في الاحتفاء بذكرى ميلاد عملاق

في الاحتفاء بذكرى ميلاد عملاق

أنيس حسن يحيى
الاحتفاء بالعمالقة الكبار تقليد جميل أرجو أن يتكرس في حياتنا، ويغدو تقليداً راسخاً. وإنه لأمر جميل أن يتزامن الاحتفاء بعملاقين من عمالقة حركة التنوير في اليمن، وفي عدن تحديداً ليأتي هذا الاحتفاء تعبيراً صادقاً تجاه من كرس حياته في خدمة حركة التنوير في بلادنا. والعملاقان هما محمد عبده غانم ومحمد علي لقمان.
أتمنى شخصياً أن ينهض إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ووزارة الثقافة معاً بواجبات هذا الاحتفاء لما له من دلالات نبيلة كبيرة المعاني.
على الصعيد الشخصي سأحرص هنا على الإشارة إلى محطات هامة في علاقتي بالأستاذ الكبير محمد عبده غانم على الصعيد التربوي وعلى صعيد العلاقات الإنسانية الأسرية.
رغم مكانتي في الحياة الثقافية والفكرية والسياسية في بلادي اليمن فقد شعرت بالرهبة، عندما اقترح عليّ الصديق نزار غانم أن أكتب بضع كلمات عن والده بمناسبة الاحتفاء بذكرى ميلاده ال 97. فالكتابة عن هذا العملاق الكبير محمد عبده غانم مهمة ليست هينة، وأنا أتمنى أن تخصص وزارة الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين جائزة باسم هذا المبدع المتنوع والمتعدد المواهب بحيث ينهض عدد من مثقفينا الكبار بالاضطلاع بدورهم في تسليط الضوء، وعلى نحو أكاديمي علمي على إبداعات محمد عبده غانم، الشاعر والأديب والمفكر والتربوي القدير.
أما على الصعيد الشخصي فيسعدني أن أتناول هنا، بإيجاز، علاقتي الشخصية به وبأسرته وبأم قيس، تحديداً، في محطات هامة في حياتي أعتز بها وأتذكرها بكثير من المحبة والتقدير.
على صعيد العلاقة بالأسرة:
شاءت الصدفة أن نعيش، كأسرتين، في حي واحد كان يُعرف بحي الرزميت، وكلمة رزميت محرفة عن الكلمة الإنجليزية Regiment، وهو حي واسع يمتد من سفح الجبل الذي يقع عليه مبنى المجلس التشريعي سابقاً، إلى ما بعد قصر السلطان. والحي بكل أقسامه ومكوناته يطل على خليج عدن وبحره الجميل الذي يأنس إليه الناس القادمون إليه من كل أحياء مدينة كريتر، وأتمنى أن تسمى صيرة ويجري ترسيخ هذا الاسم في حياة الناس.
منزل أسرة الفقيد يقع في مواجهة البيوت التي كنا نسكن في إحداها. والبيت الذي كانت تنزل فيه أسرة الفقيد هو أحد البيوت المخصصة لعدد من رجال عدن التربويين الأفاضل، أذكر من بين هؤلاء الأستاذ إبراهيم روبله، وهو من خيرة تربويي عدن، والأستاذ علي طريح، وهو مصري كان يدرّسنا اللغة العربية في المرحلة الابتدائية في المدرسة التي عُرفت يومها باسم Residency School. كما كان يقع في نفس الحي المعهد التجاري العدني، هذا الصرح التعليمي العتيد الذي تخرج منه العديد من كوادر عدن. أسس هذا المعهد الرجل التربوي الفاضل الحاج راجمنار المدراسي. وكم أتمنى لو أن وزارة التربية والتعليم تقوم بالاحتفاء بهذه الشخصية التربوية القديرة، علماً بأن رسالته التي نهض بها في مطلع الخمسينيات حتى الاستقلال الوطني ستبقى خالدة في ذاكرة العديد من كوادر عدن التي تلقت تعليمها في هذا المعهد.
