أبرز العوائق: الفساد المتفشي، هشاشة القضاء، نظام مالي بدائي، أنظمة استثمار غير شفافة

أبرز العوائق: الفساد المتفشي، هشاشة القضاء، نظام مالي بدائي، أنظمة استثمار غير شفافة

اليمن تتقدم في مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2009 ضمن فئة الدول غير الحرة غالباً
*سامي نعمان
أحرزت اليمن تقدما في المؤشرات السنوية للحرية الاقتصادية لهذا العام، 2009؛ غير أنها لم تبرح النطاق ذاته الذي تتدحرج فيه مرتبة اليمن تارة بالتقدم، وتارة أخرى بالعودة إلى الخلف: نطاق الدول غير الحرة اقتصاديا في الغالب.
في التقرير السنوي لمؤسسة التراثHeritage Foundation وعملاق الإعلام الاقتصادي “وول ستريت جورنالـ”، لهذا العام، والذي تقيّم فيه سنويا مدى تقدم الدول في مجال الحرية الاقتصادية عبر قياس عشرات المؤشرات الاقتصادية تم اختزالها في عشرة مؤشرات رئيسية، حصلت اليمن هذا العام على 56.9 نقطة، لتبقى ضمن فئة الدول غير الحرة في الغالب، مقارنة ب 53.8 نقطة العام السابق؛ لتأتي في المرتبة 103 بين 179 دولة شملها مسح هذا العام، في حين كانت العام الماضي في المرتبة 125، بالنسبة ل162 دولة شملها التقرير.
وتأخذ فئة الدول غير الحرة في الغالب النقاط بين 50 – 59.9، وهو ما يعني أن التقدم الفعلي لا يقاس بترتيب الدولة قياسا لعدد الدول، بل على قيمة المؤشر العام ومدى تقدمه أو تراجعه، فهو الذي يصنف اقتصاد الدولة كاقتصاد حر، أو غير حر. وقياسا بذلك فإن التقدم هذا العام كان بنسبة 3.1 نقطة فقط.
وجاء التقدم الذي حققته اليمن هذا العام انعكاسا للتقدم الكبير في تأسيس الأعمال ومزاولة التجارة، طبقا لمقدمة التقرير؛ غير أنها لم تتخطَّ سوى دولة عربية واحدة هي الجزائر، إذ حلت العام الماضي في المرتبة 14 من بين 17 دولة شملها التقرير، لكنها هذا العام جاءت في المرتبة 13 على مستوى الشرق الاوسط وشمال أفريقيا (تشمل دول الإقليم إيران وإسرائيل)، وأتت بعدها من دول الاقليم سورية وإيران وليبيا. ورغم هذا التقدم الذي حققته اليمن، إلا أنها تراجعت في بعض المؤشرات، ليظل مستواها دون المتوسط العالمي للحرية الاقتصادية.
وفي خمسة من مؤشرات التقرير يُعتمد عليها كمعايير أساسية لقياس معدلات الحرية الاقتصادية في الدول، فإن مستويات اليمن جاءت بحدود المتوسط العالمي لتلك المؤشرات، بما في ذلك السياسة النقدية (الضرائب) وحرية التجارة.
أوضح التقرير أن اقتصاد اليمن يبقى معتمدا على قطاع النفط، وهو ما يمثل تقريبا ربع إجمالي الناتج المحلي للبلاد، الذي بلغ بحسب التقرير49.2 مليار دولار، بمعدل نمو يقدر ب3.2% عام 2006، ويبلغ معدل النمو الخمسي (5 سنوات)4.1%، فيما يبلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي قرابة 2.264 دولارا. وفي السنوات الأخيرة أدت الجهود المبذولة لتنويع القاعدة الاقتصادية إلى نمو في قطاع الخدمات. كما أن البيئة النظامية أصبحت أكثر كفاءة وترتيباً، غير أن اليمن ضعيفة في مؤشرات الأعمال المصرفية والبنكية، والسياسة المالية (السيولة، التضخم)، وحقوق الملكية، ومؤشر الفساد؛ وهو ما يقف حائلا دون بلوغ اليمن مستوى الدول الحرة في الغالب.
