إسئلوا.. “تنكة” – منى صفوان

إسئلوا.. “تنكة” – منى صفوان

من المعيب أن يفاجأ “الخيوانيون”، والخيواني بالذات، من تثبيت الحكم عليه! ليتصرفوا وكأنهم في دولة غير ديمقراطية كموزمبيق مثلا! هل نسوا أنهم في اليمن الشقيق!؟
فعندما قال القاضي: اسئلوا الخيواني، فإنه كان واثقا من أنه سيجيب على السؤال ليعرف هو لماذا ثبت الحكم على الخيواني بعد عفو رئاسي! ولم يكن يتصور إطلاقا أن يخيب الخيواني ظنه ويفر بالإجابة. ولكننا جميعا سنسأل الخيواني، فهو المسؤول الأول عن تصرفات القضاء هذه الأيام.
حقيقة، كنت أعتقد أنه يوجد في هذا البلد من يفهم هذا القضاء، ويجيب على أسئلته. وكنت آمل أن يجيب الخيواني على السؤال، لا أن يفاجأ، ويبقى السؤال دون إجابة، ليبدو أن هناك من يجرؤ على أن يشكك باستقلال القضاء، طبعا أنا أتفق مع من يقول إن القضاء مستقل، لكني لا أعرف هو “مستقل بمن بالضبط”!
لقد خاب ظني بالخيواني، ولكن الأهم أنه خاب أيضا ظن القضاء اليمني فيمن يفهمه. ويستطيع أن يستوعب اهتمامه الزائد بقصة الخيواني.
ولقد حضرت عشرات الندوات والاعتصامات عن الخيواني، ولم أكتشف السر من وراء كل هذا الاهتمام بالخيواني!
طبعا الخيواني، واسمه الحقيقي “عبدالكريم الخيواني”، ويمكنك أن تناديه يا “كريم” ويجيب، كانت قضيته دوما تشغلنا عن قضايا أهم في هذا الوطن، فقد شغلتنا طوال سنوات عن قضية “عبده تنكة” الذي سرق عليه كاسيت “علي عنبة” من فوق طبلون سيارته التاكسي البيجوت موديل 1985، بينما كان مشغولا بشراء نظارة شمسية من جولة الحصبة – الجراف.
“تنكة” هذا كان ينوي قبل سرقة الكاسيت الترشح للانتخابات النيابية المقبلة عن الحزب، لكن الحزب الذي اقترح ترشحه اشترط عليه الالتزام الحزبي في برنامجه الانتخابي، وقد التزم، ومن ضمن الالتزام الحزبي كان عليه أن يحضر كل مقايل الحزب، وفي نقاش حاد في مقيل حزبي ساخن سأل أحدهم “تنكة” السؤال نفسه الذي وجه للقاضي: لماذا ثبت الحكم على الخيواني؟
في حقيقة الأمر، لم يكن “تنكة” قد سمع بالخيواني قط؛ ولكنه، كمرشح محتمل، خجل من أن يبدو جاهلا بقضية وطنية كهذه، وقال: “الحكومة حرة، تثبت ما تشتي، الأهم تثبت سعر الدقيق وتثبت ظهور الغاز”، فدكمه أحد أعضاء الحزب الذي كان بجواره وهمس في أذنه: “لا، القضاء ما لوش دخل بالحكومة يا تنكة!”. فز “تنكة” وقال بسرعة: “أيوة، وبعدين من هذا الحمار الذي يعتقد أن القضاء له دخل بالحكومة!؟ القضاء هذا ما يرده شيء، هو أمر الله، واحنا لازم نؤمن بالقضاء خيره وشره”.
من الواضح جدا أنه بعد هذه اللقاء الحزبي الساخن سحب أعضاء الحزب اقتراحهم بترشيح “تنكة”، ولم يكن أحد منهم مهتما بأن يخبره عن قصة الخيواني. أما هو فقد كان سعيدا جدا أنه سيجد فسحة من الوقت ليبحث عن السارق الذي سرق الكاسيت من فوق طبلون سيارته البيجوت موديل 1985.
لقد كان “تنكة” –بفخر- المواطن الوحيد الذي لم يفاجأ بأمر تثبيت الحكم على الخيواني، بقدر ما تفاجأ بسرقة الكاسيت. وهو لم يزل مذهولا من صمت المجتمع المدني المشغول بالخيواني عنه، ويشعر بالعار، حتى أن منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان لم يكلف نفسه إصدار بيان تضامني مع “تنكة” جراء الاعتداء السافر الذي تعرض له.
ولم يضف “الشقائق” ايميل “تنكة” حتى الآن لقائمته الحقوقية ليدعوه إلى أي من الفعاليات التي يمكنه فيها طرح قضيته.
عموما فإن الأهم الذي تأكدنا منه في حادثة تثبيت الحكم، أنه ظهر جليا أن النشطاء والصحفيين ودعاة حرية التعبير في اليمن، يفتقدون أبسط قواعد التحليل السياسي، والرؤية الاستراتيجية، والعمق الموضوعي، ليفاجؤوا بهذه الصورة!
بصراحة، لقد… فاجؤوني.