براءة من زور القول (1)

براءة من زور القول (1)

*حسن العديني
أشار سائق التاكسي بيده علامة الموافقة وأضاءت الغمازة البرتقالية في الاتجاه الأيمن، لكنه تابع السير مجتازاً ميدان «لاظوغلي» قبل أن يتوقف. فور ركوبي بجانبه أبدى أسفه لأن التوقف حيث كنت ممنوع على السيارات، فذاك مبنى وزارة الداخلية.
أوحت الغضون المحفورة على وجهه أنه عاش ذلك الزمان فعلقت: وزارة زكريا محي الدين. وأنا أعرف من تعاملي مع المصريين أنك إن ذكرت اسم «زكريا محي الدين» يقول محدثك: «ده كان وزير الداخلية». وقليلاً ما نسمع أنه شغل منصب نائب رئيس الجمهورية ورأس مرتين مجلس الوزراء.
فتح تعليق شهيته للحديث، فقال إنه كان يتردد على منزل زكريا محي الدين صباح كل يوم، إذ اشتغل سائقاً في الجيش وانتدب للعمل في مكتب «حلمي السعيد» أحد كبار موظفي سكرتارية رئيس الجمهورية. إحدى المهمات اليومية التي كان مكلفاً بها إيصال مظروفين مختومين بالخاتم السري إلى كل من زكريا وعبدالحكيم عامر يسلمهما في مكتبين ملحقين بمنزليهما، ثم يعود بمثليهما إلى المكتب الملحق بمنزل الرئيس جمال عبدالناصر.
روى لي حكاية طريفة، قال إنه توقف ذات يوم مرتين في الطريق بينما كان عائداً إلى بيت الرئيس وعند وصوله سأله مستقبله: أنت وقفت في ميت غمره.. في الحته الفلانية ونزلت من العربية ليه؟
– أيوه.. أخذت سندوتش واكلته وانا ماشي.
– وقفت تاني في ميدان رمسيس ونزلت من العربية برضك؟
– اشتريت سجارة بلمونت.
– انت بقى لك كام سنة بتشتغل معانا؟
– ستة شهور.
– أبوك حي والاَّ متوفي.
– الله يرحمه.
– بص. المره دي حاسبها لك على شان انت ما بقالكش كتير عندنا. مرة ثانية لو تلاقى أبوك قدامك طلع من القبر ما توقفش. فهمت؟
سألني السائق كيف يأتمنونه على وثائق مهمة ثم يتبعونه بالرقابة.
قلت: المؤكد أنهم كانوا يتبعونك بحراسة لتأمين ما تحمله.
ليس هذا هو المهم، لكن ما ذكره لي بأنه لم يمكث طويلاً في عمله وأنه احتاج إلى واسطة كي يعفى من الخدمة واشتغل سائق تاكسي منذ أكثر من ثلاثين سنة (كنا ساعة هذا الحديث في صيف 1997) أبديت استغرابي من استغنائه عن العمل بمكتب رئيس الجمهورية وتفضيله الخدمة لدى صاحب تاكسي. قال بأنه رأى ضرورة تحسين دخله فقد كان يتقاضى (12) جنيهاً في الشهر ولما انتقل للعمل بالتاكسي ارتفع دخله الشهري إلى (30) جنيهاً.
فوق أن هذا الموظف من خدمة الرئيس فقد كان مؤتمناً على وثائق لها صلة بأسرار الدولة ولو بمجرد أنه مجرد ناقل لها. ومن يحصل على مثل هذه الوظيفة يعتبر صاحب حظوة في الكثير من البلدان فكيف إن كان البلد عربياً؟ فالقرب من رجال الحاشية يمكنه من الحصول على مزايا ومكافآت وحوافز تجلب له الثروة والنفوذ. لكن الرئيس هنا هو جمال عبدالناصر.
قد لا يصلح حال سائق سيارة لأن نضرب به مثلاً. أما كاتم أسرار الدولة فنموذج يستحق، وذاك هو «سامي شرف» سكرتير الرئيس للمعلومات. لكني قبل أن أروي أقرُّ بأنني واحد من الناس الذين لا يشعرون بالرضا تجاه المجموعة التي أطاح بها الرئيس أنور السادات في 15 مايو 1971. ذلك دون أن يخالجني الشك فيما اتصفوا به من وطنية ونزاهة وإخلاص لقضايا البسطاء، إلا أنهم بالمقدار نفسه كانوا على درجة كبيرة من التعالي السياسي وضيق الأفق والاعتقاد بأنهم وحدهم حملة المبادئ والمشاعل، وقد جعلهم هذا محط نفور الطبقة السياسية في مصر. وربما كان «سامي شرف» أكثرهم عجزاً عن نسج العلاقات الإنسانية، أو لعلها طبيعة عمله حصرته في ركن بعيد عن الحياة الاجتماعية. كانت لديه طاقة هائلة على العمل وقدرة على تنفيذ ما يملى عليه من أوامر، ولكنه يفتقد إلى الخيال والقدرة على خلق الحلول للمشاكل المعقدة، وبحكم وظيفته كان دائماً قريباً من جمال عبدالناصر، ورغم هذا لم ينل من المكاسب المادية أكثر مما يتيحه راتب موظف كبير في الدولة. لذلك اضطر بعد خروجه من السجن إلى بيع منزله والاستعاضة عنه بشقة متواضعة حتى يستفيد من فارق الثمن في تجهيز ابنته للزواج.