التقرير أشار إلى أن أحكام القضاء تخضع لمطالب الدولة، وأن تطبيق العقود ليس أمراً مضموناً، مشيراً إلى أن التدخل السياسي ما زال مستمراً في القطاع المالي، الذي ما زال متخلفاً ولا يخضع للرقابة القياسية ولا للأنظمة الدولية، فيما يستشري الفساد في الخدمة المدنية…
وفي خلفية تاريخية عن اليمن قدمها التقرير لتفسير جزء من التدهور الاقتصادي، أشار إلى أن حكومة الرئيس علي عبدالله صالح تستمر في مواجهة تحديات متقطعة، من قبل القبائل المنفلتة، والمتطرفين الاسلاميين الذين يرفضون الاصلاح الاقتصادي والتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، مشيراً إلى أن اليمن ذات المصادر الطبيعية الضئيلة، هي واحدة من أفقر بلدان العالم العربي. وقد بدأت الحكومة برنامج إصلاحات اقتصادية عام 2006 لدعم وتقوية القطاع غير النفطي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، لكن التراجع في إنتاج النفط، والهجمات الإرهابية، والمواجهات بين السنة والشيعة، والاختطافات قوضت السياحة والاستثمار الاجنبي.
“النداء” تستعرض فيما يلي قيمة المؤشرات اليمنية التي جاءت في التقرير، الذي صدر لأول مرة عام 1995، والهدف منه هو تطوير معايير تجريبية منظمة في الحرية الاقتصادية تكون أداة سهلة الاستخدام أمام صناع السياسة والمستثمرين، لاعتمادها على الدراسة التجريبية للبلدان المختلفة التي يشملها الدليل.
تأسيس الأعمال
مقارنة بالعام الماضي فقد حقق هذا المؤشر تحسنا كبيراً، وهو ما حسن حظوظ اليمن في التقدم النسبي، إذ ارتفع من 53.7% العام الماضي، إلى 74.ٍ9% هذا العام، متجاوزا المتوسط العالمي للمؤشر (64.3). وبشكل عام فإن الحرية الشاملة لمزاولة الأعمال التجارية تحظى -نسبياً- بحماية جيدة في ظل البيئة التنظيمية.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن الشروع بمزاولة المهنة يأخذ في المتوسط مدة 13 يوماً، مقارنة ب38 يوما بالنسبة للمتوسط العالمي. ورغم ذلك تبقى تكلفة الشروع بأي مشروع تجاري عالية، غير أن إجراءات الحصول على رخصة مزاولة العمل تظل أقل من المستوى العالمي ب18 إجراءً، والمدة أقل ب255 يوماًَ.
ممارسة التجارة
تقدمت اليمن في هذا المؤشر أيضاً، فمقارنة ب66.4 نقطة في العام الماضي، حصلت هذا العام على 76.2، أي أعلى من المتوسط الدولي (73.2). وذكر التقرير في هذا السياق أن متوسط قيمة التعرفة الجمركية كان 6.9% عام 2006، مشيراً إلى وجود عدد من العوائق التي تزيد من كلفة التجارة، ومنها القيود المفروضة على بعض الواردات، وضرائب الورادات، ومتطلبات الترخيص لبعض الواردات، والتنفيذ الهزيل لحقوق الملكية الفكرية، وعدم كفاءة إدارة الجمارك، والفساد… وكلها عوائق تضاف إلى كلفة التجارة، لافتا إلى أن اليمن تفقد 10 نقاط إضافية في هذا المؤشر لحساب العوائق غير الجمركية.
