الحاجة إلى رؤية وأداة سياسية جديدة – محمد ناجي أحمد

الحاجة إلى رؤية وأداة سياسية جديدة – محمد ناجي أحمد

منذ أن طرح العزيز نبيل الصوفي مبادرته الخاصة بتشكيل تكتل سياسي جديد يعبر ويجسد طموحات ورؤى تعنى باليومي والحاجات الأساسية التي تلتصق بالفرد ونموه، وبالحرية الطبيعية، وبالمرأة… منذ تلك اللحظة والمشاركون الذين انخرطوا بالنقاش انقسموا إلى: فريق مطيع وتحت الإشارة، وآخر مشكك يناقش الفكرة من خلال إدانة صاحبها لكونه ضمن فريق متابعة تنفيذ برنامج الرئيس الانتخابي، أو لكونه كان إصلاحياً يرتمي تحت عجلات الحافلات منعاً للرحلات المختلطة! وفريق ثالث، وهو الأكثر موضوعية، والذي ناقش الفكرة بقدر من الاستقلالية عن صاحبها، هذا الفريق هو الآخر لم يسلم من الاحتراس، إما بالحديث عن الفكرة كما يفهمها، ما لم فالانتكاسة التي قد تلحق بالفكرة تعود على صاحبها نبيل، وكأن الملكية الشخصية لمشروع التكتل سيظل لصيقاً بنبيل حتى مهده! والبعض وهو يناقش الفكرة بإيجابية وحماس، لا ينسى أن ينبه القارئ والمناقشين كشكل احترازي آخر، من مسألة الوقت؛ أي توقيت التفكير بمشروع تكتل جديد، والحديث عن ربط انتكاسة المشروع بصاحبه تعود أسبابه إلى ما ورثناه من ربط عضوي بين أصحاب الأفكار والمبادرات وبين الملكية الاستثمارية لهذه الأفكار! متناسين أن أساس المبادرة يقوم على تفكير جديد عماده المرأة كقيادة لها الغلبة في كل المستويات القيادية لهذه التكتل بدءاً بتخصيص رئاسته وأمينه العامة للمرأة، وبالتالي يصبح انتكاسة التفكير الجديد، يعود على جميع المشاركين في صياغة برنامجه وخططه ولوائحه. وأما بالنسبة للتوقيت، وهو المبرر الأيديولوجي الذي تضعه الأحزاب التقليدية لوأد كل تفكير أو مبادرة جديدة، فإن السؤال الاستيضاحي الذي يمكن أن يوجه لهذا التفكير: متى كان هناك توقيت مناسب داخل بنية التفكير الأيديولوجي، سواءً كان قومياً أم إسلامياً أم يسارياً؟ كل توقيت لأي مبادرة خارج “القيادة التاريخية” هو مؤامرة لشرخ الأحزاب واستهدافها!
يمكننا قراءة موقف الأحزاب من المرأة، فموقفهم من مشاركتها السياسية من خلال ما يسمى “الكوتا”؛ أي تخصيص مقاعد برلمانية ومحلية يعد من وجهة نظر هذه الأحزاب مؤامرة عليها من قبل الحزب الحاكم! ولعل القارئ يتذكر إشارة “سلطان العتواني” أمين عام الوحدوي الناصري إلى مسألة التوقيت، وأن يعيد “الناصري” مشاركة المرأة سياسياً وتوقيتها للمؤامرة فهذا شيء لا يثير الاندهاش، فالذين خرجوا من عباءة فتحي الديب، رجل الاستخبارات المصرية، مع عدم إنكاري لدوره الإيجابي في حركة التحرر العربي، ضمن الدور المصري الذي كان يقوده آنذاك الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، إلاّ أن هذا الجذر الاستخباراتي في تفسير الأمور وفق منطق المؤامرة ظل يحكم نظرة الناصريين للأحداث والأفكار والمواقف. وفي السياق نفسه يمكن تفهم موقف “التجمع اليمني للإصلاح” لموضوع “مشاركة المرأة سياسيا” باعتباره استهدافاً “لذكور الإصلاح”؛ فالتجمع اليمني للإصلاح فيه ذكورية مستقاة من التفكير البدوي الثاوي في وعيه ولا وعيه. لكن الحديث عن استهداف ذكور الإصلاح يجعلنا نتساءل عن وجود “كوتا” غير معلنه للإصلاح وهو ما يجعلهم أكثر استنفارا ضد “كوتا النساء” التي ستنتزع شيئاً من مخصصاتهم البرلمانية والمحلية بحسب ذعرهم!! ما يثير الدهشة هو موقف أمين عام الحزب الاشتراكي، الدكتور ياسين سعيد نعمان، وهو الأكثر تفهماً لمطالب وحاجات جيل جديد، وبالتالي مثلما استطاع أن يتفهم ذات مقالة مهمة لمحمود ياسين عن حاجات جيل جديد محاصر ومجير لحاجات جيل “يعاني من التهابات في المفاصلـ” أعتقد أنه الأقدر على تفهم رؤية