إمارة جعارستان

إمارة جعارستان
مجلس النواب اليمني (صورة أرشيفية - وكالات)

إمارة جعارستان

تقرير برلماني يحمل الدولة مسؤولية الانفلات الأمني في جعار

من «الجهاد» إلى البلطجة

*أعد الملف:  بشير السيد
كان أبو الحسن المحضار يؤمن بجهاديته وعدالة قضيته رغم تورطه في مصرع 4 سياح أبرياء عام 1998.
وفي جلسات محاكمته التي أدت إلى إعدامه لاحقاً، لاح ناقماً على مسؤولين في الدولة أخلوا بالتزامهم في دعم الجهاد ضد الشيوعية والاشتراكي. كان المحضار متسلحاً بأيديولوجية متطرفة ترتكز على العنف. خلاف خلفائه من جهاديي جعار الذين تحولوا إلى عصابات تقوم بابتزاز الأهالي ونهب المرافق العامة والممتلكات الخاصة، مستفيدين من تحلل «دولة الشرعية» إلى مراكز قوى تتصارع على الامتيازات، والمقاعد الانتخابية في الهيئات المحلية والنيابية.
أخطر ما في مشهد العنف في جعار، هو ما يتردد عن استغلال بعض مراكز القوى لظاهرة تشرذم الجماعات الجهادية من أجل تصفية حسابات فيما بينها أو لمواجهة طرف ثالث في ظل الاحتجاجات التي يشهدها الجنوب. ولم يستبعد مسؤولون في السلطة المحلية تورط بعض مراكز القوى في تحويل الجماعات المسلحة إلى عصابات مأجورة تقوم بأعمال إجرامية لحسابها.
تقرير لجنة برلمانية قامت بتقصي الحقائق عن الأحداث الأمنية في يوليو الماضي يكشف فداحة الأخطاء التي ارتكبتها السلطة في أبين، والتي أدت إلى «تغول» الجماعات المسلحة.
أفاد التقرير بأن جماعة «حطاط» استغلت، بعد العفو عنها، عدم متابعة أجهزة الأمن لها، وبدأت ببسط نفوذها على المواطنين من خلال الترويج بأنها على ارتباط بالأجهزة الأمنية.
التقرير أضاف أن هذه الجماعات كرست لدى الأهالي قناعة مفادها أن أية أفعال تصدر عنها هي محل رضا الدولة (…) وفرضت نفسها كجبهة لحل مشاكل السكان وقضاياهم، باعتبارها على صلة وثيقة بالأجهزة الأمنية والسلطة المحلية (…) وساعدها على ذلك استجابة الأجهزة الحكومية لكثير من مطالبها، وعدم رغبة الاجهزة الامنية بالتصادم معها.
التقرير البرلماني استطرد: «أدى عدم تحرك الأجهزة الأمنية في مواجهة جرائم هذه الجماعات، إلى ضعف هيبة الدولة وتقوية هذه الجماعات، الأمر الذي نتج عنه نشوء جماعات جديدة معظم أفرادها من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة».
وبعد استعراض الاختلالات الأمنية في مديرية خنفر، وشهادات الأطراف ذات الصلة في الأجهزة المحلية والأمنية، خلصت اللجنة البرلمانية في تقريرها إلى استنتاجات خطيرة أبرزها أن سبب الانفلات الأمني في مديرية خنفر، وبخاصة مدينة جعار، هو السياسات التي اتبعتها الدولة تجاه الخارجين على القانون، وتقصير الأجهزة الأمنية في اتخاذ الاجراءات القانونية الرادعة ضد الجماعات المسلحة.

