قانا ثانية وحتى عاشرة… لن يفيق العرب – محمد القاضي

قانا ثانية وحتى عاشرة… لن يفيق العرب – محمد القاضي

وها هي تل أبيب تكشف مرة أخرى عن سوءة هذه الأمة العربية المتشرذمة والواقعة في وحل الانهزامية والتقزم. ها نحن نرى قانا ثانية وربما نشاهد قانا ثالثة ورابعة وخامسة وحتى عاشرة أو حتى إن تم ذبح الشعب اللبناني أو الفلسطيني فردا فردا لما تحرك ساكن لهذه الأنظمة العربية الخانعة الذليلة التي أصبحت تمثل تجسيدا للعار والفضيحة. نعم هذه الأنظمة التي تتعامل بكل سلبية ولا مبالاة مع ما يجري في لبنان وكأن الأمر لا يعنيها أو كأنها تحكم شعوبا في أمريكا اللاتينية و ليست شعوباً عربية تتجمد في عيون مواطنيها المغلوبين على أمرهم الدموع وهم يشاهدون ما يجري مباشرة وعلى الهواء. لكنها أيضا شعوب خانعة وذليلة ومكسورة خرجت تتظاهر وتدمر وتحرق كل شئ بشأن الرسوم التي نشرتها صحيفة دنمركية، لكنها تجمدت وهى ترى مجازر بشعة ترتكبها القوات الإسرائيلية بكل بشاعة وعجرفة مدعومة برعونة وصلابة بوش الابن الذي اطل علينا من شاشات التلفزيون وهو يتلذذ بمقتل الأبرياء من اللبنانيين، بل ويبرر قتل شعب بأكمله وتدمير مقوماته وبنياته التحتية مقتل جنديين اسرائليين. يا ويلي ما ارخص الدم العربي عند بوش ورايس ولكن في المقابل عند حكامنا العرب الذين مرمطوا بنا وبكرامتنا في الوحل, إلى درجة أننا بدأنا نسمع حتى مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق وأصوات وضمائر غربية حية تنتقد هؤلاء الحكام.
لم يكن همنا نحن العرب فقط سوء جمع التبرعات وفتح المساجد بالدعاء بالويل والهلاك سلاح الضعفاء والمستكينين, تراتيل نطلقها منذ زمن فلم تزد العدو إلا قوة ومنعة وعتوا ونفورا. من حق إسرائيل أن تقتل وتدمر وترتكب مجزرة تلو أخرى وهى تعرف تماما أن العرب بهذه الصورة الوقحة من الضعف والهوان. كنا نسمع في السابق بيانات الشجب والتنديد ولكنها بدت الآن أمرا غير مقبول به من قبل البيت الأبيض ولذا لم نسمعها إلا بعد ثمانية عشر يوما من القتل والتدمير فكان محرجا أن لا يندد بعض القادة بمجزرة فضيعة كمجزرة قانا الثانية. سمعت وشاهدت لبنانياً وهو يصب جام غضبة ولعناته على العرب ويقول انه لا يريد خبزا أو ماء أو غيره, يريد موقفا مشرفا من هؤلاء القادة والزعامات المتحجرة الغارقة في وحل الخلافات الجانبية. زميلة أوروبية قالت لي إنها تشعر بالخجل والعار من موقف الدول الأوروبية مما يجري في لبنان. ماذا عسانا نحن العرب أن نقول وبأي كلمة نصف خجلنا وعجزنا كشعوب ونحن نرى المواقف المتهاونة من قبل حكام هذه الأمة ومغتصبي كرامتها إزاء ما يجري في لبنان, لبنان البلد الجميل الذي كان فنارا جميلا لكل تواق للحرية والإصلاح والتغيير في الشرق الأوسط منذ زمن. بيروت التي احتضنت كل فكر جميل وقاومت الموت والدمار ونهضت من جديد لتقدم للعالم درسا حيا في الصمود في وجه الموت، وأن إرادة الناس في الحياة لا تقهرها أية قوة في العالم. بيروت كعبة عشاق الحرية اليوم تحترق ونشتم منها رائحة البارود والدم بعد أن كانت تستعد لاستقبال محبيها وزائريها العاشقين للفن والجمال والتسامح والحرية. خذلوك يا بيروت وأسلموك للموت والمقابر.
 بوش هو الواحد القادر على إيقاف آلة الموت عن العمل، لكنة لا يريد. يريد أن يقيم مشروعاً جديداً للشرق الأوسط على أنقاض الدم والأشلاء. يخطئ بوش إن كان يعتقد أن مثل هكذا انحياز وعجرفة فاضحة مع إسرائيل يمكن أن يحقق السلام، إن ذلك بالتأكيد سيزيد المنطقة احتقانا وتطرفا وإرهابا وكرها لأمريكا. كنت من الذين رحبوا كثيرا بإطلاق كولن بأول مبادرة الشرق الأوسط الكبير. لكن الآن نرى بوش يريد أن يحمل لنا قيم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وأبراهام لنكولن وغيرهما من بناة الديمقراطية الأمريكية ليس على طبق من الممارسات الأخلاقية لقيم هذه الديمقراطية، بل على ظهر الصواريخ والقنابل التي يزود بها تل أبيب لتقتل الناس وترسم لنا لوحة قانا الثانية وربما لوحات أخرى قادمة. اشعر بالتعاطف مع الشعب الأمريكي الذي وضع بوش قيمهم وقيم أجدادهم من مؤسسي أمريكا في الوحل وأساء إلى جيفرسون وواشنطن وأصبح يمثل كارثة لهذا الشعب. لكني أتذكر نعمة الديمقراطية التي لن تجعل بوش يستمر لأكثر من ولايتين ومن بعدها يذهب إلى الجحيم، لكن كارثتنا أعظم في أننا نحن الذين نموت ونذهب إلى الجحيم ويبقى الزعيم.
[email protected]