كنا، سكان الحي، أشبه ما نكون بأسرة واحدة.. بدون استثناء. وكنا نحن صغار أبناء الحي نتنقل بسهولة بين هذه البيوت وسكانها ونجد من أهلها كل محبة وود وحنان. وإني لأتذكر بكثير من الاعتزاز والتقدير كيف كنت أنا وزملاء آخرون لي من الحي، نُستقبل بوجوه باشة ومحبة من قبل المرأة الفاضلة أم قيس التي كانت تغمرنا بحنانها عندما كنا نزور هذه الأسرة الكريمة.
كنا أبناء هذا الحي نمارس كرة القدم على ملعب مدرسة الثانوية. ومن بين هؤلاء الأخوان العزيزان قيس غانم وشهاب غانم. وبعد كل مرة نقوم فيها بممارسة هذه الهواية المحببة إلينا كان يدعونا قيس إلى قضاء بعض الوقت في بيتهم. وهناك نجد الاستقبال الحسن المفعم بالمحبة من أستاذنا الفاضل محمد عبده غانم وزوجته الفاضلة أم قيس.
هذه العلاقة الأسرية التي أعتز بها كثيراً تركت في نفسي إحساساً بالدفء الذي كان يغمرني كلما كنت أزور هذه الأسرة الفاضلة.
مضت الأيام والسنون، وانغمس كل منا في هموم الدنيا، ثم فجأة وبدون سابق ترتيب وأنا مازلت أتحدث عن الجانب الإنساني في هذه العلاقة أجد مدير مكتبي في وزارة الاقتصاد والصناعة في مطلع عام 1970 يدخل مستأذناً دخول الأستاذ الفاضل محمد عبده غانم وزوجته إلى مكتبي. فقمت على الفور مرحباً بهما وعاتبت مدير مكتبي على تركهما ينتظران الإذن بالدخول، فمثلهما لا يجوز أن ينتظرا السماح بالدخول.
استقبلتهما ببشاشة ومحبة جديرين بهما وهما يتقدمان نحو مكتبي. وعرفت منهما أن ثمة حاجة لإصدار توجيهات استثنائية مني تتعلق بطلب شخصي لهما. كانت قواعد وأنظمة الوزارة تتعامل مع طلبات كهذه بشيء من الصرامة، ويكون الاستثناء فقط بتدخل من الوزير. وكانا يستحقان مني أن أعالج الأمر بما يليق بمكانة هذا المربي الفاضل القدير والمثقف المتميز والشاعر المبدع. أمضينا ما يقرب من نصف ساعة ونحن نستعيد ذكريات جميلة متنوعة، وكانت أم قيس تتدخل في كل مرة وهي تخاطبني كأحد أبنائها بنفس مشاعر المحبة والود التي كانت تغمرني بها عندما كنت أزور مسكنها في حي الرزميت في مطلع الخمسينيات. وعندما أبلغني مدير مكتبي أن المعاملة الخاصة بهما أنجزت استأذنا بالانصراف والعيون تنطق بالمحبة وتشي بالود.
على صعيد هذه العلاقة الإنسانية الحميمة هناك واقعتان أود أن أشير إليهما لأوضح مدى حب هذا الرجل الفاضل لأمثالي في وقت كانت الحركة الوطنية والنقابية في عدن تعيش حالة من الزخم المتصاعد.
الواقعة الأولى عندما اُستدعيت من قبل مدير المعارف السيد “هارتلي” للتحقيق معي بسبب خروجي عن مقرر اللغة العربية يتضمن المرحلة الإعدادية. كنت يومها أدرّس في المدرسة الإعدادية في مدينة التواهي مواداً متعددة من بينها مادة اللغة العربية.
مقرر اللغة العربية في تدريس نماذج من الشعر العربي المعاصر، وكنت وجدت مفردات صعبة ومعقدة بالنسبة لتلاميذ في المرحلة الإعدادية، فاخترت عوضاً عنها قصائد حديثة سهلة الاستيعاب والفهم بسبب بساطة مفرداتها. الطابع الوطني التحرري كان هو الغالب على هذه القصائد التي أخذتها كبديل عن المقرر المعتمد من قبل إدارة المعارف، ولذلك
لم يرق تصرفي هذا لإدارة المعارف التي رأت فيه تحريضاً ضد الاستعمار، فتم استدعائي للتحقيق معي من قبل مدير المعارف السيد هارتلي. التقاني نائبه المربي القدير الأستاذ محمد عبده غانم، في مكتبه وفسَّر لي سبب استدعائي بغرض تهيئتي ذهنياً للتحقيق الذي كان ينتظرني.