****

دعا إلى اشراك الشخصيات المحلية وانتقد تجاوز صلاحيات السلطة المحلية
محمد صالح هدران – وكيل محافظة أبين:
ممثلون عن الجماعات المسلحة نقلوا معلومات غير دقيقة إلى كبار المسؤولين في صنعاء
انتقد محمد صالح هدران وكيل محافظة أبين السلطة المركزية في صنعاء التي تفرض «من فوق» حلولاً ومعالجات لظاهرة العنف في المحافظة متجاهلة دور ورأي السلطة المحلية.
وأكد أن صورة الأوضاع في أبين ليست مكتملة لدى القيادة في صنعاء. ودعا كبار المسؤولين في الدولة إلى التنسيق والتشاور مع السلطة المحلية في أبين ومديرياتها قبل اتخاذ أي قرار.
وأقر هدران بوجود ازدواجية في مقاربة الأوضاع في أبين، وبخاصة في خنفر، إذ تقوم السلطات في العاصمة بإجراء اتصالات مباشرة مع العناصر المسلحة والاستجابة لمطالبها، ما يضعف موقف السلطة المحلية.
وبشأن قيام رئيس الجمهورية ومسؤولين كبار في صنعاء باستقبال ممثلين عن الجماعات المسلحة، قال لـ«النداء»: «هذه إشكالية حقيقية، فالدولة تسمع من طرف واحد، وتلبي مطالب هذه الجماعات، وهذا يؤدي إلى إضعاف هيبتها».
وإذ رجح أن تكون المعلومات التي تلقاها كبار المسؤولين من وسطاء أو ممثلين عن الجماعات غير دقيقة، شدد على ضرورة أن يعود هؤلاء المسؤولون في العاصمة إلى رأي السلطة المحلية في المديريات والمحافظة، لتتحقق لديهم صورة حقيقية عن مجريات الأمور، واعتبر أن أية مساع لوقف ظاهرة الجماعات المسلحة لن يكتب لها النجاح من دون إشراك الشخصيات الاجتماعية في وضع الحلول.
وعن حقيقة ما يُثار عن صدور توجيهات من العاصمة بعدم مواجهة هذه الجماعات لأنها مجرد شباب من العاطلين، قال: «المحافظات جميعها فيها شباب عاطلون عن العمل، لكن المتورطين في أعمال العنف في أبين لا يمكن وصفهم بالعاطلين، فهذا أمر غير مقبول».
وعن دور المؤسسات الرسمية وأجهزة الامن في محافظة أبين في مواجهة هذه الجماعات، قال: «عندما يطبق القانون على الجميع دون استثناء من رأس الهرم إلى اسفله في الدولة، وعندما توجد سلطة رقابية وتنفيذية حقيقية، ستعود المنطقة إلى حالة الاستقرار وسيضبط الجميع. من دون ذلك ستبقى المحافظة مسرحاً للفوضى وأعمال العنف».

****

قال إن رضوخ الدولة للابتزاز شجع على حمل السلاح ضدها
عبدالمجيد الصلاحي عضو محلي أبين:

