حنايا.. صديقنا كريم، كم الطعنة الآن؟ – هدى العطاس

حنايا.. صديقنا كريم، كم الطعنة الآن؟ – هدى العطاس

في مطلع تسعينيات القرن الفارط كان هذا السؤال الفجيعة عنوانا لديوان الشاعر الجميل كريم الحنكي، الذي كان محتجزا من قبل السلطات الأمنية في الأسابيع الماضية إثر اشتراكه في مهرجان سلمي للتصالح والتسامح. وها قد انقضت سنون القرن الأخيرة وكرت سنون القرن الجديد، والسؤال ظل يوالد معناه: كم الطعنة الآن؟ توالت الطعنات فينا بما يصعب على خيالنا المتخم إحصاؤها.
كم الساعة الآن؟ في غالب بلاد الأرض هو سؤال يحيل إلى الصيرورة، يبشر بعمر قادم يحصي زمنا منقضيا، بينما في الأوطان المطعونة كوطننا يقاس العمر بالطعنات، حينما قالها كريم كان قلمه يشخب دم طعنات كثر، إحداها أودت بحياة أخيه في يناير 86م (احمد الحنكي رئيس تحرير صحيفة “أكتوبر” آنذاك). ربما ظن كريم، وظننا معه، في مطلع التسعينيات، أن الوحدة ستكون جواب سؤالنا، ونهاية حيرة الوطن الوجودية! وإذ الطعنات تتلو الطعنات، والألم يتواتر، والخيبة سيدة السؤال.
كم الطعنة الآن؟ كلعنة سيرددها المطعونون من قبورهم، سيرددها أطفال حرب 94م وأطفال حرب صعدة، سيرددها الطبيب القدسي ودمه مازال يقطر حارا، وأمثاله المطعونون بأيدي الصلافة والغطرسة والمحسوبية، سيصفعنا بها الجياع، الملتحفون سكاكين البرد على الأرصفة، والمجانين الذين ذهبت الطعنات بعقولهم فخبؤوا وطنهم في اللاوعي وارتضوا الجنون وطنا لا يعي الطعن، سيرددها المتشردون والمنتهكون والمقموعون والخائفون، ومئات الآلاف من مرضى لا يجدون العلاج وإن وجدوه ففي أدوية مطعونة الصلاحية ولا تصلح للاستخدام الآدمي، سيرددها مسلوبو الحقوق، مئات الواقفين أمام أبواب القضاء وردهات القانون يواجهون حراب الظلم المسنونة والعدل المطعون، سيرددها أولادنا في محافل العلم والمعرفة حينما يكتشفون صفر أدمغتهم المطعونة جهلا.
كم الطعنة الآن؟ يصرخها الوطن المطعون حتى أنساغه. وأنا أردد: يحفني الخوف، كيف يمكن ألا يجرجر النصل طعناته إلى قادم حنايا وأقرانها، ويظل معلقا في سماء مستقبلهم يتصادى: كم الطعنة الآن؟… وحديثنا ممتد.
[email protected]