آخر رجال القاموس يروون حكايتهم بعيدا عن آخر محطات أحلامهم

آخر رجال القاموس يروون حكايتهم بعيدا عن آخر محطات أحلامهم

* وضاح المقطري
ربعة عشر فيلما تصويريا هي مجموع معرض “آخر رجال القاموس” الذي يحكي ذكريات الهجرات اليمنية القديمة إلى بريطانيا حيث شكلت مجتمعا مهاجرا استوطن مدن ومناطق عدة هناك، لكن الأفلام جميعها لا تحكي سوى عن المجتمع الذي سقط من هجرته في مدينة “ساوث شيلدز” الهامشية النائمة على ضفاف نهر التايم.
في الثالث عشر من يناير الجاري أفتتح المعرض، في صنعاء، فيما كانت عدن تشهد دما يسيل على شوارعها في يوم التسامح والتصالح الذي ارتضته لنفسها قبل عامين من أجل الخلاص من إثم حرب طحنتها قبل أكثر من عقدين، لكن هذا اليوم لم يشأ إلا أن يكون دمويا باستمرار، فقبل عام أيضا سالت دماء أخرى هناك وهي تحاول “التسامح والتصالح”. أيضاً، يبدو أن المدينة أدمنت الدماء في هذا اليوم، لكن لا أحد يعرف سر اختيار هذا اليوم مناسبة لافتتاح هذا المعرض، فعدن هي المدينة التي صًّدرت أولئك الرجال، وهي آخر نقطة شهدت أحلامهم بالهجرة، ومنها ابتدأت تلك الحكايات، وسوف تستمر هناك على نهر التايم، وفي مدن وموانئ وبحار شتى, لكن صنعاء وحدها احتفت بهم.
 طافحة هي ذكريات رجال القاموس، لكن المعرض يختصرها في أفلامه القصيرة، فهو ليس معنيا بحكاياتهم ولا ذكرياتهم، بقدر ما يقدم صورة عن معنى العلاقة بين الشرق والغرب، وكيف أمكن لبحارة ومهاجرين شرقيين أن يستوطنوا مدينة إنجليزية دون حتى تفكير بالعودة، فصاروا جزءا منها ومن المحيط العام، واندمجوا في ملامحها، وصاروا جزءا من هويتها.
يقول المعرض أن ثمة أشياء حملها المهاجرون من بيئتهم فقدموها كمعنى لوجودهم هناك، ومزجوها بهوية الأرض التي نزلوها، فاكتست ملامحها بما حملوه معهم، وصارت حقيقتهم ماثلة في مبانيها وعاداتها، ونمط تشكلها وتوسعها.
يمكن اختصار حكاية رجال القاموس مع هذه المدينة بعبارات السفير البريطاني في افتتاح المعرض: “لم تكن معيشة هذه الجالية سهلة، فقد كانت الغربة تؤلمهم، والمدينة غريبة عليهم، وهويتها غير مألوفة لديهم، وعانوا كثيرا من استغلال أرباب العمل، لكن ثورات الثلاثينيات شكلت نقطة التحول، فصارت المدينة بعد ذلك مكانا يحتوي معنى للتفاهم”.
يسرد “آخر رجال القاموس” عبر أفلام أعدت بتقنية عالية حكاياتهم كمعنى لمحاولة الإبقاء على تراث الشمال الإنجليزي المتهالك تحت سطوة التقنية، ذلك التراث الذي كانوا هم جزءا منه، وتشكلت معالمه بأيديهم، لكنه الآن يتلاشى بهدوء غير معني بذكرياتهم، وبأنهم جاءوا من بلد حزين وفقير لكي ينسجوا ملامحه، ويعوضوا غربتهم في إنشائه، لكنه ينمحي بهدوء يكادون لا يشعرون به، كأنه لا يكفيهم خسارة وطنهم الأصل، ولا يكفيهم غياب طال وسيطول عن بلد حاولوا تعويضها بمدن وحضارات بعيدة، فخسروا كثيرا.
يقول المعرض أشياء أخرى سوى ذلك، فآخر رجال القاموس الباقين على قيد الحياة، هم ما تبقى من الجيل الأول للمستوطنين اليمنيين في ساوث شيلدز، يظهرون كمعنى للإنسان اليمني الذي هاجر كثيرا، وتشرد كثيرا، لكنه حمل للعالم بساطته وروحه المشغولة بتفاصيل الجمال الإنساني دون تكلف، فالمهاجرون كانوا دائما أناسا طيبين، بسطاء، وجميعهم حالمون ومتعبون.
بدأت فكرة “آخر رجال القاموس” في رأس المخرجة تيانا غرافي التي كانت تعمل على اكتشاف تراث مدينة ساوث شيلدز، وفوجئت أن هذا التراث حمل ملامح كثيرة من بلاد بعيدة جاء مهاجروها إلى ضفاف نهر التاين، مع تحول البقية التي نزلوها إلى مركز لصناعة السفن. نفذ المجلس الثقافي البريطاني فكرة غرافي، فكان هذا المعرض في قلب العاصمة صنعاء محطة لرواية هجرات كثيرة، يسيل من أزمنتها شجن كثير.
لكن السؤال يأتي مباغتا وصارخا: لم لم تكن عدن هي المدينة التي تليق بهذا المعرض إنصافا لها من الإقصاء، واعترافا بأنها كانت آخر محطة لأحلام رجال القاموس.