ليسوا مجرد شباب طائشين

خلال الاشهر الثلاثة الماضية تحولت خنفر -اكبر مديريات محافظة أبين- إلى مسرح لحرب مفتوحة اعلنتها الجماعات المسلحة ضد قوات الامن في المحافظة والمرافق الحكومية وايضاً ضد بعض الأهالي.
قذائفهم طالت مقرات الامن والمباني الحكومية وغرفة نوم المحافظ واستراحة القصر الرئاسي. لقد اثبتوا أنهم ليسوا «شباب عاطلين عن العمل»، كما حاول بعض المسؤولين تصويرهم في محاولة لتسويق السياسات الملساء للحكومة حيالهم.
«ليسوا مجرد شباب عاطلين أو طائشين»، قال لـ«النداء» عبدالمجيد الصلاحي عضو مجلس محلي المحافظة. في رأيه أن جماعات العنف التي تصدرت المشهد الأمني في أبين مؤخراً، هي تعبير عن طور ثالث للجماعات الجهادية التي مرت بطورين آخرين في الماضي.
الطور الأول لهذه الجماعات -والحديث للصلاحي- كان في مطلع التسعينيات عندما عاد الأفغان العرب من افغانستان، وتحالفوا مع السلطة في صنعاء ضد الحزب الاشتراكي. ومثلت مجموعة «حطاط» طوراً ثانياً. وفي الطور الثالث نزلت الجماعات المسلحة من الجبال وخرجت من المخابئ لتحوِّل مدينة جعار إلى ساحة لتصفية حساباتها مع الحكومة والسلطة المحلية.
يقول الصلاحي: «جماعات الطور الثالث هي الأعنف والأكثر تحدياً للدولة». مشيراً إلى قيام هذه الجماعات بنهب و«تشليح» المرافق الحكومية والمدارس.
وإذ اعتبر أن جماعات الطور الثالث ليست لديها أيديولوجيا أو فكر أو عقيدة، نبه إلى أن تشكيل جماعة مسلحة صار «أقرب الطرق إلى كسب المال».
وسبق للصلاحي أن اعتذر عن القيام بالتحاور مع هذه الجماعات حين طُلب منه محاورتها ومنح أعضائها أرقاماً عسكرية في السلك الامني؛ لأنه يعتقد أن هذا الاسلوب سيؤدي إلى تشجيع آخرين لتكوين جماعات مسلحة، وقال: «من دون اجراء رادع وحاسم فإن الحكومة ستعجز عن إعادة الاستقرار إلى المنطقة». وشدد على تطبيق القانون، ما يتطلب إرادة سياسية وقراراً سياسياً يعتمد على آليات مختلفة عن المعمول بها حالياً.
وحمل بشدة على تراخي الدولة في التعامل مع ظاهرة الجماعات المسلحة. معتبراً رضوخ الدولة لابتزاز المسلحين سبباً رئيسياً في تفشي ظاهرة العنف في أبين. ولفت إلى أن عدد عناصر الجماعات المسلحة لم يكن قبل عامين ليتجاوز العشرات، «لكن عددهم الآن يتجاوز ال200 مسلح».
وأجرت الأجهزة الأمنية حركة تغيير شاملة في قياداتها في أبين. لكن ذلك ليس كافياً في رأي الصلاحي، إذ لا بد من تغيير الآليات وإعمال لغة القانون بدلاً من الذهنية القبلية التي تغلب على سياسات الحكومة في التعاطي مع هذه الجماعات.
وإذ لفت إلى دعم قيادات رفيعة في صنعاء لجماعات الطورين الأول والثاني، فقد أمل ألا تكون هذه القيادات واقفة وراء جماعات الطور الثالث.

****

قوائم متحركة للمطلوبين

لم تستقر أجهزة الأمن في محافظة أبين على قائمة واحدة بالمطلوبين أمنياً بتهمة قيادة اعمال العنف في المحافظة. فمنذ اكتوبر 2007 عممت أجهزة الأمن ما يزيد عن 6 قوائم بالعناصر المطلوب ضبطها.
على الرغم من الحذف والإضافة في الاسماء الواردة في هذه القوائم، إلا أن اسماء: سامي ديان ونادر الشدادي وباسل النقاز، كانت القاسم المشترك بينها. والثلاثة اعتبروا زعماء لثلاث جماعات جهادية.
وحسب مصادر متطابقة فإن نادر الشدادي تعاون مع جهاز الأمن السياسي قبيل أحداث «حطاط»، وقام بتزويد الأمن بمعلومات دقيقة عن جماعة «حطاط»، مستفيداً من علاقته بآخرين منضوين في الجماعة. لم يكن نادر عضواً في الجماعة، وقد تعاون مع الأمن لقاء حصوله والمتعاونين معه من أعضاء الجماعة على امتيازات. لم يتحصل نادر وجماعته الجديدة على امتيازات، فقرر حمل السلاح في مواجهة الدولة.
في 22 يوليو الماضي قام مسلحون بإطلاق نيران على نقطة الأمن المركزي بجعار. وقد ردت قوات الأمن المركزي على المسلحين، وقامت بملاحقتهم. وحسب أفراد الأمن المركزي فإنهم أثناء عودتهم إلى النقطة صباح اليوم التالي أطلقت عليهم النيران من مسلحين يختبئون في منزل نادر الشدادي. وقام الأمن المركزي باقتحام المنزل للقبض على نادر، الذي كان مطلوباً من وقت سابق للأجهزة الأمنية. اندلعت النيران في المنزل، وفي منازل مجاورة وأثير الأمر على أعلى المستويات، وتشكلت لجنة برلمانية برئاسة علي العمراني لتقصي الحقائق.