كنت يومها أكتب وأتكلم اللغة الإنجليزية بشكل سليم، ومع ذلك حرص السيد هارتلي بأن نستعين، كلانا، بمترجم، وكان هذا المترجم أستاذنا الكبير محمد عبده غانم . من جانبي استحسنت أن يقوم أستاذي محمد عبده غانم بالترجمة، وكان هو أباً حنوناً في ترجمته، ما يعني أنه كان يتعمد عدم ترجمة بعض أقوالي التي تبدو مستفزة لمدير المعارف. وعندما كنت أهمس في أذنه، بين وقت وآخرآ، أنه لم يكن يترجم كل ما قلته، كان يبتسم ابتسامة هادئة تحمل لي النصح بأن أكتفي بما قاله من ترجمة. ثم فهمت منه دواعي ذلك.
كان حريصاً على تجنيبي أية تعقيدات كان يحس بها. وتلقيت بعد هذا التحقيق إنذاراً بعدم الخروج على المقرر. ومن جانبي تجاهلتُ هذا الإنذار وتصرفتً كما يتوجب عليّ كمدرس يعرف ما الذي يجب أن يقدمه لتلاميذه.
الواقعة الثانية كانت أكثر استفزازاً ل السيد هارتلي، في عام 1958 نظمنا نحن في إدارة نادي الروضة مهرجاناً خطابياً بمناسبة ذكرى ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام. وكان المتكلمون في هذا المهرجان الخطابي الذي اكتسب طابعاً وطنياً منذ لحظاته الأولى، ثلاثة هم: سيف أحمد صالح ضالعي، وعلي حسين القاضي وأنا. ثلاثتنا تحدثنا بتوجه وطني معادٍ للاستعمار. التوجه كان واضحاً ومفردات خطابنا كانت هي الأخرى أكثر وضوحاً في التحريض ضد المستعمر. فاستدعينا ثلاثتنا من قبل دوائرنا للتحقيق، ووجدت نفسي مرة أخرى أمام السيد هارتلي، مدير المعارف. وكما حدث في المرة الأولى التقاني أولاً في مكتبي أستاذنا الفاضل محمد عبده غانم، وخاطبني قائلاً ومعه نسخة من الخطاب الذي ألقيته في المهرجان: “أجد صعوبة، هذه المرة، في التخفيف عليك، لأن النص مترجم بالكامل وهو في حوزة السيد هارتلي”. وعندما دخلنا معاً مكتب السيد هارتلي وجدته مكفهر الوجه، كما لاحظت أن عينيه كانتا تنطقان بالشر.
لم يدم اللقاء طويلاً، إذ لم تكن هناك حاجة لحوار طويل في ظل نص خطابي لي واضح في لغته ومعانيه في التحريض ضد الإدارة البريطانية. ومع ذلك أستطاع الأستاذ محمد عبده غانم أن يخفف عني غضب السيد هارتلي بقوله إن كل التقارير التربوية تشيد بكفاءة الأستاذ أنيس يحي كمربٍ قدير، وأن ثمة توجهاً عاماً في البلد يتوافق الأستاذ أنيس حسن يحي معه تماماً. ولذلك نصح بأن تأخذ الإدارة في الحسبان أدائي المتميز كمربٍ قدير.
لم ينخرط أستاذنا الفاضل في الحركة الوطنية ولكنه كان يتفاعل معها بطريقته الخاصة. وعندما وجد أنه في مقدوره أن يخفف عليّ غضب إدارة المعارف ومديرها، لم يتوان عن ذلك، مجسداً حسه الوطني.
انتقل الآن إلى الحديث عن واقعة ذات بعد تربوي مازلت أتذكر بعض تفاصيلها وليس كلها، وحتى اللحظة أجد نفسي أسترجع بعض تفاصيل تلك الواقعة بتقدير مفعم بالمودة لهذا الأستاذ الكبير.
