بين يدي مؤتمر نقابة الصحفيين.. حتى لا نعود إلى عهد ذاكرة الشامي – عارف أبوحاتم

بين يدي مؤتمر نقابة الصحفيين.. حتى لا نعود إلى عهد ذاكرة الشامي – عارف أبوحاتم

اسمه طلعت يعقوب الغصين، واسم مذكراته الهامة “خمس جنسيات والوطن واحد”. هو ابن أبرز رجال حرب 1948 الفلسطينية. جاء بداية الخمسينيات ليعمل مدرساً في تعز. ولأنه يجيد الإنجليزية والفرنسية اقترب من الإمام أحمد مترجماً، وما لبث أن تحول إلى محرك فعلي لوزارة الخارجية. وحين قرر الإمام مفاوضة الإنجليز في لندن، أرسل وفد اليمن. وقبيل تحرك الوفد من الفندق إلى مقر وزارة الخارجية وسط لندن، “أبرق” الغصين إلى الإمام أن الوفد اليمني ليس لديه وثائق يفاوض بموجبها، فرد مولانا: “اسألوا محمد الشامي، هو داري بكل شي”، ويمضي الغصين: “هكذا فاوضنا الإنجليز معتمدين على ذاكرة الشامي”.
الأسبوع الماضي كنت في مقر نقابة الصحفيين أبحث عن توصيات المؤتمر العام الثالث كي أقرأها، ثم ألتقي أمين عام النقابة وأتحدث معه حول ما تم إنجازه في الدورة الحالية، وما تم ترحيله إلى الدور القادمة.
النقيب، ومدير مكتبه، والوكيل، والأمين العام، وعدد من أعضاء المجلس، والسكرتارية، والأرشيف والحارس، والتحويلة، ومحمد صدقة، لا أحد يعرف شيئا عن التوصيات، وأين هي. الأرشيف الورقي في “الكراتين” منذ عملية النقل إلى المقر الجديد. والأرشيف الإلكتروني فارغ. وموقع النقابة على “النت” فارغ إلا من الترويسة. وفي ليلة اليوم الرابع للبحث اتصل بي الأمين العام، مروان دماج (وهو من ألمع وأكفأ الزملاء في مجلس النقابة) يقول إنه سيترك لي التوصيات في مكتبه صباح اليوم التالي.
كدت أن أبحث عن ذاكرة الشامي لأعتمد عليها في الكتابة عن أدبيات نقابة الصحفيين، في العام 2009م، بعد أن أصبح العالم داخل “هارد” أو “فلاش” لا تزال النقابة داخل كراتين “20 جيجا”.
انتكاسة في المعرفة أن نعود إلى عهد ذاكرة الشامي في كل أمورنا، نحن الصحفيين، أو لنقل: نحن “بنادق العدالـ” الجاهزة بيد السياسيين، لنقف هنا ونتذكر ما الذي فعلناه بأنفسنا وبالناس أيضاً.
لقد استطاع قادة الأحزاب أن يقنعونا بأنهم يناضلون من أجل الوطن، وقضاياهم هي جوهر مصلحة الشعب، وليس فيها اعتمادات رئاسية، ومنح دراسية لأولادهم، وصرف أراض وسيارات. كم أسلنا من الحبر والوقت والجهد ونحن نكتب في كل صحيفة، وداخل كل عدد: الأحزاب ترفض، الأحزاب تحاور، الأحزاب تؤكد، الأحزاب تنفي… والأحزاب لم تفتح فمها بكلمة واحدة تقول فيها: الصحفيون يعيشون وضعاً مهيناً، رواتبهم لا تكفي قوت أسبوع، وقانون الصحافة أصبح غير صالح للاستخدام الآدمي، حتى مقرات فروع نقابتهم إيجار. فقط يتصلون مساء يملون علينا قناعاتهم: أقرؤوا مقال فلان وردوا، اكتبوا عنهم، خلوا العنوان الرئيسي مثيرا… ومسكين الصحفي، يسهر ليلة الإخراج بلا عشاء، وأولاده في البيت بحالة استنفار من طرقات المؤجر.
لقد وصلت العلاقة بين الصحفيين وقادة الأحزاب إلى درجة اقتنع فيها أن السياسيين عندما يحلفون يقولون: الله يعدمني رأس ثلاثة صحفيين إنه… والله وفوق رؤوس هيئة التحرير ما حصل اللي تقصده. وعند العزائم: حرام وطلاق من رئيس التحرير ان الغداء عندي.