****

الشيخ حسان ديان:
الجماعات الجهادية بريئة من موجة العنف الحالية
تبدي السلطة تفهماً لدوافع وخلفيات سلوك الجماعات الجهادية المسلحة في محافظة أبين.
ومؤخراً رحبت بمبادرة صلح تبناها الشيخ حسان ديان تسعى لوقف اعمال العنف في أبين وعودة الاستقرار إلى المنطقة.
حسان ديان الذي تحدث لـ«النداء» عصر الاثنين قبل الماضي عبر الهاتف أفاد بأن الوساطة التي تبناها حظيت بتجاوب من قبل الرئيس علي عبدالله صالح ومن قبل الجماعات الجهادية، وقال: «المسؤولون في صنعاء تفهموا مطالب الجماعات ووافقوا عليها»، وأضاف: «أنا قمت بهذه المبادرة لأني أرى أن من مصلحة الدولة عدم الاصطدام مع هؤلاء الشباب لأنهم يمثلون مستقبل اليمن».
وإذْ شدَّد على أن وقف أعمال العنف في المنطقة هو من مصلحة الجميع، أشار إلى أنه أحد ضحايا الاضطرابات التي شهدتها مدينة جعار بعد أن تعرض سوق السمك والخضار التابع له لأعمال النهب في الايام الماضية، ولفت إلى وجود أطراف في السلطة وأخرى في الخارج تسعى إلى استمرار الفوضى داخل المحافظة وإفشال الصلح، داعياً جميع الاطراف إلى التظافر لإنجاح الوساطة.
تتضمن مطالب الجماعات المسلحة إبعاد عدد من مسؤولي المحافظة من مناصبهم، الإفراج عن بقية السجناء وإلغاء التهم عنهم، عدم ملاحقة اعضاء الجماعات امنياً وتحسين ظروفهم المعيشية… الخ.
الشيخ حسان ديان هو أحد العائدين من افغانستان وكان ضمن الدفعة الثانية التي خرجت من السجن بعد أن حاورها القاضي حمود الهتار وكشف ديان عن حوارات طويلة أجراها مع المسؤولين في العاصمة باعتباره ممثلاً عن الجماعات الجهادية التي أوكلت إليه مهمة التفاوض مع السلطة وطرح مطالبهم عليها.
وقال لـ«النداء» ان الجماعات الجهادية وافقت على هدنه لتهدئة الاوضاع في 4 نوفمبر الفائت أثناء توجهه إلى العاصمة للتفاوض مع السلطة، مؤكداً أن الجماعات الجهادية بريئة من كل اعمال العنف التي أعقبت هذا التاريخ بما فيها أعمال النهب التي استهدفت مرافق حكومية في خنفر. وقال إن هناك جهات أخرى مستفيدة تقف وراء هذه الاحداث وتغذي عوامل استمرارها.
و أكد أن هذه الجماعات هي جماعات جهادية دينية ومن المؤيدة لتيار تنظيم القاعدة ولكنها ملتزمة بالجهاد خارج اليمن، معتبراً اليمن دولة اسلامية وأول من سيتصدى للدفاع عنها هي هذه الجماعات.
بحسب مصادر محلية متطابقة في أبين فإن اتفاق المصالحة اشترط على الجهاديين تسليم اسلحتهم الخفيفة والمتوسطة ومنها «آر. بي. جي» وقاذفات الصواريخ، ومضادات الطيران… إلخ.
ويقول مسؤولون في السلطة المحلية في أبين إن ضمان إتمام الاتفاق يتطلب أيضاً تعويض أسر القتلى والمصابين تعويضاً عادلاً. لكن عدداً من مسؤولي المحافظة اعتبروا قبول السلطة بالإتفاق تشجيعاً لانتشار مثل هذه الجماعات الخارجة على القانون.

