محتالون ونصابون على ظهر غزة – منصور هائل

محتالون ونصابون على ظهر غزة – منصور هائل

تستطيع أجهزة الأمن والبحث الجنائي ضبط بعض النصابين والمحتالين الذين يستغلون تعاطف وحماس الناس تجاه معاناة السكان في قطاع غزة، ويجمعون التبرعات بسم غزة ويستخدمونها لإشباع حاجاتهم ورغباتهم، كما حصل في حالات كثيرة، ومنها حالة اللص الظريف الذي تباهت الصحافة الرسمية بالقبض عليه من قبل إدارة البحث الجنائي بمحافظة الحديدة صباح الاحد الماضي.
وقد ورد في أخيرة يومية «الثورة» أن إدارة البحث الجنائي بالحديدة قبضت على أحد النصابين واسمه (أ. ع. ص) على إثر بلاغ تقدمت به جمعية الاقصى، وأفاد بأن المتهم حضر إلى الجمعية وقام بالتبرع ب26 الف ريال بسم فاعل خير، واتضح فيما بعد أنه يقوم بجمع التبرعات بسم الجمعية لصالح قطاع غزة ووصلت إلى 86 ألف ريال اعترف أنه أنفقها على ملذاته بانكشاف شهدت عليه واقعة ضبطه بشارع صنعاء جوار حديقة الشعب التي اعتاد «تخزين القات» فيها، بحسب العقيد محمد المقالح نائب مدير ادارة البحث الجنائي بالحديدة.
ذلك ما يمكن أن تطاله يد البحث الجنائي، وهنالك ترتسم «حدود» استطاعتها.
وتستطيع هذه الاجهزة ضبط الكثير من الحالات الفردية الخاصة، الساذجة، الشقية. وبمقدورها القبض على بعض أصحاب أماكن الاتصالات والبقالات والحوانيت والاكشاك الصغيرة في الازقة المهجورة، لأنها لا تبيع أكثر من بقايا علكة وغزة وسكاكر، وهي مفضوحة ومتلبسة بنهب «القضية» لمجرد أنها تجرأت على وضع صندوق بيع غزة الانيق الممهور بعبارة «تبرعوا لغزِّة»، إلى جانب بضعة صناديق وعلب كرتونية متآكلة لا تحتوي على أكثر من بقايا علكة ونتف بسكويت، وفراغ يحوي بصوت فضيحة تستفز كبرياء ومهابة «الكبار» من السراة والمحتالين قبل غيرهم.
مثل هؤلاء البؤساء، وتلك الحوانيت المطمورة بغبار الأرض والاهمال، تستطيع الاجهزة ضبطها، فهي مكشوفة الظهر والبطن، ولا تحتمي بجدار قوي، ولا تختبي تحت غطاء من ايديولوجيا أو عقيدة أو سلطة.
وفي السياق تستطيع الحكومة ضبط الأفراد والجماعات والجمعيات المناوئة لها، لأنها تريد اقتسام الكعكة معها، ولأنها، في الغالب، مكشوفة هي الأخرى ولا تتلطى بمؤخرات النافذين، كما لا تتوارى خلف أسوار وأستار سميكة ومسبوكة بخلط الايديولوجيا والمقدس.
والمؤكد أن الاجهزة الأمنية والحكومة لا تستطيع القبض على معظم النصابين (الكبار) أصحاب الاسبقية في اختطاف لافتات «القضية»، ولسنا في وارد الغمز من تبرعات المساجد السخية، أو الغمز من قناة الحكومة إياها وقيامها بخصم أقساط من رواتب الموظفين، من غير استئذان، وخارج القانون وبسم قطاع غزة، وإن كانت الشفافية مطلوبة وواجبة وإلزامية، حتى يعلم الناس أن ما يؤخذ بسم غزة يذهب إلى غزة دون غيرها ولا يستخدم في غزوات أخرى.
وإلى ذلك فإن أجهزة الضبط القادرة على ردع «الصغار» لا تستطيع لجم «الكبار» ومنع العمليات اللصوصية والجنائية الجسيمة التي تحدث بسم ورسم غزة وتحت يافطة غزة، التي أصبحت ملجأً جماعياً للحكام العجزة الفاسدين في الارجاء العربية الممزقة إلى أوصال بفعل أدوات النهب والحرب التي يستخدمها هؤلاء الحكام في نهب الثروات، وقمع الاحتجاجات وحركات الاعتراض والرفض، كما هو الحال في السودان (دارفور والجنوب) واليمن (صعدة والجنوب)… إلخ، ما يعني أن كل هذه الأوطان تتوحد في الانقسام والتشرذم وعلى الخط الفاجع لـ«غزة» ومن غير محتلين صهاينة.
واذا كانت الحكومة لا تستطيع ضبط مراكز النفوذ القوية، الظاهرة والخفية، وبالاحرى لا تستطيع ضبط نفسها وهي متلبسة بـ«غزة»، فإنها ليست قادرة على تحديد خارطة الارخبيلات المنتفعة بمأساة «غزة»، وضبط كافة المتكسبين والمتعيشين المحترفين على المقدس، والضالعين في استثمار المقدس، وفي استخدام القدس والاقصى، وفي الاشتغال على القدس إلى الحد الاقصى لتعظيم الثروات والنفوذ والسلطة، وكتم كل صوت مختلف ومغاير لطوفان الفلتان العارم لسيل الشعارات والهتافات الهائجة.
وإلى جانب هؤلاء الحيتان الكبار تدافعت أمواج الكثير من الكتبة المتبطلين، الدجالين والعاطلين الذين وجدوا في «غزة» فرص عمل، وضالة ارتزاق، وكميناً لقنص الخصوم، وشحذوا أقلامهم وسكاكينهم لتكفير وتخوين وذبح من لا يتخندق معهم وينحاز إلى أحد طرفي الانقسام في فلسطين.. ورغم أن «غزة» لم تخرج بعد من براثن المحرقة الصهيونية (الشواء) إلا أن (هؤلاء) تلفعوا بانسجام واندفعوا في حومة حرق قيمة الاختلاف والتعدد، وكتم العقل، والحيلولة دون تفعيل أسئلة ومجالات المقاومة وكافة وسائلها وأدواتها السياسية والتربوية والفكرية والحقوقية لمجابهة العدوان، وليس الاقتصار على خيار واحد: الانتحار فقط، وإلى الابد.
والحال أن هذا الصنف من المحتالين والنصابين يحتاج إلى الضبط والتعيين أكثر من غيره, فهم الدمار بعينه، ولا يمكن التمويه عليهم بحكاية ضبط «لص شريف»!.
[email protected]