فرانكشتاين خاص بصنعاء – منصور هائل

فرانكشتاين خاص بصنعاء – منصور هائل

استحضر الصديق، الذي اخبرني بمصرع شاب آخر مع غروب شمس الاثنين الماضي بمدينة جعار، بعض السوابق المماثلة.
وهو يعتقد أن عدد الضحايا وصل إلى ثمانية. وحدثني أنه يعرف بعض من قتلوا، ويعرف «الهندي» عن كثب، وهو شاب وسيم كان من نجوم منتخب مدينة جعار، ثم من نجوم محافظة أبين، وبعدها من نجوم المنتخب الوطني.
وقبل أقل من عام، وفي ظهيرة غبراء كان «الهندي» يزاول عمله كلحَّام في ورشة سيارات وحينما التفت ليجيب على من يناديه نخلته رصاصات فرقة الاعدام الراجلة وأردته في الشارع العام.
وكما صار مع غيره تبرع «فاعل خير» وغطاه بملاية أو شال، وتركه مضرجاً بدمه حتى المساء، وفي الليل تسلل بعض أقاربه أو أصحابه الجسورين ليأخذونه ويوارونه الثرى خلسة وتحت جنح الظلام وكأنه ابن زنى أو…!
ذلك ما حدث أيضاً للشاب سعيد عبدالله حنان يوم 27 ديسمبر الماضي أمام السوق المركزي، وما يمكن أن يحدث للمزيد من الشباب والشابات خاصة مع اندلاع موجة المنشورات الاخيرة التي وزعت في الشوارع ودخلت إلى البيوت ودعت إلى إقامة الحد على كل «فاجر» كما على كل «شاذ». وقد صرح محافظ أبين يوم الاثنين الماضي بأن جهات «خارجية» أو من خارج أبين تدفع بالامور وأنهم: «لن يمروا».!
ومن كلام صاحبي فهمت أن دماء ضحية الاثنين الفائت سوف تتبدد في جهات المدينة الاربع التي تتوزعها وتتنازعها الجماعات المسلحة، ولا يستبعد أن تدفن الجثة عميقاً في مقبرة الصمت الأسود، وأن يطويها الموقف العام بغلاف العيب ولا شيء ينتظر من أهال تلفهم أنفاس الضواري، ويقتلهم الحياء عندما يسمعون بما يحدث، ويجبرون على تكذيب ما تراه عيونهم لحساب تصديق ما تسمعه الآذان لقناعتهم بأن ما يحدث لا يصدق بالفعل لكن من المحرج تكذيبه!
على نفس الخط نفسه يرتسم موقف الهيئات السياسية والحقوقية والمدنية التي تتحرج هي الأخرى من الجهر في استنكار هذه الفظائع المخزية خشية من أن يقال إنها (…) و: «يا عيباه»!
ورغم زعم هذه الهيئات أنها حداثية ومدنية في كل شيء إلا أنها لا تستطيع البرهنة على ذلك وإنما تنغمس في العكس تماماً وتتوهم أن الأصوب هو تحصيل السلامة عبر تنكيس الرؤوس إزاء ما يمس «العورة» وما يمسخ الرجل إلى ذبابة غير قادرة على الوقوف في وجه هذه الجماعات التي تتربص بكل من تعتقد أنه «شاذ» جنسياً لتنفيذ حكم الاعدام فيه في الشارع وكأنها جهة الاختصاص في ضبط الآداب والسلوك وجهة القصاص المخولة بتطهير الأرض من المنحرفين والمتلايطين.
والواضح أن السلطات المحلية وفي المركز تركت هذه الجماعات تسرح وتمرح وتهدم وتحرق وتنهب وتسرق تحت نظرها وسمعها، وزادت على ذلك أن استصافت 150 من عناصرها في صنعاء للتحاور والتشاور، وصرفت لهم المرتبات والهبات والدرجات الوظيفية والرتب الامنية والعسكرية، ووعدت بدفع تكاليف من يرغبون في الزواج من بنات هذه الدنيا الزائلة وهيأتهم لمهمة (جهادية) جديدة!
والمصيبة أن السلطات في المركز تقفز سكرى من حافة الهاوية إلى جرفها، وتدفع بالبلاد إلى قعرها السحيق عبر اعتمادها على سياسة تسمين الكابوس وإطلاق عنانه وكأنها تستطيع ضبطه وتوجيهه بـ«الريموت» إلى النهاية. وهي بذلك تسقط من الحسبان حقيقة أن المتغيرات قد أكسبت هذا الكابوس خصائص فرانكشتاين.
ولمن لا يعلم فإن فرانكشتاين هو وحش آلي من ابتكار طبيب كان يطلقه لِيلْتهم من يشاء في طريقه إلى أن افتقد ذات يوم بوصلة توجيهه وإدارة التحكم فيه والسيطرة عليه، وارتد الوحش على صانعه الذي اخترعه وأكله، وذلك هو الحال الذي شارفت عليه اليمن في ضوء ما يتردد من أخبار حول اعتزام السلطات استخدام جماعات «الجهاد» الجنوبية لاغتيال ومواجهة قيادات وعناصر الحراك في المحافظات الجنوبية.
وكأي غبي في التاريخ والجغرافيا يبدو أن هذه السلطات لا تعلم أنه «حتى» الوحوش تنشحذ لديها غريزة البقاء وتتعلم من التجارب والاخطاء وتسترشد بحدسها الخاص ولا تقبل بتعليمات «الريموت» في كل حين وكل مرة.
[email protected]