****

تحولات أبين الجهادية!

* فضل مبارك
لا يمكن بأي حال من الاحوال عند تناول الاوضاع واختلالاتها في محافظة أبين أن يقتصر الحديث على مديرية خنفر بذاتها بمعزل عن باقي مديريات المحافظة؛ لكن مديرية خنفر تعد كبرى مديريات أبين البالغ عددها إحدى عشرة مديرية. وتشكل بؤرة ومستنقع تلك الأوضاع المختلة والمعقل الرئيس لتلك الجماعات والعناصر المسلحة التي من ينبوعها تصدر الفوضى والعنف، ومن مشتلها تبزغ عصابات جديدة وجماعات عنف في مديريات ومناطق أخرى، بعد أن وجدت الطريق سالكاً، ومكنتها تسهيلات رسمية من التوالد والتمدد والتوسع المكاني.
غموض.. وتشابك
من الصعوبة بمكان على أي متابع أو محلل أو راصد لمجرى الاحداث في أبين، مهما كانت قدرته وسعة اطلاعه، أن يقف بدقة على حقيقة ما يجري أو تفاصيل وقائع الاحداث وخلفياتها، نظراً لما يكتنف ذلك من غموض وتشابك وتداخل، ناهيك عن تسارع التحولات داخل تلك الجماعات المسلحة من حيث تكويناتها وأهدافها بل وحتى مسمياتها. وفي فحوى ذلك يبرز تساؤل: إلى أي مدى ترتبط جماعات اليوم بجماعة الجهاد أولاً، وبجماعة حطاط كما عرفت لاحقاً؟!
إن إفرازات واقع اليوم بما تحمله ملفاتها من آثار سلبية جاءت كنتاج طبيعي لوضع وواقع ما بعد حرب صيف 1994، جراء ذلك النهج الذي اعتمدته سلطة ما بعد 94، والقائم على الفرز السياسي والمناطقي، والاقصاء والتهميش. على أن نكوص المنتصر في الحرب عن وعوده التي قطعها لكثير من العناصر والقوى الجهادية -وبينها أفغان اليمن- مقابل مشاركتها معه في محاربة الحزب الاشتراكي باستغلال العامل الديني والعزف على وتر ماضي الاشتراكي، أسَّس للوضع الراهن.
جبال المراقشة والاعلان الأول
مع عودة جماعات المجاهدين من أفغانستان عقب دحر الغزو السوفييتي، كانت اليمن من أهم المحطات لمن ظل طريق العودة من هؤلاء إلى بلاده. كانت الممر والمستقر للأفغان العرب، وبينهم أعداد واسعة من اليمنيين. في 1991 وقعت محاولة اغتيال علي صالح عباد مقبل، الامين العام السابق للحزب الاشتراكي، الذي كان حينها يشغل منصب سكرتير منظمة الحزب في أبين، من قبل عناصر تنتمي إلى تنظيم الجهاد الإسلامي شكلت عمليتا فندقي عدن وشيراتون (الساحل الذهبي) الإعلان الأول عن هذا التنظيم، الاولى ضد قوات إعادة الامل في الصومال، والاخرى ضد عدد من السياح. وقد قتل وأُصيب في الثانية نحو خمسة من جنسيات أوروبية، في حين فشلت العملية الاولى في تحقيق هدفها بإلحاق الاذى بعناصر المارينز جراء انفجار العبوات الناسفة عند لحظة تجهيزها في حديقة الفندق.
كانت سلسلة جبال المراقشة المرتع الآمن لعناصر هذا التنظيم، مع ما وفرته مراكز قوى في صنعاء من حماية ودعم لهذه العناصر ضداً على موقف الحزب الاشتراكي، الشريك حينها في الحكم، الذي جهز حملة عسكرية حاول بها اقتحام تلك المعاقل، لكن اجراءاته فشلت بحاجز الحماية، الأمر الذي أعلن عن شرخ عميق في بنية دولة الوحدة الوليدة، وسحب تداعياته على مجمل الأوضاع حتى اللحظة.
الثمن.. الاختلاف
في 7 يوليو 1994 سكتت المدافع فارتفع صوت الجهاديين مطالباً صنعاء بالإيفاء بالتزاماتها التي قضت بمنح تلك العناصر50٪ من المناصب القيادية التي كان يحتلها أعضاء الاشتراكي في المحافظات الجنوبية قبل الحرب. نجحت السلطة نسبياً في التملص من التزاماتها، لكنها عجزت عن سحب ومصادرة أسلحة تلك العناصرالجهادية، سواء التي غنمتها بالحرب أو التي صرفت لها، وهي أسلحة متنوعة.
