها بالطرق البدائية يوم الخميس الماضي.
قبل الحراك الجنوبي كان الآخر (اقصد السلطة والمعارضة الشمالية) يرفض الحديث عن شيء اسمه قضية جنوبية، وإنما يتحدث عن مطالب حقوقية، بل إنه كان يتحدث عن إزالة الآثار السلبية للحرب، بمعنى أنه يعترف بأن هناك آثارا إيجابية للحرب، وهي الحرب المنبوذة في كل الديانات والأعراف والتشريعات. ومع ازدياد وتيرة الحراك وارتفاع سقف مطالبه ووصوله إلى كل بيت في الجنوب، سارع البعض إلى تغيير مفاهيمه وبات يتحدث عن “القضية الجنوبية”، ولكن وفق مفهومه الذي لا يرتقي إلى مفهوم الشارع الجنوبي لها.
تتحدثون اليوم عن التشاور الوطني تحت مظلة الوحدة والديمقراطية، دعوني أسألكم:
عن أي وحدة تتحدثون!؟ وفي ظل أي ديمقراطية ستتشاورن!؟
الوحدة التي تتحدثون عنها لم يعد لها وجود، فنحن نعيش حالة انفصال منذ 94. ووحدة مايو لم يتبقَّ منها إلا العلم والنشيد.
المطلوب من حزب الإصلاح، كعضو في المشترك وعضو في التشاور الوطني، أن يبدي حسن نية تجاه القضية الجنوبية والحراك الجنوبي والشعب في الجنوب، من خلال الاعتذار عن مشاركته في حرب صيف 94، واعتذاره عن الفتوى الدينية التي شرعت للحرب، وأن يعيد ما استولى عليه قادته من ممتلكات وأراض في الجنوب بعد الحرب وعلى رأسها منزل المناضل علي سالم البيض.
القضية الجنوبية باتت ملكا من أملاك الشارع في الجنوب، وأي محاولة لإيجاد حل لها أو التشاور حولها بعيدا عن أصحاب الحق سيكون مصيرها الفشل.
[email protected]
 
* مداخلة للكاتب مقدمة إلى ندوة اللقاء التشاوري حول القضية الجنوبية – صنعاء، 1 مارس 2009