ما نحتاجه اليوم – محمد الغباري

ما نحتاجه اليوم – محمد الغباري

انفجار في مبنى حكومي واشتباكات مع متظاهرين وهجوم على السجن المركزي في خنفر ومواجهات مع رجال الشرطة ومقتل أحد حراس مصنع اسمنت باتيس، الاجهزة الأمنية عاجزة عن القاء القبض على قتلة الطبيب درهم الراشدي.
ومع ذلك يتسابق الأفاكون على دفع البلاد إلى المزيد من المواجهات تحت غطاء الأغلبية وضرورة إجراء الانتخابات في موعدها.
إذا كانت الانتخابات وسيلة لحل المشكلات الداخلية فإنها في هذه اللحظة قد تصبح وسيلة للتدمير وجلب المشكلات، ولهذا فإن المبالغة في ادعاء الإخلاص للرئيس من خلال تسفيه الاطروحات التي تدعو للتوافق بين أطراف المعادلة السياسية، إنما يكشف مدى تغلغل المنتفعين داخل الحزب الحاكم وفي مفاصل السلطة.
لا توجد ديمقراطية بدون توافق، حتى في أعراق الديمقراطيات في العالم هناك تنازلات متبادلة وتوافق حول القضايا الأساسية، ولا يمكن لحزب حاكم أن يرى في نفسه الأحق في التصرف بأمور البلاد لمجرد أنه يمتلك اغلبية برلمانية، كما أن التحديات التي تواجهها اليمن تتطلب اعلى مستويات التوافق.
لا بد من الوقوف على أسباب هذا الانفلات الأمني المريع في محافظة أبين، ولا بد من تفعيل سلطة القانون في مواجهة قتلة الطبيب درهم الراشدي لأن أجهزة الدولة تعرف جيداً أين يختبئ هؤلاء ومن يوفر لهم الحماية والإيواء.
من حق زوجة صلاح الرعوي وأبنائها أن يسألوا عن أسباب إفراج النيابة عن المتهمين بقتل والدهم قبل ما يزيد عن عام، ولماذا لم تعقد المحكمة سوى جلسة واحدة وجمدت القضية إلى الآن. كما أن من حق عائلة عباس الغرباني أن يتيقنوا من أن المقبوض عليهم هم القتلة الحقيقيون لابنهم أم أن القبيلة ماتزال ستاراً واقياً لهؤلاء.
الناس معنيون في المقام الأول بسبل الحياة الآمنة والمستقرة قبل أن يذهبوا إلى صناديق الإقتراع، عشرات الآلاف من المشردين في وادي حضرموت يهمهم الحصول على التعويضات العادلة وبناء ما دمرته السيول قبل أن تحدثهم عن المرشحين وشخصياتهم وبرامجهم، وأي استقواء بالأغلبية العددية لفرض الأمر الواقع وتجاوز احتياجات الناس لن يؤدي إلا إلى المزيد من الاحتقانات.
اذا ما فاض الشعور بالظلم لدى الناس على أمانيهم وتطلعاتهم، فإنه لا شيء يعنيهم بعد ذلك، والمواطن العادي لا يهتم بالصراع السياسي قدر اهتمامه بحاجاته في الحصول على لقمة عيش كريمة وعلى تعليم جيد ورعاية صحية، وهذا ما لا نجده في اكثر من مكان.
البلاد ليست ملكاً للحزب الحاكم أياً كان، وإذا ما أريد للناس أن يكونوا شركاء في تحمل عبء بناء بلدهم فإن المنطق يقتضي أن يتم التعامل مع كل الأطراف السياسية على قاعدة الشراكة لا التبعية، والإقرار بحق الإختلاف. واذا لم يدرك العقلاء أننا اليوم بأمس الحاجة للمراجعة ولحشد كافة الجهود لمواجهة التحديات التي تنخر في بنية الجسد الوطني فإن المركب سيغرق بالجميع.
لا يجوز إنكار الآثار الكارثية لحرب صيف 1994، ولا مخرجات التعبئة الجهوية القائمة على الكراهية طبقاً لمكان الولادة أو المنطقة الجغرافية، كما أن من غير المعقول التهوين من الآثار التي خلفتها حروب صعدة المتعاقبة.
الواقع يقول إننا نواجه تحدياً غير مسبوق في تاريخ الجمهورية اليمنية، وأن ذلك يستدعي الحرص على التوافق والبعد عن المكاسب الصغيرة والآنية والشطارة التي ستقود إلى الهاوية.
[email protected]