ما الذي يمثله الصحفي بالنسبة للحكومة؟

ما الذي يمثله الصحفي بالنسبة للحكومة؟

انتهت احتجاجات الصحفيين في المؤسسات الحكومية بشأن تحسين وضعهم الوظيفي بوعد حكومي تبين لاحقا أنه ليس أكثر من التفاف ومؤجل النفاذ كذلك، لكنها مع ذلك تسعى لاستخدامهم كرأس حربة في طريق مساعيها للوصول إلى نقابة موالية تماما.
تفضل الحكومة الاستمرار في طريقتها القديمة للتعامل مع الصحفيين العاملين في مؤسساتها. ففي الوقت الذي تبدي المزيد من التجاهل لمطالبهم بشأن تحسين أوضاعهم الوظيفية، فإنها تستعد للزج بهم في معركة حاسمة بالنسبة لها: السيطرة على نقابة الصحفيين منتصف مارس المقبل.
ابتداء من السبت يواصل الصحفيون في عدد من المؤسسات الصحفية الحكومية تنفيذ إضراب جزئي في محاولة للضغط على الحكومة كي تعيد النظر في ما قررته حيال مطالبهم الأسبوع الفائت.
فبعد عدد من الإجراءات الاحتجاجية، منذ منتصف الشهر الجاري، وصولا إلى رفع الشارات الحمراء، انتهت كل تلك الضغوط بوعد حكومي مؤجل النفاذ للتوصيف ابتداء من مطلع العام المقبل.
وقد استقبلت بعض قيادات المؤسسات الإعلامية القرار الحكومي بحفاوة لافتة وترحاب، لكن الأمر لم يستمر طويلا ليتبين أن ما أقرته الحكومة لم يكن سوى التفاف على مشروع التوصيف الإعلامي الذي قدمته نقابة الصحفيين، وسبق لرئيس الجمهورية توجيه الحكومة منتصف العام الفائت بتحسين الأوضاع الوظيفية للصحفيين العاملين لديها.
وقد لزمت القيادات الإعلامية التي رحبت بالوعد الحكومي الصمت حيال هذا الالتفاف، بينما انخرط الصحفيون في وكالة سبأ والثورة، والجمهورية، في تصعيد جديد: تنفيذ إضراب جزئي منذ السبت، رفضا للقرار الحكومي.
طبق لجنة متابعة التوصيف الإعلامي المشكلة من الصحفيين، فإن الإضراب الجزئي سيستمر حتى الخميس، ولمدة ساعة في الفترة المحددة من الخامسة من مساء كل يوم.
وهددت اللجنة في بيان لها بتصعيد احتجاجاتها “حتى تتحقق المطالب المشروعة التي تحقق الأمن المعيشي للصحفيين”، ولوحت بالوصول إلى الإضراب الشامل حال تجاهل المسؤولون في المؤسسات الحكومية تلك الاحتجاجات.
حتى الآن لم تبد الحكومة اكتراثا بمطالب الصحفيين والإعلاميين رغم ضآلة عددهم بالنسبة الى العاملين في بقية المهن الأخرى في سجلات الخدمة المدنية.
لكنها تهتم في الوقت نفسه بالصحفيين في ما يشبه الاستخفاف للتعامل معهم كحشد انتخابيي ضمن مساعي السيطرة على مقاعد نقابة الصحفيين من خلال المؤتمر العام الرابع الذي يتم التحضير له الآن.
بحسب معلومات حصلت عليها “النداء”، فإن قيادات عدد من المؤسسات الإعلامية الحكومية كثفت حشد منتسبيها استعدادا لانتخابات المجلس المركزي للنقابة ومنصب النقيب، وعقدت مؤتمرات داخلية مصغرة لتقديم مرشحين عنها الى المؤتمر العام، وتوجيه الصحفيين نحو خيارات محددة كنوع من الضغط.
ويسيطر منتسبو المؤسسات الصحفية الحكومية والإعلاميون في الإذاعة والتلفزيون على أكثر من ثلاثة أرباع سجلات عضوية النقابة البالغ عددهم حوالي 1400 صحفي وصحفية، بعد ضم ما يزيد عن 200 طلب الى قوائم عضوية النقابة قبل أشهر، جميعهم يعملون في مؤسسات حكومية، وخاصة صحيفة 26سبتمبر التابعة لوزارة الدفاع.
بالتزامن مع ذلك، كثفت قيادات في المؤتمر الشعبي العام اجتماعاتها مع مطلع الأسبوع، في معهد الميثاق بصنعاء، خصصت لمناقشة التحضيرات لمؤتمر النقابة، واستعدادات الحزب في هذا الصدد، وسط توجه متشدد يؤكد على ضرورة إخضاع النقابة، والتأثير على الصحفيين سيما في المؤسسات الحكومية لترشيح صحفيين موالين للحكومة.
وطبق مصادر خاصة فإن المؤتمر الشعبي خصص مبالغ مالية كبيرة، للتأثير على نتائج المؤتمر، وأقر صرف مبلغ 10 ملايين ريال كمرحلة أولى.
رغم إخفاق قيادة النقابة الحالية في تحقيق الكثير من مطالب الصحفيين، سيما في جانب الخدمات، فإن أداءها خلال الفترة الماضية، وعلى وجه الخصوص عامي 2004 و2005، كان مزعجا للسلطة من خلال نشاطها في جانب الدفاع عن الحريات الصحفية، وهو ما جعلها موضع سخط لدى قيادات رفيعة في الدولة.
وخلال العامين الماضيين دفعت الحكومة بالمزيد من التشريعات تستهدف بدرجة رئيسية حرية الصحافة وفرض المزيد من القيود عليها. وتسعى حاليا من خلال أغلبيتها في مجلس النواب إلى إقرار قانوني المعلومات، والاتصالات، لتشديد قبضتها على الصحافة، مع استمرار احتكار حق امتلاك محطات الإذاعة والفضائيات حصريا لمصلحتها.
عمليا لا تواجه الحكومة الآن عوائق كثيرة في طريق تشديد الخناق على الصحافة، سوى بعض ممانعات تصدر عن النقابة، إضافة إلى بعض منظمات المجمع المدني والأحزاب، وتتركز كل مساعيها الآن خلف الكواليس لإحكام قبضتها على النقابة، في طريق تمرير المزيد من القيود في وجه الصحفيين.
في المؤتمر العام الثالث، تغلبت الخيارات المهنية للصحفيين، ولم تفلح التوجيهات في التأثير على الكثير من العاملين في المؤسسات الحكومية، فهل ستنجح الحكومة في التعامل مع قادة الرأي العام المفترضين كما تتعامل مع المواطنين في أي انتخابات محلية او نيابية؟
اذا كان ثمة دليل ماثل لاستقراء مدى التقدير الحكومي لأبناء هذه المهنة النوعية، فليس هناك ما هو أفضل من التمعن في الطريقة التي تتعامل بها مع الصحفيين الذين يعملون في مؤسساتها. إنها تتملقهم بالوعود منذ أول مطلب بتوصيف وظيفي خاص سمي بالكادر قبل عشرين عاما.