في عام 1945 حين كان أستاذنا الفاضل يقوم بمهمة المشرف والموجه التربوي لعدد من المدارس الحكومية، زارنا فجأة في مدرسة ال Residency Schoolواختار أن يجري لي ولزملاء آخرين في الفصل اختباراً في قواعد اللغة العربية. كنت حينئذ من التلاميذ المبرزين في قواعد اللغة العربية، وذلك بفضل عناية أستاذين فاضلين بنا هما الأستاذ زين الحازمي والأستاذ علي طريح الذي سبق ذكره. بعد الاختبار اكتشفت أن معرفتي بقواعد اللغة العربية كانت هشة، وأن حصولي على العلامة الكاملة في امتحانات اللغة لم يكن يعني، في حقيقة الأمر، استيعابي الجيد لقواعد اللغة. طرح علينا الأستاذ الفاضل محمد عبده غانم في هذا الاختبار سؤالين يتعلقان بالإعراب: الأول لا أستطيع أن أجزم بمدى دقته، ويتعلق بتقديم المفعول به على الفاعل كأن نقول مثلاً: ضرَبَ الولدَ المعلِّمُ ؛ والثاني، وهذا أتذكره جيداً وبدون أية ضبابية، يتعلق بإعراب فعل كان.. وما القصد من قولنا إن كان فعل ماضٍ ناقص. ولماذا نقول فعل ماضٍ ولا نقول فعل ماضي.
أعترف، حقاً، بأن معرفتي بقواعد اللغة العربية، حتى ذلك الحين، كانت هشّة. لقد أعاد بنائي لغوياً عدد من الأساتذة الأفاضل أذكرهم باعتزاز وهم الأستاذ لطفي جعفر أمان والأستاذ عبد الله فاضل والأستاذ هاشم عبد الله، وكلهم قامات سامقة في مجال التربية والثقافة والفكر، لهم جميعاً كامل مودتي وتقديري.
كما أتذكر أنني استطعت أن أتنبه، في المثال الأول، وبعد شيء من التردد والحيرة أن الولد مفعول به مقدم على الفاعل وأن المعلم فاعل متأخر. لكن لم تأتِ إجابتي على الفور ما يعني أن إلمامي بقواعد اللغة بحاجة إلى مراجعة. أما في المثال الثاني فإنني لم أفهم لماذا نقول كان فعل ماضٍ ناقص ولا نقول كان فعل ماضي. كما أنه تعذر تفسير قولنا بأن كان فعل ماضٍ ناقص.
أبتسم الأستاذ الكبير بحنان الأب وأوضح لي شخصياً، وكان الاختبار لكل منا يتم على إنفراد، سبب قولنا كان فعل ماضٍ ناقص، وما هو المقصود بقولنا كان فعل ماضٍ ناقص، أي ما المقصود بقولنا ناقص. العمر لم يسمح يومها باستيعاب إشكاليات قواعد اللغة، ولكن الاختبار فعل فعله في حياتي وأعطى ثماره، ومن يومها وأنا أحرص على تفهم قواعد لغتنا الجميلة. وأتذكر جيداً أني، وتحت التأثير الإيجابي للأستاذ الكبير هاشم عبد الله، قرأت كتاب الأيام لطه حسين، وأنا في المرحلة الثانوية مهتماً بتشكيل أواخر الكلمات فقط دون أن أعير أي اهتمام لمضمون ما أقرأ، في القراءة الأولى، الأمر الذي دفعني إلى قراءة الأيام لأستوعب مضمون هذا العمل الإبداعي الخالد لمفكرنا العظيم طه حسين.
لا أستطيع الجزم بأن أخطائي في قواعد اللغة اليوم معدومة تماماً، ولكنني أستطيع أن أجزم بأنها قليلة جداً ونادرة، هذا في حالة وجودها. وكانت البداية مع هذا المعلم الكبير الأستاذ المربي الشاعر المبدع المتعدد المواهب، محمد عبده غانم، طيب الله ثراه. ولا يمكنني أن أنسى زوجته الفاضلة أم قيس التي رعتني صغيراً وغمرتني بحنانها، طيب الله ثراها هي الأخرى.