السياسة النقدية (الضرائب، الاقتراض الحكومي)
حافظت اليمن في مؤشر الحرية المالية على مستوى العام الماضي ذاته، 83.2%، الذي يعد أيضا Hعلى من المتوسط العالمي للمؤشر (74.9%). وطبقا للتقرير، تعد ضريبة الدخل منخفضة في اليمن، لكن معدلات الضريبة المفروضة على الشركات باهضة، إذ تبلغ أعلى قيمة لضريبة الدخل 20%، فيما تصل أعلى قيمة للضريبة المفروضة على الشركات إلى 35%. وأفاد بأن الضرائب الأخرى تشمل ضريبة الأملاك، وضريبة الوقود. وقد بلغ مجمل عائدات الضرائب 7.1% من إجمالي الناتج المحلي.
التدخل الحكومي في الاقتصاد
تؤمن كل من مؤسسة “هيريتاج فاونديشن” وصحيفة “وول ستريت جورنالـ” ذات التوجهات المحافظة، بضرورة تحديد دور الحكومة في الشؤون الاقتصادية وجعلها تهتم بأمور مثل إصدار القوانين والسهر على تطبيقها. وتعتقد المؤسسة والصحيفة بأن تواجد القطاع العام في الاقتصاد يعد أمرا سلبيا بحد ذاته، وفي العادة يكون على حساب الحرية الممنوحة للقطاع الخاص. وفي هذا الجانب سجل التدخل الحكومي اليمني في الاقتصادر تدهورا بما يقارب النقطة ونصف، فقد تراجع من 58.5 نقطة العام الماضي ليسجل هذا العام 57.1 نقطة، وهو دون المتوسط العالمي (65).
وأشار التقرير إلى أن إجمالي النفقات الحكومية، بما فيها الاستهلاك ومدفوعات التحويل، تبقى مرتفعة، وفي السنة الأخيرة فإن الإنفاق الحكومي قدر ب37.8% من إجمالي الناتج المحلي، مؤكداً أن تحسين النظام المالي من شأنه أن ينوع مصادر الاقتصاد، ويوجه مخصصات الإنفاق بشكل أكثر فعالية.
السياسة المالية (التضخم، السيولة، معدل الفائدة)
تحسن هذا المؤشر بشكل طفيف، إلا أنه يبقى دون المتوسط العالمي (74). وقد ارتفع هذا العام إلى 66.5 مقارنة ب62.9 العام الماضي. ووفقا لهذا المؤشر فإن معدلات التضخم مرتفعة، حيث بلغ متوسطها 13.8% بين عامي 2005 و2007 (قدرها في تقرير هذا العام 12.5%)، مفيداً بأن الحكومة تتحكم في أسعار الأدوية والمشتقات النفطية، وتؤثر على الأسعار من خلال الأنظمة والدعم والشركات المملوكة للدولة والخدمات العامة. ولفت التقرير أيضا إلى أن هذا المؤشر فقد 10 نقاط لحساب السياسات التي تتحكم في الأسعار المحلية.
الاستثمارات الاجنبية
تحافظ اليمن على مستواها المعتاد في مؤشر حرية الاستثمار عند منتصف المؤشر (50 نقطة)، إلا أنه يبقى هذا العام أعلى من المتوسط العالمي (48.8)، وقد بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى اليمن وفقا لتقرير هذا العام 384.7 مليون دولار.
وفي حين لاحظ التقرير أن الحكومة اليمنية ترخص للاستثمار الأجنبي في معظم القطاعات، وتمنح معاملة متساوية للمستثمرين المحليين والأجانب، وأن الاستثمار الأجنبي يتركز في قطاعات النفط والغاز والمعادن، الذي يخضع لاتفاقية تقاسم الإنتاج، وتحظر الاستثمارات الأجنبية في مجال الاسلحة وتصنيع المواد المتفجرة، والصناعات المضرة بالبيئة، وأيضا الاستيراد بالجملة أو التجزئة؛ أشار إلى أن اللوائح والأنظمة المتعلقة بالاستثمار غير شفافة وغير متجانسة في التطبيق، كما أن حل الخلافات وتنفيذ العقود أمر لا يعول عليه.
النظام المصرفي والتمويل
 النظام المالي الصغير لليمن ما زال متخلفاً وتهيمن عليه الدولة، وما زال بدائياً، لكن الحكومة اتخذت بعض الخطوات لتعزيز الإطار الإشرافي، ورغم هذا الإجراء إلا أن مؤشر اليمن المالي ظل في مستواه ذاته عند 30 نقطة دون المتوسط العالمي ب19.1 نقطة.
