صائن محركات الطيران الذي صار بائعاً للتوت! – ياسر المياسي

صائن محركات الطيران الذي صار بائعاً للتوت! – ياسر المياسي

في أواخر السبعينيات شد أيوب سلطان عبدالله فارع أحزمته من منطقته في الحجرية جنوباً إلى مدينة عدن للدراسة والتحصيل العلمي، فالحجرية كانت بمثابة الحديقة الخلفية لتلك المدينة، والفارق الجغرافي لم يكن بعيداً، فقط بضع كيلومترات مشياً كفيلة بوصولك إلى حيث يتعانق البحر والجبل، فيما لا تزال إلى اليوم جذور الحجرية في عدن تروي وحدة واندماج اليمنيين، وخلال فترات متعددة مثلت عدن منارة جاذبة للعلم والاقتصاد. لقد أكمل أيوب مراحل دراسته في عدن بتفوق كبير، فالفتى قصير القامة هادئ الطباع كان له هدف مهم هو النجاح والتميز ومواصلة دراسته العليا. مجموعه الكبير في الثانوية العامة أهله للحصول على منحة للدراسة في الاتحاد السوفييتي سابقاً في مجال “الصيانة الفنية لمحركات الطيران” تخصص متميز وهام. وبشغف علمي استمرت دراسته ست سنوات استطاع خلالها تحقيق النجاح والتميز. إن فرحة النجاح ارتسمت عريضة في وجهه ليعود سريعاً عام 1997 إلى العاصمة صنعاء للحصول على وظيفة في تخصصه الذي كان من التخصصات النادرة والمطلوبة.
قدم ملفات نجاحه إلى جهات متعددة عله يحظى بسباق الرد والترحيب ولم يكن يخطر بباله أن أمنيته صعبة المنال!
قدمها للهيئة العامة للطيران المدني، القوات الجوية والدفاع الجوي، ووزارة الدفاع. وفي القوات الجوية خاض أيوب امتحاناً للقبول واستطاع التفوق فيه، لكنه لم يحصل على مراده فالأمور بدأت تتعقد أمامه، وبدأت التزامات وظروف الحياة تشتد عليه بقسوة، بدأ التفكير بمشروع عمل آخر لعله يزوده بطاقة الاستمرار لمواصلة مشوار البحث.
منذ عام 1998 شرع في تأسيس عدة مشاريع فشلت ولم يكتب لها النجاح. استلهم أيوب عشقه للكيمياء التي حقق فيها 98% في الشهادة الثانوية، حيث جعله ذلك يفكر بمشروع يمزج فيه المركبات للحصول على لذة مشروب تنسيه مرارة الانتظار والبحث عن وظيفة، فكان موعده مبكراً مع التوت المشروع الذي نجح فيه منذ عام 2000 وحتى الآن فيما كان توقع أيوب أن المشروع سيكون قصيراً لحين الحصول على وظيفة ولم يكن يعلم أن قصة من العشق والغرام بدأت تنسج بينه وبين هذا المشروب. يقول أيوب إن أولى العقبات التي واجهته هي البحث عن مكان متميز يعج بالحركة فكان التفكير في شارع الزبيري، لكن الإيجارات هناك غالية، ويؤكد أنه بعد بحث وتعب حصل على مدخل بسيط بعرض 65سم في طول خمسة أمتار أمام البنك الإسلامي، واستطاع أن يجعل من حيز المكان الضيق متنفساً يأوي إليه من قسوة الحياة رغم أنه لم يتسع لشخص آخر غيره وشهاداته الأكاديمية العليا!
مع المكان يبدأ أيوب رحلة عمله اليومية من الثامنة صباحاً وحتى الثانية عشرة ليلاً. وخلال مرحلة عمله استطاع توفير مبلغ الزواج وفتح بيتا، وفوق ذلك صنع مع المكان ألفة تتعمق بداخله يوماً بعد يوم، تخفف عنه مرارة الواقع.
اليوم يحدثك أيوب عن السنوات التي مضت وعما وصل إليه الحال، يتحدث عن سنوات تحصيل علمي متعبة لا تُنسى مرارتها رشفة من توت. فيما يزال يحلم أن يحصل على وظيفة حتى يبرهن مصداقية نجاحه وحتى لا يرى في الشهادات التي حصل عليها أنها صارت نقمة عليه، كما أن الكثير يريد برهنته.
مساءً يغادر أيوب ويغلق دكانه الصغير وسط المدينة، وينام لعله يحصل على أمنيته، لكنه ينهض باكراً لصنع التوت والتفكير بيوم آخر جديد ولعل صاحبنا بالتأكيد يجبر سلواه حين يستعرض شريط أيامه المقهورة مدندناً بحزنٍ مع سميه الفنان أيوب وهو يغني: “صابر صبر أيوبـ”.