الراشدي.. وبلاد غادرها الأمان

الراشدي.. وبلاد غادرها الأمان

إنهم يقتلون المدنية
*عبدالكريم الخيواني
توفى الدكتور درهم الراشدي متأثرا بالطعنات التي تلقاها بعد أن أقتحم 18 مسلحا مكتبه بالمستشفى قبل حوالي ثلاثة أسابيع. لعله أراد أن يفارق الحياة مطمئنا أن الجناة لن يفلتوا من العقاب، وأن ثمة بقية ضمير أو حياء رسمي تستفزه الجريمة ومعنى المسؤولية، لكن مرَّ الوقت دون أي جدوى، فقتله التقاعس الرسمي مره ثانية. وثالثة قتلته الحسرة على بلدٍ، هانت فيها قيمة العدالة والحياة، وواقعٍ تصالح مع الفساد وأعراف الجاهلية، واقعٍ يخاف القوة ولا يبالي بالحق.
 ظل درهم في حالة غيبوبة احتجاجية فيما الجناة طلقاء أحرار وغير ملاحقين أمنياً، علماً أنهم موجودون داخل اليمن، وضمن نطاق القوانين اليمنية والجهات الأمنية والقضائية المعنية التي تعلم بالحادث لكنها على ما يبدو مشغولة بأمور أكثر خطورة وأهميه،ومطمئنة أن الضحية في الثلاجة.
لديها مهام قمع أعتصامات التصالح في المحافظات الجنوبية،لديها مهام الاعتداء على الصحفيين والمصورين، لديها أولويات ملاحقة صحيفة المصدر وإحضار الكاتب منير الماوري من أمريكا،المسؤولون مشغولون جدا… من يدير معارك حرف سفيان ويخطط للسيطرة على الأراضي و”البقع”، ومن عليه معرفة مصدر كل “بنت صحن” واتجاهها، وأسرار صناعتها، من سيهتم بمراضاة من تم حشدهم للقتال في صعده بالمبالغ المخصصة للتعويض أو الأعمار،ثم هناك مهام مراقبة التلفونات ومقايل السياسيين وحركة الناشطين، واعتقال المحتفلين بعيد الغدير،ومنع تكريم ياسين سعيد نعمان.
النظام في اليمن وقته ضيق بين حشد المصلين في السبعين ودعوات تطوع لغزه ودعوات عقد قمم لفرط أنشغالة ينسى حضورها.
لهذا كله فإن اعتداء مسلحين على مستشفى وقتل طبيب أو خطف طفل أو مواطن ليس مهماً في قائمة الجهات أو الأجهزة المعنية.
 أصلاً قيمة حياة المواطن متدنية رسمياً، وتقل أهميتها أو تنعدم عندما يكون المواطن الضحية مدنياً والجاني يستند إلى عصبية القبيلة أو السلطة أو النفوذ، بغض النظر عن منطقة الضحية أو الجاني،كما تؤكد كثير من الحالات لعل أخرها قضايا الشهاري والحامد.ومثل هذه القضايا عادة ما تنتهي بتسويات بعيداً عن القضاء والعدالة والقانون،بعيدا عن الحق العام أو الخاص. ويكون أبطال التسوية وجهاء منطقة الضحية الذين يعززون مصالحهم بهكذا خدمات في واقع فاسد يحكي استباحة الجمال والمدنية.
التقاعس الرسمي مرده أن الضحية طبيب أولاً، ثم إنه من منطقة مدنية، والمدنية في اليمن محل استهداف واستضعاف من السلطة،الراشدي من تعز الخالية من أي عصبيه قبلية تضغط على السلطة للقيام بواجباتها، وما أكثر ما دفعت تعز تكاليف مدنيتها. تعز التي تتحصن بوعي أبنائها إزاء كل محاولات دفعها باتجاه التكتل الجهوي، الحالمة التي كانت الأولى وعياً ومدنيهً صارت اليوم الأولى بعدد حالات الانتحار،تعز منارة المدنية تحولت إلى قرية بدرجة محافظ، قرية تنام باكراً مغمضة جفونها على أحلام كانت و”تبابـ” هجرها من تنافسوا عليها يوما قبل ظهور النفط،تعز حيث حوصرت المدنية خوفا من انتشارها واستضعف مدنيوها شأنهم شأن المدنيين في ذمار وصنعاء، وصولا إلى استباحة كل ما هو مدني في حياتنا بالوقت الراهن.
 اليمن اليوم يتكون من ظلمه ومظلومين، فاسدين وضحايا لا وسط بينهما، إلا أن ما يلفت الانتباه في واقعنا غياب الشعور بخطورة ما يحصل، فتغدو متابعة جريمة أو اختطاف أو انتهاك مسئولية أسره أو نقابة ما في حالة لم تكن النقابة تحت السيطرة الرسمية،فيما الآخرون رغم كثرتهم متفرجون، وفي أفضل الأحوال متأسفون ومستنكرون، وكأن البعض يعتقد أنه غير معني إلا متى وصل الحريق إلى طرف ثوبه. والمنظمات المدنية والحقوقية في أحسن حالاتها تصدر بيان استنكار. أما أحزاب المعارضة فمازالت مصممه على الابتعاد عن قضايا الحقوق.
علينا الاعتراف أننا نعاني يمنيا من ضعف ثقافة التضامن والدفاع عن الحقوق والحريات، ومناصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم. اليوم يتحالف الظلمة ضد المستضعفين والمظلومين الذين هم أشد حاجة للتحالف، هم أصحاب حق اختراع التحالف من أيام الجاهلية في حلف الفضول. لكننا في المحصلة أبناء واقع الضعف والنفاق والشك والخوف…نعم الضعف الذي أغرى بالمدنية وبالمدنيين ويكاد يودي بالبلد.
هذا ليس تهويلا فما يحدث أكبر من أي تهويل.
خلونا في قضية الشهيد درهم. بعد الحادثة أحتج الأطباء ونقابتهم على الاعتداء،فقام وزيران بزيارة المستشفى وأكدا فقط على إستراتيجية احتجاز الموتى لجلب الجناة كأن الحكومة بذلك أعفت نفسها من مسؤولية الملاحقة والضبط.
استمر الأعتصام لكنة بدا باهتاً ومحدوداً ومستهدفا من فريق طبي أخر لا يضمن عدم تعرضه لاعتداء مشابه،ولا يعي أن الدفاع عن الراشدي هو دفاع عن مهنتهم وحياتهم ومدنيتهم. ثم أن الاعتصام لم يزعج السلطة كثيراً فالمسؤولون لايتعالجون في مستشفياتنا المحلية بل ولا يدرَّسون أولادهم هنا أيضاً. الانزعاج الرسمي مرده أن السلطة ترفض أية وسيلة سلمية يمارسها المواطن دفاعا عن حق أو احتجاجاً على خطأ، ولا تريد أن يجتمع الناس على موقف يقًّدس الحياة.