وذكر التقرير أن الائتمان المقدم لحسابات القطاع الخاص تمثل أقل من 10% من إجمالي الناتج المحلي، كما أن التوفر المحدود لأدوات التمويل يحول دون وجود نشاط تجاري أكثر حيوية ونشاطاً، مضيفاً أن القطاع البنكي غير كفؤ، ومرهق بالقروض غير المنفذة.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة تملك البنك المركزي اليمني كاملا، كما تملك أيضاً أغلبية رأس المال في ثلاثة بنوك متخصصة، ويقتصر الإقراض التجاري على دائرة صغيرة من الزبائن، نظرا لغياب القدرة القانونية على جمع الديون المتأخرة. فيما يبقى قطاع التأمين صغيراً، وأسواق رأس المال غير مطورة بالكامل، كما ولا وجود لسوق الأوراق المالية.
حقوق الملكية
يخضع النظام القضائي اليمني لضغوط الحكومة، وللفساد أيضا. يضيف التقرير أن عقود التمليك تنفذ بشكل هزيل، وأنه يجوز للأجانب تملك العقارات، ولكن يجب أن تعمل الشركات الأجنبية في اليمن من خلال وكلاء. أما بالنسبة لحماية حقوق الملكية الفكرية فهي غير كافية. وبموجب تلك المعطيات تبقى حقوق الملكية محافظة على المستوى ذاته عند 30 نقطة هذا العام، لكن أدنى من المتوسط العالمي ب 14 نقطة.
الفساد المالي والإداري
يتفشى الفساد في اليمن بشكل يمكن إدراكه، فاليمن تأتي في المرتبة 131 من بين 179 دولة في تقييم منظمة الشفافية الدولية للعام 2007، وهي من أفقر الدول، مع كثافة سكانية عالية، في ظل غياب للخدمات المدنية، كما تعاني من مشكلة بارزة ومعروفة على نطاق واسع، هي: الفساد؛ إذ تشمل الأنشطة غير المشروعة المندرجة تحت هذا الإطار: دفع الرشاوى لتسهيل أو عرقلة إقامة المشاريع، والاستقواء في تسوية النزاعات، والانحراف في تحصيل الجمارك والضرائب وملحقاتها، والانخراط في محاباة الأسرة أو القبيلة. وتبعا لذلك يشير مؤشر الفساد إلى أن اليمن تدهورت في هذا المجال إلى 25 نقطة، بفارق نقطة واحدة عن العام الماضي، وبفارق يقل 15 نقطة عن المتوسط العالمي.
توظيف واستبعاد العمالة
أشار التقرير إلى أن قوانين اليمن تتسم بنوع من المرونة التي تسهل فرص العمل للعمالة، وبالتالي النمو الإنتاجي؛ غير أن أجر العامل غير المقترن براتب ضئيل، ورفض العمالة الزائدة، سيكون عبئا كبيراً. وفيما يتعلق باللوائح المتعلقة بساعات العمل فهي مرنة نسبية، لذا حصلت اليمن في هذا المؤشر على 75.8، متراجعة عن العام الماضي بأقل من نقطة، غير أنها تبقى أعلى من متوسط دول العالم في هذه الجزئية (61.3).
الأرحبي: التقدم ثمرة نجاحات وجهود الحكومة
وكان نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير التخطيط والتعاون الدولي، عبدالكريم الأرحبي، في تصريح إلى “الثورة” قال إن هذا التقدم جاء ثمرة للنجاحات والجهود التي تبذلها الحكومة ممثلة بوزارة التخطيط والتعاون الدولي بالتعاون مع الوزارات ذات العلاقة في إطار مصفوفة الإصلاحات الوطنية التي تهدف إلى إجراء إصلاحات جذرية في الجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية والإدارية والمؤسسية وتحسين البيئة الاستثمارية.