أنا “نجود”! – إلهام مانع

أنا “نجود”! – إلهام مانع

“أنا نجود، في العاشرة من العمر، ومطلقة”.
هذا عنوان كتاب صدر حديثاً باللغة الألمانية لدار نشر “كناور”، ترجم عن الفرنسية، وكتبته الصحافية الفرنسية دلفين مينوي، تحكي فيه قصة “نجود”.
هل تذكرونها؟
“نجود”، زوّجها أبوها وهي في الثامنة، قبض ثمنها، ورماها لرجل في الثلاثينات من العمر. رجل الثلاثينات وعد أباها بأنه لن يلمسها حتى تبلغ، وابنة الثماني سنوات قال لها أهلها: “لا تخافي، لن يؤذيكـ”. والطفلة لا تفهم ما يحدث، ذهبت معه، فاغتصبها!
هل تذكرونها؟
“نجود”! أرادت أن تلعب. طوال الوقت. أرادت أن تلعب. حتى بعد أن اغتصبها. حتى بعد أن ضربها. حتى بعد أن أصر عليها أنها أمرأة وعليها أن تتصرف كأمرأة. ابنة الثامنة، امرأة!؟ لكنها أرادت أن تلعب. طفولتها انتصرت. ورجل الثلاثينات يجرها من بين الأطفال إلى الغرفة، يجردها من ملابسها، ويفعل بها “أشياء وقحة”، هكذا حكت في المحكمة باكية. تريد أن تلعب، والرجل يصر على اغتصاب الطفلة.
ونحن، مجتمع الجزيرة العربية، مجتمع اليمن، نشيح بوجوهنا.
 “لعنة الله على الفقر”. بعضنا، يمصمص شفاهه، ويحولق.
“أب متوحش”، غيرنا يقول، وينسى القانون الذي سمح للمتوحش أن يزوج ابنة الثامنة.
“ظاهرة ملعونة”، غيرنا يحشرج صوته، ينظر خلسة إلى وجه الصغيرة، ويتصور منظرها وهي تغتصب، ثم يغيب بخياله… المريض.
وغيرنا يقول إن الصغيرة عجينة، يشكلها الرجل كما يشاء. لا يريدها بالغة، لا يريدها ناضجة، لا يريدها امرأة عاقلة تكون له نداً ثم سنداً. يريدها طفلة. يشكلها كما يشاء، يوجهها كما يشاء، يقول لها تحركي، فتتحرك. يقول لها امشي، فتمشي، ثم يقول لها نامي، فتنام معه.
لكنها لم تطاوعه، ما أروعها! رفضت فعله، لأنه شنيع. طفلة هي، هل نلومها؟
من يحميها من صمتنا؟ من يحميها من تواطئنا.
و… “زواج الصغيرة حلالـ”، يضيف بعض من شيوخنا. والبلاء هنا وخيم العاقبة. لعنة الله على شيوخٍ هكذا.
“حلال، حلال، حلال…”.
لا يرون خللا في اغتصاب الطفلة. لايرون فيها جريمة. مسألة طبيعية. يقولون.
 هكذا يقول رجال ديننا من السلفيين، وغيرهم من الشيعة لا يرى ضيراً من مفاخذة ابنة التاسعة. ولو كنا في مجتمعات أخرى، لأُدخلوا إلى مصحات نفسية لعلاج المجرمين الخطرين من منتهكي الطفولة. لكن الداعين إلى اغتصاب الطفلة نقف لهم في مجتمعاتنا احتراماً، ونخصص لهم برامج تلفزيونية، ثم لا نرى ضيراً في كل ذلك. أين الإنسان فينا؟! لا تصمتوا أمامهم. لنلقمهم حجراً. لنلقمهم حجراً.
“نجود”، هل تذكرونها؟
وحدها أدركت، أن ما يحدث بشع، بشع، بشع. لأنها طفلة أدركت هذا.
فقررت ألاَّ تستسلم لمصيرها.
“لا تستسلمي لمصيرك، أيتها الصغيرة القوية”.
 استقلت سيارة أجرة، أخذتها إلى المحكمة.
قالت: سأقول: لا.
“قولي أنت أيضاً: لا”.
قالت: مصيري بيدي.
“قولي أنت أيضاً: مصيري، ووجودي، بيدي، ثم رهناً لإرادتي”.
فانتصرت المحامية شذى محمد ناصر والقاضي محمد القاضي لطفولتها. ما أجمل الخير عندما ينتصر!
“نجود”، كيف ننساها؟
أظنكم تذكرونها.
جيداً.
 فلا تشيحوا بوجوهكم.
 وأظنكم تدركون جيداً أن ما يحدث جريمة.
 لا تتجاهلوها إذن.
 وما دمنا نعرف أن هناك جريمة تحدث، فالأحرى أن نعالج جذورها. أم أن الصمت دوما دواؤنا؟
البداية كما تعرفون تكون عادة بالقانون. وبعدها بشيوخنا، لكن هذا حديث آخر.
ولذا، حان الوقت كي نلغي المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية المعدل عام 1999، التي تعطي للأب الحق في تزويج ابنته إذا اعتبرها صالحة للوطء. لاحظوا أن هذه المادة عدلت عام 1999، بعد أن كانت واضحة النص في تحديد السن الأدني للزواج ب15 عاماً.
 لكنها عدِّلت، ويا خزي من تركها تمر هكذا! الناس يتقدمون، ونحن نمشي إلى الوراء، فأصبح من حق ولي الأمر أن يزوج ابنته إذا اعتبرها صالحة للوطء. من يمنعه إذن إذا اعتبر ابنة الخامسة من العمر صالحة للوطء؟
التغيير يبدأ بنا. فلندفع بإصدار قانون صريح واضح يحدد سناً أدنى للزواج، وحبذا لو كانت الثامنة عشرة من العمر هي ذاك الحد.
التغيير يبدأ بنا. و”نجود” هي صوت ضميرنا، فكفوا عن الصمت، ولنغير القانون. ثم لنلتفت إلى شيوخنا. لكن هذا حديث آخر.
[email protected]