ومبادرة جديدة تتكامل ومقالة محمود ياسين الآنفة الذكر؛ أقول الأقدر على التفهم وليس التبني، فإذا كانت الأحزاب القومية والإسلامية تعود في تفكيرها إلى قرون مضت، بما فيها القومية التي نشأت مع القرن التاسع عشر، لكن تأصيلها التاريخي في أدبياتهم الفكرية تعتز بحنينية لمرابع البدوي!! في شبه الجزيرة العربية؛ لهذا يصبح تفهم الدكتور ياسين سعيد نعمان لفكرة محمود ياسين ومبادرة نبيل الصوفي هو تفهم لجيل تشكل وعيه في الستينيات والسبعينيات وأصبح شعرياً لا يستطيع مغادرة نضالية شعر التفعيلة أو الرمزية السياسية للسرد الروائي كما هو شأن الدكتور ياسين، لهذا كان موقفه من “كوتا المرأة” التعيين وليس مع التخصيص، ومع ضرورة أن تناضل المرأة حتى تنتزع حقوقها السياسية، وهو الموقف ذاته الذي سطره في بداية العام الماضي الدكتور محمد عبدالملك المتوكل؛ مع أن التخصيص سيكيّف المجتمع على التعاطي الإيجابي مع انتخاب المرأة والتطبيع السياسي معها، لذلك كان موقف الدكتور ياسين غريباً، كونه لم يستطع أن يتفهم هذه المرة حق المرأة في تخصيص مقاعد انتخابية لها، وكأنه كان يعبر عن الغلبة في أحزاب “اللقاء المشتركـ” وليس عن نفسه، وهو الأقرب معرفياً وزمنياً لحقوق الأجيال الجديدة.
ما طرحه العزيز نبيل الصوفي لا يحتاج إلى كثير نقاش من خلال شبكة الإنترنت، وإنما بحاجة إلى خطوة تالية، يجتمع فيها المؤيدون للفكرة بوضع برنامج تفصيلي، لهذا التكتل، والشروع العملي بترتيب لجنته التحضيرية، وصولاً إلى انتخاب مستوياته القيادية؛ هذا إذا كان هناك جدية لدى المتفاعلين وهذه المبادرة، بدلاً من الانشغال بالتفتيش عن نوايا المبادرة “وخراجها” الذي ينتهي بها إلى “المستبد”، كما هو حال فهم الدكتور محمد عبدالملك المتوكل لهذه المبادرة!! وبدلاً من الانشغال بالتفتيش عن تاريخ نبيل الصوفي الذي أدهشتني قدرته النامية من “مراهق” يحرم “الرحلات المختلطة” ويرمي نفسه تحت إطارات الحافلة المقلة لها، إلى شاب يمر بمراحل حيوية من التفهم والحوار وتبني أفكار ورؤى جعلت اليساريين على يمينه!!
أجزم أن نبيل غير قادر على إنضاج الفكرة لوحده، وأنه، ونحن، بحاجة إلى أن تصبح المبادرة قضية هذا الجيل الذي عبر من خلال أكثر من وسيلة عن هذا النزوع المعرفي. لم تكن تجربة صحيفة “النداء” التي اهتمت بقضايا غير كبرى مثل المعسرين واللاجئات واللاجئين والمختفين قسرياً والمعسرين والأطفال وقضايا قتل للمنقوصي المواطنة مثل قضية الرعوي والراشدي وغيرهم… وغيرها من قضايا، لم يكن ما تتبناه هذه الصحيفة هو التعبير الوحيد عن هذا النزوع الجديد في التفكير، والذي حظي باهتمام الناس العاديين والكتاب والسياسيين، ولم تكن كتابات محمود ياسين، بكل زخمها الجديد، لغة وتفكيراً، ولا كتابات نبيل سبيع وهدى العطاس ومنى صفوان ونبيلة الزبير والنشاط الحقوقي لأمل الباشا وبلقيس اللهبي وماجد المذحجي وكتابات عبدالكريم الرازحي وفكري قاسم وجميلة علي رجاء ووميض شاكر وسامي غالب، كل هؤلاء وغيرهم وغيرهن يجسدون زمناً جديداً نلمسه من خلال لغة بصرية تكتب بها “وميض” أو قدرة على تجاوز ثنائية الخير والشر أو على حد تعبير بديع لسامي غالب: “ضفتَيْ الخير و الشر”، أو “التفكير بحكومة ظلـ” على طريقة جميلة علي رجاء، كل ذلك يشكل لنا مشهداً جديداً وحيوات جديدة. لا يمكن لنا ونحن في حالة إدمان للهاوية التي أطلنا النظر إليها، وأصبحنا نشبهها كثيرا، وكأننا قادرون على مفارقتها وقد أصبحت في أعماق لغتنا، نروم إسقاطها بآلية تفكيرها نفسها، مع أننا لو تركنا فكرة “إسقاط الآخر” وتخلينا عنها، ساعتها سننشغل بموضوع حياتنا، والمدى الذي يسعنا جميعا دون أن نضع له سقفاً.
[email protected]