الراشدي وفتنة غياب القانون – عبدالباري طاهر

الراشدي وفتنة غياب القانون – عبدالباري طاهر

«القتل أنفى للقتل» مثل جاهلي أخذ المركز والوجيز الذي احتكم إليه الانسان الجاهلي في صون الدم، وحفظ الارواح، وسلامة الانفس.
جاء القرآن الكريم باعجازه وبلاغته ووضوحه، بالآية الكريمة «ولكم في القصاص حياة يا أول الالباب». في التوراة من: «قتل يقتل». وفي القرآن أيضاً «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً».. الآية
ولنا العظة والعبرة من قيام الإمامة الزيدية في أجزاء مهمة من اليمن. فبعد خراب الحضارة اليمنية وانهيار السدود، وغياب تحالف قبلي موحد وقوي يحكم اليمن، شأن الدول القديمة: السبئية، المعينية، الحميرية؛ اتجهت بعض القبائل القوية لتأتي بواحد من خارج العصبيات القبلية المتحاربة والتي لا يقبل بعضها ببعض ليكون «هجرة» وحكماً في الوقت نفسه.
منذ أدليس بالقصير لا تستطيع قبيلة يمنية أن تحكم القبائل الأخرى إلا عبر تحالف قوي ومتين وعبر تعاقدات وعهود، وحتى توزيع الاختصاصات والمسؤوليات المحددة والمهام المتوافق عليها بين هذه القبائل القوية والشرسة، كوصف الزبيري، أحد أهم شعراء العرب في القرن العشرين، وأحد أهم شهداء القبيلة.
كانت مأساة الزبيري الشاعر العظيم التَّصور أنه قادر بموهبته العظيمة على استعادة مجد القبيلة التي كونت الحضارة اليمنية، ولم يدرك يرحمه الله أن القيم والتقاليد والارث الخالد قد مات وشبع موتاً، ولا بديل غير رؤية جديدة، وقوى جديدة، وحكم جديد.
السنوات وربما الأشهر الاولى من قيام الثورة في الشمال والجنوب، وصمود صنعاء في مواجهة حصار السبعين، والاشهر الاولى من قيام الوحدة، تعطي الدليل والمؤشر إلى استحالة حكم قبيلة أو حزب أو منطقة أو حتى جهة اليمن كل اليمن.
قتل الرعوي في إب، والراشدي في صنعاء، واختطاف الاطفال من صنعاء، وقطع الطرقات، واختطاف السياح، والتمردات في الشمال، والاحتجاج الجنوبي.. شاهد إستحالة حكم يجير لصالح شخص أو حزب أو قبيلة أو جهة.
لا يستطيع قتل المحتجين سلمياً في الهاشمي بعدن أو حضرموت أو أبين أو صنعاء، بناء الحكم. بل على العكس فإن مثل هذا القتل يسرع بنهاية الحكم.
جريمة قتل الدكتور درهم الراشدي في مقر عمله في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا أثناء أداء واجبه العلمي والإنساني في إنقاذ الأرواح ومعالجة المرضى، جريمة مركبة؛ هي جريمة لأنها قتل إنسان بريئ حتى لو حاولوا تلبيسها ثوب «الثأر»، وهي جريمة لأنها تمت تحت سمع وبصر الاماكن المسيجة بالعساكر والثكنات وقوى الامن المطوقة للمدينة صباح مساء، وهي جريمة لأنها طالت عالماً يؤدي واجبه العلمي والانساني في بلد بحاجة أو بأمس الاحتياج للمهارات الصحية والاسعافات الاولية.
خطورة قتل الراشدي وعدم القبض على قاتله، بل قاتليه، أنها تظهر انحياز الدولة أو الحكم للقبيلة. وعدم إلقاء القبض على القاتل بعد ما يقرب من شهر لا يعني إلا تحيز الدولة أو عجزها.
وفي حالة العجز فإن أساساً من أسس شرعية الدولة، قد تم تقويضه، وهو: حماية الكليات الخمس، وفي مقدمتها حماية النفس التي تكون الوظيفة المثلى للدولة -أي دولة- «حمايتها. «ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا».
