المدنيّة حلم مرحّل.. وغياب المدينة – محمد ناجي أحمد

المدنيّة حلم مرحّل.. وغياب المدينة – محمد ناجي أحمد

حين قامت ثورة 26 سبتمبر ضد الإمامة من قبل مجموعة من الفتية الرومانسيين الطامحين بحاضر وغدٍ مدني أساسه مؤسسات دستورية، وهدفه مواطنة متساوية، وحكم يقوم على أسس مدنية، وشرعية جماهيرية، كان في أذهانهم وقتها إسقاط أوهام الهويات الحاكمة بسم الله، وإسقاط الظل الذي استمر لقرون يحكم بصفته معصوما ومختارا بنص مقدس، وكأن الله قد فرض على البعض أن يكونوا حكاماًً وعلى الغالبية أن تظل محكومة بالسيف وبالعصمة. جهل الفتية الطامحين بغد جميل أنهم وهم يسقطون دولة الإمامة، فإنهم بذلك يتخلون عن الدولة رغم تخلفها لصالح طموح ما قبل الدولة، أي لصالح طموح القبيلة، التي كانت شكلا مختلفا عن الرعية وقتها، إنهم شكل مواز “ودولة ظلـ” متى ما سقطت دولة الإمامة تصبح القبيلة هي الدولة.
لقد أسس الإمام يحيى ما يمكن أن نسميه بـ”اليمن الحديث”، وكان في فترات تأسيسه معتمداً على قوة القبيلة كأنصار وشركاء لهذه الدولة الفتية. ومع أنه وغيره من الأئمة، كانوا ينهجون في البداية شكلاً ثورياً قائماً على التحالفات التي تؤلف قلوب القبيلة بالهبات والفيد والغنائم، إلاَّ أنهم بعد أن يقوى عود الدولة سرعان ما يغيرون طريقة تعاملهم مع القبيلة، وذلك بوضع صبغة أخرى قائمة على أساس أن الكل متساوون في ظل الشريعة (القانون)، ولذلك تجد أول صدام بين نظام الإمامة والقبيلة في أكثر مرحلة تاريخية يبدأ بتطبيق قانون الإرث وخاصة إرث النساء.
لهذا أقول إن الفتية الطامحين من ثوار سبتمبر، لم تكن لديهم المعرفة الواسعة بسوء البدائل وهم يقضون على صورة الدولة، وإن كانت ممثلة بالمملكة المتوكلية.
لم يكن الإمام يحيى أو أحمد ينظران إلى “الشيخ والدولة” باعتبارهما كيانا واحدا، كما يزعم الشيخ سنان أبولحوم في الجزء الرابع من مذكراته. ولم يكن يعطيهم من مال الدولة باعتبارهم “والدولة كيانا واحدا” إنما كان يعطيهم باعتبارهم “عسكر براني” يؤدي خدمات للدولة ولا ينصرف إلى أهله وذويه إلا بعد أن يبقى في مقام الإمام لأكثر من شهر حتى يؤذن له بزيارة أهله.
استمر مشروع الفتية الحالمين وإن بشكل منقوص داخل المؤسسة العسكرية التي بدأت بالتشكل في أربعينيات القرن العشرين، ومنذ نشوء هذه المؤسسة والصدام بينها وبين القبيلة لم يتوقف فمنذ مشروعهم الأول في 1948 والقبيلة هي العنصر الحاسم في ضرب طموحهم وحتى ثورة 26 سبتمبر، حين دخل مشايخ القبائل في حكومة السلال، والصدام لم ينتهِ، فهم في اقتسامهم مع الجمهوريين والملكيين، ظل دمهم فيما بينهم مقدساً لا يمس. وأما بالنسبة لدم “الرعوي” فهو مشاع بينهم، سواء قتل من قبل مشايخ الملكية في تخوم مأرب والجوف وحجة وصعدة، أم قتل بسلاح مشايخ الجمهورية في شوارع صنعاء تكريماً لهم لما أبدوه من بسالة في الدفاع عن الجمهورية في حرب السبعين يوماً وما قبلها وما بعدها!
حين جاء الإرياني إلى الحكم كبديل مدني لإسقاط دولة السلال، لم يكن هدف المشايخ هو تأسيس دولة مدنية ذات إرادة مستقلة، وإنما كان همهم هو هزيمة مؤسسة “القوات المسلحة” التي ومنذ تأسيسها كانت خياراً بديلاً للعسكري البراني، وفي هذا يمكن أن نقرأ حادثة إشهار السلاح أكثر من مرة في وجه السلال من قبل المشايخ وفي وجه البيضاني والفريق العمري. كل هذا الصدام الذي كان يحدث بين رموز القبيلة ورموز القوات المسلحة كان مرده إلى صراع بين مشروعين: مشروع الدولة اليمنية الحديثة (ولا أقول المدنية)، ومشروع ما قبل الدولة. لهذا أقول إن إسقاط دولة الإمامة لم يكن لصالح مشروع الدولة اليمنية، وإنما كان وأداً لتطورها وانتصاراً لمشروع ما قبل الدولة.
