اختفاء “سلطان الخبت” في الأمن الوطني! – فتحي أبو النصر

اختفاء “سلطان الخبت” في الأمن الوطني! – فتحي أبو النصر

كثيرون لا يعرفون أن “الرهينة” ليست الرواية البكر -كما هو متعارف عليه- للروائي اليمني الراحل زيد مطيع دماج.
فمنذ قرابة 3 عقود، ما زالت روايته الأولى قيد الاختفاء القسري، لدى جهاز الأمن السياسي (الأمن الوطني سابقاً).
“سلطان الخبت” عنوان هذه الرواية المجهولة التي لم يستثنها من التنكيل جهاز محمد خميس سيئ الصيت؛ فيما الواضح أنه كان من ألد أعداء صناع الوعي الطليعي في السياسة كما في الفكر والأدب.
ففي تلك الفترة كثرت مداهمات الأمن الوطني على المثقفين، ومصادرة محتويات مكتباتهم بشكل همجي، حيث كانت الأفكار الجديدة مثار رعب بالنسبة للنظام.
لكن الروائي والقاص اليمني الأشهر الذي تميز عن أبناء جيله بإيصاله النص السردي اليمني إلى مصاف متقدمة، حاول جاهداً ألا يفارق دنيانا وفي نفسه شيء من القتل المعنوي -الأشد وطأة من القتل المادي- حيث وجد عزاه وسلواه في أعماله المشهودة التالية، متمثلاً في ذلك قول الشاعر الغريب -أخاه في رضاعة التنكيل السلطوي-: “فإن تحرقوا القرطاس، لم تحرقوا الذي… تضمنه القرطاس، بل هو في صدري”.
وتبدأ جريمة الأمن الوطني ضد عمله المنسي -الذي لم يدخل ذاكرة أدبنا المعاصر- حين قرر خميس استدعاءه للمثول أمامه على نحو مفاجئ، إلا أن المخبرين الذين لم يجدوه، سرعان ما تلقوا الأوامر باحتجاز سيارته واعتقال سائقها، وقد تم ذلك برفقة “سلطان الخبت” طبعاً؛ التي كانت مستلقية بأمان في خانة السيارة استعداداً لطباعتها، لتظل عالقة المصير حتى اليوم.
والسؤال: ترى ماذا فعل محمد خميس بهذه الرواية؟ فهل اكتفى بضبطها وربما إتلافها؟ أم أنه قرأها؟
“طبعا لا أظن -يقول ساخراً الشاعر الأستاذ أحمد قاسم دماج؛ الرئيس السابق لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين- إذ لم يكن لدى محمد خميس الوقت الكافي لذلك، فهو الجلاد الشره الذي كان مشغولاً على الدوام بالاستماع لصراخ ضحاياه”.
وبحسب الشاعر دماج، فإن “سلطان الخبت -الرواية التي كانت مكتملة لرفيق دربه (ابن العم) قبل روايته الهامة في مسيرة السرد اليمني “الرهينة”، حيث اشتغل عليها لسنوات بجهد كبير، ولم يطلع أحداً حتى أنا على فكرتها الرئيسية، لأنه أرادها عملاً روائياً مفاجئاً، لكن يد الجهلة اختطفتها بعد أيام قليلة من تجهيزها للطبع وإتمام تنقيحها النهائي”. مضيفاً: “من المؤسف أننا فقدنا نصاً سردياً لروائي بديع كزيد، كان من شأنه أن يثري وجداننا والمكتبة اليمنية الشحيحة كذلك، خصوصاً وأن مسوداتها الأولى كانت قد فقدت من قبل زيد في إحدى الرحلات، كما أن جهاز خميس اكتفى بإطلاق سيارته المحتجزة وسائقه فقط، لنقضي سنوات عقبها ونحن نتلقى منه المماطلة بشأن الرواية، بحيث لم تجد كل الوسائل والوساطات لإقناع هذا الجهاز باسترداد سلطان الخبت، وصولاً إلى وضع مطلبنا -بعد مصرع خميس بفترة- أمام طاولة مطهر غالب القمش، ولكن بلا فائدة”.
على أن محمد خميس –كما يبدو- كان يريد إيصال رسالة ما للروائي دماج، الذي لابد أنه قضى أزهى أيام حياته الأدبية بفائض قهر على مآل روايته المفقودة، عبر جرم تعسفي كهذا من قبل جهاز أمني لايخضع للمحاسبة أو يهتم بالإنصاف وجبر الضرر.
فيما الثقل الأدبي والاجتماعي والوطني الذي كان يمثله، حال كثيراً دون اعتقاله أو حتى تعذيبه وصولاً إلى إخفائه قسرياً مثلما كان حاصلاً بشدة حينها، ما حازه سلطان الخبت بدلاً عنه.
وإذ ليس هناك سبب قصدي شافٍ للنيل من العمل الأول لروائي بحجم زيد مطيع دماج، إلا أن محمد خميس كما يتردد عنه كان متأثراً بأجداده في إعدام الكتب، حيث يورد ناصر الحزيمي في مسرده التاريخي عن إحراق وإتلاف الكتب في التراث العربي، قول الوزير جمال الدين القفطي في كتاب “(أنباهُ الرواة على أنباهِ النحات”، وذلك في ترجمته للحسن الهمداني، ما جاء فيه قوله: “وإن كتابه في معارف اليمن وعجائب أهله المسمى بالإكليل وهو عشرة أجزاء، كتاب جليل جميل عزيز الوجود، لم أرَ منه إلا أجزاء متفرقة، وهي على تفرقها تقرب من نصف التصنيف، وقيل إن هذا الكتاب تعذر وجوده تاماً لأن المثالب المذكور فيه، في بعض قبائل اليمن، جعل أهل كل قبيلة منهم يعدمون ما وجدوه من الكتاب، وبل وتتبعوا إعدام النسخ منه، فحصل نقصه لهذا السببـ”!