الصحفي يا (…) بحاجة إلى تأمين سكن ينام فيه مع أولاده، بدلاً من الشتات ودفع الجزية (الإيجار) نهاية كل شهر، على الأقل نطالب الحكومة بمساواتنا بـ”الأخدام” (المهمشين)، أو لا مانع من إعلان أعضاء النقابة حالة “يَهْوَدَة” جماعية مؤقتة على بال ما يصرفوا لنا مساكن تؤمن حياة أولادنا كما فعلوا مع يهود عمران.
هناك مسائل هي جوهر مطالبنا من قيادة النقابة الجديدة: العمل على إيجاد أراضٍ أسوة بأعضاء اتحاد الأدباء أو مساكن أسوة بالأخدام أو اليهود، ونريد تأمينا صحيا والتعاقد مع مستشفيات لائقة بمجانية علاج الصحفيين وأسرهم، كما فعلت نقابات الصحفيين في كثير من الدول العربية، فهناك لكل صحفي تخفيض 50% من كلفة فواتير الهاتف والماء والكهرباء والنقل، إضافة إلى التأمين الصحي.
وتدفعنا الحاجة إلى إعادة النظر في عدة أمور مهمة:
– علاقة الأحزاب بالصحفيين، خصوصاً العاملين في صحفها، عليها التعامل معهم باحترام وتقدير قبل أن يدع الصحفيون مقرات صحفهم للرياح، ولننظر من سيبحث عن الآخر.
– القانون الحالي للصحافة و”المعطوبات” لم يعد صالحاً حتى للف الزعقة والمقرمش. ولو وجدت صحافة قبل الإسلام لرفض سادة قريش هذا القانون، وسيعتقدون أنه من مخلفات حمورابي.
– ما يؤلم هنا هو تصريحات أخونا العزيز نبيل شمسان، نائب وزير الخدمة المدنية والقائم بأعمال الوزير، مرة يفرحنا بحكاية التوصيف الإعلامي، وفي اليوم التالي يصرح -وعبر الصحافة أيضاً- أنه تصنيف وليس توصيف.
يا زملاء المهنة إذا تركنا الحبل على غاربه لن نحصل إلا على “توطيف”، لا توصيف ولا تصنيف، “توطيف” فقط، و”وطاف” لكل صحفي، و”التوطيف” ضروري يوصل إلى المناطق النائية. يجب أن نتبنى حقوقنا، ويجب على الأحزاب أن ترد لنا شيئاً من الجميل وتعتبر قضية التوصيف والكادر الإعلامي قضيتها الأولى.
أعرف وأدرك جيداً أننا لن نجد نقيباً أفضل وأكفأ من النقيب الحالي، نصر طه، فالرجل لا يدخر جهداً، ولا يترك فرصة لقاء بقيادة الدولة إلا وكانت مشاكل الصحفيين حاضرة بين يديه، سواء كانت فردية كمساعدات وعلاجات، أم جماعية كقضية الكادر والتوظيف الإعلامي، ويكفينا أنه بعد أقل من عامين على انتخابه استطاع تمليك مقر للنقابة، وفتح علاقات واسعة مع المنظمات الدولية من أجل دعم الصحفيين بالدورات التأهيلية، وتبني مشاريع إعلامية واسعة، لكن –وما أسوأ لكن!– كم سيكون بمقدور الرجل مواجهة المشاكل التي لا تنتهي!؟ الأحزاب لا تفعل شيئا تجاه الصحفيين، والصحفيون لم يتفرغوا لقضاياهم، مشغولون بقضايا السياسة واتفاق الأحزاب واختلافها، والمنظمات المدنية تدرب 3 صحفيين على لبس البنطلون وتضبيط “المشطة”، وتستلم من المنظمات المانحة ما يعادل دية ثلاثة صحفيين.
أتمنى على الحكومة والأحزاب أن يعيدوا النظر في وضع الصحفيين المعيشي، حتى لا نجد أنفسنا، ونحن على أعتاب المؤتمر الرابع للنقابة، أن نصوت على استحداث “لجنة الاختطاف والتقطع”، نخطف كم مسؤول حتى يمرروا لنا قانونا يليق بالصحافة ويؤكد اعتماد التوصيف الإعلامي وبدل طبيعة عمل، ونختطف أولاد قادة الأحزاب بسياراتهم الفارهة، حتى تحترم الأحزاب صحفييها وترفع من مستحقاتهم المالية، وتؤمن لهم مساكن على نفقتها.