جاء الحمدي وقد انخرط في القوات المسلحة بعد الثورة مباشرة وسجن في سجون عبدالناصر حين اعتقلت حكومة النعمان لأكثر من عام، كان وقتها الحمدي، وهو ربيب القوميين العرب والديمقراطيين الثوريين، يحمل بين جوانحه طموح بناء دولة يمنية حديثة، وكان وقتها -حسب وصف يحيى المتوكل، الذي رافقه في محنة الأسر بمصر- يتميز بالطموح والعاطفية، هذا الطموح وجد ترجمته في حركة 13 يونيو والتي كانت القبيلة صانعة له لإسقاط دولة الإرياني الذي لم يكن ميالاً لسفك الدماء، ولم يكن مطواعاً للإرادة السعودية، فكان البديل بإسقاطه بحركة 13 يونيو. وقتها الحمدي كان يتوهم -وبرومانسية لا تقل عن رومانسية الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة 26 سبتمبر- أنه قادر على تحقيق حلم الدولة اليمنية الحديثة من خلال استكمال بنية المؤسسة العسكرية سواء على مستوى الشرطة وأجهزتها المختلفة، أم على مستوى تشكيلات وفرق القوات المسلحة. لكن هذا الطموح سرعان ما تهاوى وسقط تحت حوافر الحرب الباردة وأقطابها الإقليميين والمحليين. بعدها لم يكن للقوات من خيارات سوى التقاسم والشراكة مع أقطاب القبيلة. كل ذلك يمكن تفهمه في ظل غياب الخيارات، ووجود الحرب الباردة، وواقع الانشطار لليمن الطبيعي إلى دولتين. ولكن بعد سقوط سور برلين وقيام الوحدة اليمنية والانتقال إلى القطبية الواحدة واتساع رقعة اليمن الواحد ودخول متغيرات كثيرة، كل ذلك يجعل القارئ يتساءل عن سبب هذا الركود لمشروع الدولة اليمنية الحديث، وهو كمشروع مرحلي ملاصق لشرعية وجود القوات المسلحة والأمن.
إنني هنا لا أتحدث عن الدولة المدنية والتي أساسها التداول السلمي لرأس السلطة، فهذا من العبث الملاصق لمقايل القات؛ إنني أتحدث عن شرط الدولة المدنية، وهو قيام اليمن الحديث، وهو مشروع على القوات المسلحة أن تتم إنجازه، وعلي عبدالله صالح باعتقادي ليس ابناً للقبيلة كما يقدمه الآخرون وكما يقدم نفسه، إنّه ابن للقوات المسلحة منذ نعومة أظفاره، بل ومحيطه الأسري ينتمي إلى هذه المؤسسة، فأن يدير الدولة وفقاً لتحالفات الجمهورية العربية اليمنية، فهذا باعتقادي سير على الطريق الذي يتوهم أنه آمن، فهو ضد مشروعية الدولة. أؤكد مرة ثانية وثالثة أن التنازع على كرسي الرئاسة ليس مطلباً لـ”الرعوي” لفترة زمنية ربما تمتد عقود، لكن تأسيس دولة المواطنة المتساوية أو ما أسماه الأستاذ العظيم أحمد محمد نعمان “عقد اجتماعي” هدنة بين العسكري والرعوي.
ما الذي يحتاجه الرعوي في إب؟ وأخي العزيز درهم الراشدي، وفكري قاسم، وعبدالكريم الخيواني، ونبيل الصوفي، ومحمود ياسين، وغيرهم، وأنا واحد منهم، نحتاج إلى دولة نظام وقانون وشراكة سياسية ما دون سقف الرئاسة؛ نحتاج إلى ما يؤمِّن لنا حياتنا وحقنا في التعبير عن آرائنا؛ نحتاج إلى تعليم يبني ذهنية أبنائنا ولا يجعلهم مشاريع توحش وقتل أو مشاريع “شهداء”؛ نحتاج إلى تأمين صحي ونهوض للرياضة والتنمية والحريات الشخصية ونمو متكامل للشخصية المتكاملة بأبعادها الجمالية والفكرية في المسرح والسينما والموسيقى والثقافة؛ نحتاج إلى شراكة سياسية تستنهض قوانا، ولا تستهلكه، إلى ثقافة مغايرة ومختلفة عن ثقافة تنتج الكراهية وتجعلنا في حالة تمترس وخصومة شخصية…
لا أريد أن أحمل أكفاناً للآخرين، عليهم أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي؛ لكن عليهم أن يتخلصوا من ثقافة الموت، وأن يتعايشوا مع التداول الطبيعي للحياة حتى نعيش حالة توافق و”هدنة” لنبني دولة المواطنين.
[email protected]