ولماذا نحوم حول الرجل المقصود، فجمال عبدالناصر نفسه لم يترك عند وفاته غير رصيد في البنك مقداره مائتي جنيه مصري. وأمَّا منزله فقد سكنه بالإيجار حين كان ضابطاً في الجيش واستمر مقيماً فيه حتى غادر الدنيا.
ويروي سكرتيره الشخصي «محمود الجيار » في مذكراته أنه سافر مرة إلى لبنان واشترى من هناك ملابس لأولاد الرئيس قدمها لهم هدية منه، وعرف الرئيس فغضب لأنه يفسد الأولاد وأمره بأن يأخذهم لرؤية البيت الذي عاش فيه أبوهم في طفولته، وقد فعل.
في 1976 أصدر صحفي مصري اسمه «جلال الحمامصي» كتاباً عنوانه «حوار وراء الأسوار»، وللعنوان علاقة بتعرفه على الرئيس «أنور السادات» وتزاملهما في السجن الذي دخله السادات في الأربعينات بعد اشتراكه في اغتيال وزير المالية في حكومة الوفد «أمين عثمان». ويظهر مضمون الكتاب رغبة لدى الحمامصي في التقرب من رئيس الجمهورية أو لعل بعض ما ورد فيه عن جمال عبدالناصر كتب بإيعاز من السادات نفسه.
في تلك الفترة بلغت الحملة على الرئيس السابق أعنف ذراها، وفي سياقها أورد «جلال الدين الحمامصي» واقعة تبرع الملك سعود بعد عزله عن العرش بخمسة عشر مليون جنيه استرليني لمصر، وذكر الحمامصي أن الملك كتب شيكاً بالمبلغ باسم جمال عبدالناصر فاستولى عليه، وتلقف خصوم عبدالناصر والمتزلفون للسادات رواية الحمامصي وأفاضوا في سب الرئيس السابق والتعريض بذمته المالية. في ذلك الوقت كان على رأس البنك المركزي المصري رجل صاحب ضمير، وقد ألزمته مسؤوليته أن يتحقق من صحة ما ينشر فبحث واستقصى الوثائق والبيانات المحفوظة في إرشيف البنك، وتأكد من وجود شيك من الملك سعود باسم الرئيس جمال عبدالناصر، ولكن الرئيس قام بتظهير الشيك لحساب الحكومة العام في البنك المركزي المصري، وقيد المبلغ بالفعل في الحساب ودخل في دورة الميزانية. ولم يسكت محافظ البنك المركزي بل نقل إلى الصحافة كافة المعلومات عن الواقعة وفيها رقم الشيك وتاريخ اصداره وقيمته والبنك المسحوب عليه ورقم الحساب وتواريخ تظهيره وقيده في حساب الحكومة، وهكذا سكت الخراصون ولم يجد الرئيس أنور السادات غبر تبرئة ذمته فتحدث إلى الشعب في كلمة مسجلة أطرف ما قاله فيها: «جمال الله يرحمه ما ورثنيش غير الحقد.. وهذا الذي كتبه جلال الحمامصي عن جمال الله يرحمه هو حقد». ثم مضى يذكر الحقائق.
وإذاً فإن جمال عبدالناصر لم يسخِّر السلطة لمكاسب ومغانم شخصية حتى ينزلق إلى العمالة بحسب مالمحَّ به المذيع بقناة الجزيرة «أحمد منصور».
أعرف أن القليل من الناس سيقرأون هذا. وهم للأسف لا يمثلون سوى كتلة صغيرة من الخضم الهائل ممن يشاهدون الجزيرة. لكن قامة جمال عبدالناصر في التاريخ لا تقصر بفعل كلمات تخرج من نفوس فيها الكثير من وصف السادات لزميله في السجن جلال الحمامصي، ولقد تحدث معي أشخاص عديدون ممن تابعوا استجواب أحمد منصور للواء جمال حماد في برنامج «شاهد على العصر»، واستلفتنى أنهم جميعاً لاحظوا أن المستجوب كان يسأل ثم يدلي بالشهادة. كما أنهم جميعاً اتفقوا على أنه ظهر كشاهد زور. وعبَّر صديق ذكي عن رأيه بما سمعه بكلمات قليلة أطلب السماح من القارئ إذ أذكرها. قال هذا الصديق إن أحمد منصور أفرز الكثير من القيح والصديد. ولعلم القارئ لم يكن هذا الصديق في أي يوم محسوباً على الناصريين أو في زمرتهم، وللدقة فهو وطني مشبع بالثقافة الماركسية، متعاطف مع الحركة الشيوعية في مصر التي تعرضت للقمع من أجهزة النظام المصري في عهد جمال عبدالناصر بأقسى مما لحق بالاخوان المسلمين، مع فارق أن الشيوعيين لم يتآمروا على النظام ولم يدبروا لقتل رئيسه. لكني فيما ألاحظ أعتقد أن حركة الاخوان المسلمين أخذت تراجع موقفها من تجربة جمال عبدالناصر باستثناء أحمد منصور الذي لم ينظف قلبه مما أدخل فيه ولم يتطهر ضميره.
من أجل هذا لا بأس من التعليق على شهادته في حديث يتبع هذا المدخل.