زملاءنا، أصبحنا نخجل من مهنتنا في كل مؤتمر صحفي وندوة وفعالية، ونحن نجد طابور المستولين باسم الصحافة. بالأمس كان السكرتير الصحفي لأحد الوزراء يقدم شكوى للنقابة من أن جماعة من المبتزين (ذكر 13 منهم) يحضرون في كل فعالية ينتظرون الأكل وبدل المواصلات، ولا عمل لهم ولا لصحفهم. يجب أن تكون للنقابة وقفة جادة مع هؤلاء المبتزين، ولو استدعى الأمر رفع قضية في المحاكم، والمطالبة بحبسهم، حتى يدعوا لمهنة الصحافة شأنها وكرامتها. وفي الوقت ذاته يجب على وزارة الإعلام أن تلغي تراخيص الصحف التي يتسولون باسمها، فهذه صحف لا تصدر، ولا يوجد لها هدف غير تشويه سمعة الصحافة، وتدنيس كرامتها، والحط من قيمتها.
وتستدعي الضرورة الحديث عن تنقية جداول النقابة من شخصين: الأول غادر مهنة الصحافة إلى مهنة أخرى حكومية، دبلوماسية، أكاديمية، وهؤلاء يجب أن تجمد عضويتهم إلى أن يعودوا إلى مهنة الصحافة (هنا أسجل كملة شكر لسعادة السفير حسين العواضي الذي تقدم إلى النقابة بطلب تجميد عضويته عقب توليه وزارة الإعلام).
والشخص الآخر من ليس لديه عمل صحفي ولا مؤهل علمي متخصص، أو منتسب إلى وسيلة إعلامية لم يعد لها وجود. ويجب على لجنة الفرز والتدقيق في طلب العضوية في القيادة الجديدة ترك العاطفة والحزبية خارج مقر النقابة عند استلام ملفات المتقدمين، وأن يشترطوا مؤهلا علميا متخصصا زائدا سنة خبرة في كل متقدم، أو سبع سنوات خبرة ميدانية في كل من ليس لديه مؤهل علمي متخصص، وإيجاد آلية تنسيق بين النقابة ووزارة الإعلام في شروط من يحصلون على تراخيص إصدار الصحف، حتى لا تتحول إلى دكاكين، وشروط أخرى فيمن يتولون رئاسة التحرير.
صندوق الرعاية الاجتماعية هذا (والغيبة حرام!) نفتري عليه في كل مؤتمر عام، ونتحدث باسمه في كل برنامج، وأصبح كل مرشح يتحدث عنه وكأنه صندوق خشب لوضع المقترحات. لا أريد أن أكتب أو أضغط بهذا الاتجاه، لأنني أعرف أن قيادة النقابة ستقول: “ما تفعل المرة الحنك بالبيت العطل!؟”. ومع ذلك أقول: هناك حلول يمكن أن تؤسس لهذا الصندوق، منها الملايين التي تنفق في كل مؤتمر عام على أعضاء الجمعية العمومية، لماذا لا توفر ونكتفي بمندوبين عن المحافظات، كما يفعل إخواننا في نقابتي الأطباء والمحامين، سنوفر مبالغ محترمة يمكن أن تكون نواة خير لصندوق الرعاية.
وأخيراً أيها الزملاء، من يحمي الناس منا؟! شكاوى الناس في تزايد من تطاول بعض الإعلاميين وتسليط أقلامهم في كل قضية شخصية أو عامة، حتى أصبحنا نأكل بعضنا بعضا، وتلك إحدى نتائج غياب ميثاق شرف يوحد قيم مهنتنا، ونأمل أن يخرج مؤتمرنا القادم به.
أحترم كثيراً أقلام زملائنا المدافعين عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان، لكن هناك من يسيء للحرية باسمها، ويعتدي على حقوق الناس باسم حرية الصحافة. وإجمالاً أتمنى على أعضاء المؤتمر العام الرابع التصويت لصالح إيجاد مجلس تأديبي للنقابة على غرار ما هو حاصل في نقابة المحامين.
[email protected]