بعد عامين على إعلان انتهاء الحرب تململت العناصر من تسويف السلطة فأعلنت -بقوة وتحدٍّ- التجمع في جبال حطاط غرب محافظة أبين. حاولت السلطة لي ذراع هذه العناصر التي غدت تشكل خطراً حقيقياً على الأوضاع الجديدة، وتطعن في مصداقية التزامات اليمن تجاه الغرب. كانت السلطة خلال تلك الفترة ما تقوم بتجهيز حملات عسكرية حملات عسكرية لحصار «الجهاديين». وغالباً ما كان قادة تلك الحملات يتلقون توجيهات عليا بإعادة القوات إلى ثكناتها وفك الحصار المضروب على معاقل تلك العناصر في جبال حطاط. وقد عزز هذا التراجع عن المواجهة في اللحظات الاخيرة عزَّز القناعة لدى تلك العناصر بأنها قوية وذات وزن، وأن السلطة تعمل لها حساباً وتخشى مواجهتها.. وترددة على نطاق واسع شكوك حول وجود حماية كاملة لهذه العناصر من مراكز قوى في السلطة، تحول دون إتمام أي إجراء حاسم ضدها.
لاحقاً عملت السلطة على خلخلة تماسك هذه العناصر بإغراء عدد من الزعامت بالمناصب الإدارية والحزبية والإغداق عليها بالهبات والعطايا، وإذْ نجحت في استقطاب عدد من زعامات هذا التنظيم فقد أخذت زعامات أخرى تبحث أدوار وامتيازات بوسائل الابتزاز. ومع بلوغ الأوضاع في النصف الثاني من عام 199٨ ذروة التعقيد أعلن أبو الحسن المحضار عن انشقاقه من تنظيم الجهاد والخروج من جبال حطاط صوب محافظة شبوة حيث أسَّس مع عدد من أتباعه «جيش عدن – أبين الاسلامي».
«أبو الحسن» ونحو خمسة عشر آخرين من التنظيم الويد قاموا بأول عملية اختطاف لستة عشر سائحاً اجنبياً في مديرية مودية بمحافظة أبين. تدخلت قوات حكومية لتحرير الرهائن بالقوة في مواجهة دامية مع تلك العناصر أسفرت عن مصرع أربعة سياح وإصابة آخرين، وألقي القبض على «أبو الحسن» وأربعة آخرين، ولقي اثنان مصرعهما. وقدم الخمسة إلى القضاء الذي حكم بإعدام زعيم الجماعة و«ابو هريرة» (جزائري الجنسية) وسجن 3 آخرين، وحوكم الآخرون غيابياً، وصدرت في حقهم أحكما بالسجن. وطويت بذلك صفحة جيش عدن- أبين إلا من بيانات أثناء المحاكمة توقع باسم أمير الجيش «أبو الزبير» تتوعد بالانتقام من السلطة.
حطاط… كمحطة على طريق التشرذم
اتخذ تنظيم الجهاد من جبال حطاط، القريبة من مدينة جعار كبرى مدن محافظة أبين، معقلاً له. انضم شباب من ابناء تلك المدينة إلى صفوف هذا التنظيم في ظل تردي الأوضاع والحياة المعيشية، ناهيك عن حالة الاستقطاب وعطاءات السلطة للبعض سواء بالمال أم بمنح الوظائف. على أن هذا التنظيم سرعان ما فقد وحدته وفاعليته بفعل الصراعات بين قياداته. وتمكنت السلطة من اختراقه وتفكيكه بعد أحداث «حطاط» الشهيرة. كما استوعبت عديدين من عناصر التنظيم عبر ترتيب درجات وظيفية وامتيازات لهم.
مع تنامي حركة النضال السلمي في الجنوب خلال العامين المنصرمين برزت جماعات اعلنت عن نفسها باسم «كتائب تحرير الجنوب».
وفي خضم هذا التوالد لهذه الجماعات ومع ما تشهده مدينة جعار بوجه خاص ومدن أبين الاخرى بوجه عام من انفجارات وحوادث أمنية، بدا «الجهاد» وكأنه مجرد غطاء لجماعات صغيرة صارت تنسب إلى أسماء زعمائها، محولة جعار إلى إمارة لـ«الفوضى» والتقتيل.