والسؤال المؤرق والمخيف: لماذا تستهين الدولة اليمنية بقطع الطريق، واختطاف الاطفال والسياح، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؟!
كثيراً ما ردد الاحرار وأبوهم الزبيري: «من حقي ألا يقطع رأسي إلا بحكم» وبديهي أن وظيفة الدولة حماية أرواح الناس والأمن والسلام والاستقرار. هل يكون تحالف الدولة مع القبيلة المدججة بالأمية والسلاح دخل في الخلل الشامل المحيق بالبلاد؟ بل هل أن تماهي السلطة مع القبيلة والنزول على أعرافها وتقاليدها (الدامية) دخل في القتل العمد.
والحقيقة أن تماهي الدولة مع القبيلة ومكافأتها بالمال والسلاح نظير قطع الطريق، وتخريب أنابيب النفط، ومنع وصول الغاز للمدن، وقطع الطريق.. لا نجد تفسيرها إلا في تقمص الدولة شخصية القبيلة، ولكن القبيلة لم تعد القبيلة التي تحدث عنها العلامة ابن خلدون، ذات العصبية والغلبة الحاكمة، ولا القبيلة التي أقامت الحضارة اليمنية وعدة دول أهمها: سبأ ومعين وحمير، ولا القبيلة التي دونها العلامة المجدد علي الوردي، ولا القبيلة البدوية التي عدها القرآن الكريم كفراً ونفاقاً، وأهلها أجدر الا يعلموا حدود ما أنزل الله. إنها القبيلة التي فقدت براءتها كتوصيف شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني.
تحويل السلطة إلى قبيلة أفسد الحكم والقبيلة معاً. فإلى الامس القريب كان للقبيلة اليمنية، ذات الطابع الزراعي والمتسم بالاستقرار، قيم وأعراف وتقاليد لا تسمح بممارسات من نوع خطف الاطفال، والاعتداء بالقتل على المدنيين الآمنين.
الجمع بين العصبية القبلية بعد إفسادها وبين العسكرية هو الداء الوبيل الذي دمر العراق، ومزق الصومال، ولن تكون اليمن أفضل حالاً اذا ما استمر تصرف السلطة ككيان قبلي كبير.
إن الفرق بين القبيلة والدولة أن يكون أكبر وأقوى رأس في القبيلة كأصغر مواطن أمام القانون، وأن تكون قيمة جندي المرور واشارة أصبعه أهم من موكب الشيخ والزعيم.
داء اليمن اليوم أننا أمام قبيلة أفسدت قيمها وتقاليدها وأعرافها، وسلطة غاشمة فقدت هيبتها، فهي تستبيح المدنية بالقبيلة، وتسلط القبيلة على الاخرى، وتخلق عداوات بين المذاهب والقبائل والمناطق والجهات، الشمال ضد الجنوب، السلفي ضداً على الزيدي، وعداوات بين الاعراق والعشائر.
قرابة شهر لم تتمكن الدولة المراهنة على سلاح القبيلة وصوتها في مواجهة المدنية والمجتمع المدني من ضبط القاتل. فهي تريد القبيلة ككتلة صماء لمواجهة الاحتجاجات المدنية، ولاحتمال تطور التمردات العسكرية المتفشية في الجسم اليمني.
لقد تعامل أولياء الدم وأسرة الشهيد مع الأمر بمنتهى المدنية والمسؤولية والحرص، وتقدموا بمطالبهم الشرعية لوزارة الداخلية والنيابة والأجهزة المختصة دون جدوى أو اهتمام، وقوبلت احتجاجات نقابت الاطباء والصيادلة ومؤسسات المجتمع المدني المتضامنة بالتجاهل، وعندما يهدر دم بدون حق فالانسانية كلها في خطر. وتؤكد الآثار الصحيحة وتجارب الحياة والتاريخ أن الظلم سبب رئيس وأساس في خراب المدن ودمار الامم والحضارات والشعوب, وقصص القرآن الكريم خير واعظ.