****

7 جنود فقط في مواجهة الجماعات المسلحة
 وزارة الداخلية لا تتعامل بجدية مع التقارير الأمنية التي تتحدث عن سقوط مديرية خنفر في يد الشباب المسلح، متكئة على سجلاتها التي تظهر أن هذه المديرية حصلت على نصيب الاسد من جنود الامن العام مقارنة ببقية مديريات محافظة أبين.
من أصل 2300 جندي تقريباً وزعوا على مديريات المحافظة ال11، ظفرت خنفر ب350 جندياً.
السجلات ليست أمينة بالقدر الكافي؛ إذ لا يوجد في خنفر سوى 7 جنود فقط. فيما الباقون يمارسون اعمالاً خاصة: بائعي قات، سائقي سيارات أجرة، وبسَّاطين… إلخ.
مصدر أمني في أبين أفاد بأن معظم الجنود تقدموا بطلب تفريغهم بسبب ظروفهم الاقتصادية، وكشف عن وجود تذمر واسع بين الجنود بسبب السياسة التي ينتهجها مسؤولوهم. موضحاً أن غالبية المواجهات التي دارت بين رجال الأمن وعناصر الجماعات المسلحة كانت بدون تخطيط أمني، ما ادى إلى وقوع خسائر بشرية في صفوف رجال الأمن ولجوء كثيرين منهم إلى مهن أخرى.
وقال: «أحياناً تصلنا بلاغات ومعلومات عن الأماكن التي تتواجد فيها العناصر المسلحة لكن القيادة ترفض خروجنا، ونتفاجأ بعد أيام بصدور توجيهات بالنزول إلى المكان ذاته كما حدث مع العناصر التي فجرت المركز الانتخابي (ب) في جعار قبل أسبوعين». مضيفاً: «عندما توجهنا إلى الهدف، لم نجد العناصر وتفاجأنا بهجوم من الخلف».
المصدر أفاد بأن مسؤولي المديرية يستعينون بجنود شرطة النجدة والأمن المركزي لسد العجز الناجم عن تفريغ قوات الأمن العام.
ولم يستبعد المصدر أن يكون سبب التساهل في منح تفريغ لجنود الامن العام هو الظفر بالمعونات المخصصة لهؤلاء الجنود. وتساءل عن مصير الاعتمادات المالية والعينية المخصصة لجنود الامن العام في خنفر من أغذية وذخائر ووقود…الخ.
أفراد الأمن ليسوا وحدهم من فضلوا الابتعاد عن ساحة المواجهة مع المسلحين. الأهالي ايضاً توقفوا عن تقديم معلومات وبلاغات عن العناصر المسلحة وأماكن تواجدها بعد أن تعرض عدد من المتعاونين لمضايقات واعتداءات من قبل تلك العناصر حد تهديدهم بالقتل.
معلوم أن وزارة الداخلية قررت أواخر العام 2007، إنهاء الإنتشار الأمني الذي استمر قرابة ثلاث سنوات بعد أحداث «حطاط». غير أن المسؤولين الأمنيين والمحليين في المديريات كانوا يدركون ما يتوجب عليهم فعله: بناء قوة أمنية لمواجهة التحديات المحتملة داخل كل مديرية. وحدهم مسؤولو مديرية خنفر تجاهلوا واجباتهم الأمنية فسقطت خنفر في قبضة الجماعات المسلحة.
****

طفل شهيد على جدران المؤتمر
خرج أحمد (11 عاماً) من منزله ظهيرة ال18 من سبتمبر 2006 كعادته قاصداً مدرسته.
على طريقه إلى المدرسة عرج على مقر المؤتمر الشعبي العام يبحث عن والده الذي يعمل هناك نائباً لرئيس اللجنة الاعلامية للمرشح الرئاسي للمؤتر الشعبي العام في جعار لأخذ مصروفه اليومي. كان الوالد «محمد راوح» في مهمة حزبية في محافظة عدن.
أثناء مغادرة أحمد لمقر المؤتمر الشعبي العام لمح علبة زيت على احدى نوافذ المقر. اقترب منها. كانت العلبة محشوة بعبوَّة ناسفة مزَّقت جسد أحمد وبعثرته إلى اشلاء. يقول محمد راوح إن صوت الإنفجار الذي تسبب في قتل ابنه دوى في أرجاء مدينة جعار، وأن الجثة ظلت مرمية على الارض لساعتين، في انتظار خبير المتفجرات لمعاينة الحادث.
أضاف: «كان رجال الامن يشتبهون بحقيبة أحمد المدرسية التي كانت مليئة بالكتب والكراسات، وليس بالمتفجرات»، واستغرب: «هل من المعقول أن يكون الطفل المضرج بدمائه انتحارياً؟!».
كل هذه الاحداث جرت في غياب الأب. «يومها كنت في عدن لمتابعة الحملة الانتخابية لرئيس الجمهورية». بعد ذلك ظلت أسرة «الشهيد أحمد» تتابع الاجهزة الامنية لإلقاء القبض على الجناة، كانت تشتبه بأربعة أفراد من الجماعات المسلحة المطلوبة امنياً في المدينة بحسب راوح.
بعد 10 أشهر من المتابعة وبعد أن أنفقت الأسرة 800 ألف ريال القت الاجهزة الامنية القبض على المتهمين. لكنها أطلقت سراحهم بعد ساعات من القبض عليهم. لم يلق راوح أي مبرر لتصرفات الأمن، وزاد: «آسف أن تكافئ أجهزة الامن المتهمين بتقديم الدعم لهم (إذ) حصل كل فرد منهم على 100 ألف ريال»، وأضاف ساخراً: «الشعار المعمول به هنا هو: قرِّح فجِّر واستلم زلط»، وزاد: «لا تستغرب أنت في جعارستان!».
عقب ذلك لم يلمس محمد راوح أي تفاعل أو متابعة ملموسة سوى ثمة «وعود سرابية» تلقَّاها من محافظ أبين السابق فريد مجور وقيادة السلطة المحلية والمؤتمر في م/خنفر. واصلت الأسرة وما تزال متابعة ملف القضية وتلقَّت العديد من الوعود «ابرزها، اعتماد درجة وظيفية للشهيد من قبل المحافظ شملان أسوة بشهداء الديمقراطية، إلا أن الخدمة المدنية تتحجج بأعذار واهية»، حسب راوح.
قضية مقتل أحمد الآن في يد محافظ ابين الحالي أحمد الميسري، الذي كان أحد المشرفين على الحملة الانتخابية للرئيس في المحافظة.

[email protected]