ثلاثة مشاهد غير سارة في مدينة الحديدة

ثلاثة مشاهد غير سارة في مدينة الحديدة

*وميض شاكر
طفل العربة فاقد الفيتامينات
أن تقف متململاً، مرغماً، ونافد الصبر، أمام ضوء إشارة المرور الحمراء، فهذا ما يفعله البشر. أما أن تقف باحترام وخضوع جليين أمام الإشارة نفسها، فهذا ما يفعله الحمار.
الحمار، المشدود إلى عربة خشبية عتيقة تحمل 7 مكيفات لتبريد الهواء، كان شيخاً كبيراً في السن ومنهكاً يقف مطأطئ الرأس أمام ضوء الإشارة الحمراء في الساعة الواحدة والنصف من فجر أحد أيام رمضان الماضي في محافظة الحُديدة على ساحل البحر الأحمر غرب اليمن.
طأطأة عيني الحمار سحبت جزءاً كبيراً من جفنيه المترهلين إلى الأسفل، ووزعت رموشه البيضاء على مساحة لا بأس بها من نهاية جفنيه. أما فكاه فكانا عبارة عن عظمين عريضين يدنوهما ثلاث عطف من اللحم المجعد. بقية جسمه، بما فيه ساقيه، نحيل وأشيب اللون، ماعدا خط أسود مائل يصل عينيه بأنفه. وبتعبير أدق، ماعدا مجرى أسود مائل حفر بين قناته الدمعية حيث تنبع الدموع، وأنفه حيث تصب.
من الشمال وحتى جنوب الحُديدة، تستلقي “تهامة” بسهلها الساحلي الممتد بطول 300 كم وعرض 150 كم، ويتخلله 8 أودية، منها وادي “مور”، أكبر أودية اليمن على الإطلاق. تختبئ في تلك التهامة سلة غذاء وفيرة. ولولا سوء الإدارة والإقطاع في الأرض والماء والإنسان، لأغدقت بخيراتها على اليمن والخليج معاً.
في الحُديدة، لا يطمع معظم السكان بأكثر من كسب مائتي ريال يومياً، حامدين شاكرين غير متذمرين أو متأففين من أي وضع اقتصادي أو سياسي أو حتى مناخي. ففي هذه المدينة الساحلية، التي تصل درجة حرارتها إلى 40 درجة مئوية مصحوبة برطوبة عالية وقيظ صحراوي خانق، يكون الجو دائماً أحسن حالاً من الأيام السابقة -برأي الحديديين- كلما أبديت انزعاجك من شدة حرارة الجو وارتفاع رطوبته. ويرى البعض أن رضا الحديديين الدائم إنما صادر من تعاليم وسلوكيات مذهبهم الأشعري، كوجوب طاعة ولي الأمر. و”الأشاعرة” هم من قال فيهم النبي محمد: “أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوباً وألين أفئدة”.
تحولت الإشارة خضراء. والاحترام نفسه للضوء الأحمر، أبداه الحمار للضوء الأخضر، وهمَّ بالمغادرة، رغم ثقل حمولته وسهره حتى الواحدة والنصف فجراً، كأي مواطن يمني مسلم في رمضان يصوم النهار ويقيم الليل كله. لم يسرع الحمار في خطاه إلا بعد أن ترجل ثقل صغير من على العربة الخشبية. ذلك الثقل كان طفلاً أكثر نحولاً من الحمار، إلا أن لونه كان أسمرَ قاتماً. الطفل النحيل حالك البشرة دفع الحمار والعربة بيدين تشبهان العصي، تنتهيان بخمس أصابع ضعيفة يغطي أطرافها أظافر شديدة البياض كقشر البيض، يبدو أنها لا تعرف شيئاً عن الفيتامينات أو البروتينات، تلك المصطلحات التي يسمع بها “الحديديون” من الإذاعة المحلية أو كتب المدرسة إن تسنى لهم الذهاب إليها أصلاً.
الطفل النحيل شديد السمرة فاقد الفيتامينات والبروتينات يؤدي عمله في تلك الساعة المتأخرة كأي مواطن يمني مسلم “راشد” في رمضان،  يصوم النهار ويقيم الليل كله! والطفل العامل قميصه كان أبيض؛ حتماً أبيض! حتى يميز جسده بين خيوط ليل الحديدة، تلك التي ابتلعته حال مغادرته أضواء الإشارة هو وزميله الحمار.
سائق الباص ذو الخلفية المهمشة

في نهار اليوم التالي شديد الحرارة، كانت سيارة “لاندكروزر” موديل 2007، تحمل لوحة العاصمة صنعاء، تحاول بإصرار تجاوز كل السيارات المجاورة، ويقودها طفل آخر بعمر سائق العربة المربوطة بالحمار. بعكس الأخير، كان طفل اللاندكروزر ممتلئاً، أبيض البشرة ويبدي جسمه معرفة جيدة بالفيتامينات والبروتينات والكربوهيدرات والمعادن وغيرها، لكنه -للأسف- لا يعرف القانون كصديقنا الحمار.
تواصل إصرار سائق اللاندكروزر الصغير على تجاوز السيارات الأخرى، وأسفر هذا عن اصطدام الواجهة الأمامية الصلبة لسيارته بالكشاف الجانبي الخلفي لأحد الباصات الصغيرة. تهشم كشاف الباص. لكن، وعلى غير عادة الحديديين الحامدين الشاكرين، أوقف السائق الشاب باصه وترجل غاضباً. ألقى نظرة عل كشافه الخلفي المهشم وانتقل لتأنيب سائق اللاندكروزر الصغير الذي كان على المقعد المجاور له رجل كبير اتضح لاحقا أنه والده. لباس الوالد التقليدي بثوبه الأبيض الطويل والحزام المذهب الذي يلف كرشه وتتوسطه جنبية بغمد أخضر على يمينها مسدس أسود يفصح أنه من قبائل شمال اليمن الجبلية القريبة من السلطة وبالتالي الأقدر على الوصول للثروة.
لم يكن سائق الباص موفقاً في غضبه، فقد ترجل الوالد من اللاندكروزر غاضباً هو الآخر، وبقبضة قوية، قام بدفع السائق الشاب حتى أعاده إلى مقعده على الباص الصغير ذي الخلفية المهشمة.
ضارباً كفاً بكف ومردداً: “لاحول ولا قوة إلا بالله”، استأنف سائق الباص الشاب سيره مخلفاً وراءه والد “طفل اللاندكروزر” يطلق كلمات متتالية وعالية النبرة، الأمر الذي حول فمه إلى فجوة مليئة برغوة كثيفة بسبب جفاف غدده اللعابية جراء شدة الحرارة وغزارة إنتاج الكلمات.
عاملة الاتصالات المتسلحة بسكين مطبخ
منظر الفم الرغوي يدعو للتفكير بـ”داود الجني”، خاصة في رمضان. “الجني”، وهو أبرز أعضاء جماعة الحسبة التي تزعم محاربة الفساد الأخلاقي في المجتمع، يشكل كابوساً على فتيات ونساء الحديدة الفقيرات، عبر تفرغه لمطاردتهن وقطع أرزاقهن والزج بهن في السجن بدعوى الحفاظ على الفضيلة ومحاربة الرذيلة. ورمضان يشكل لفم مثل فم “داود الجني” فرصة جيدة لتكثيف نشاطه الفموي بالزجر والأمر والنهي واللهث وراء الفقيرات.
مستغلاً ضعف المجتمع الحديدي الفقير، قليل الحيلة والمسالم، بدأ التيار السلفي، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، نشاطه التأسيسي غير الرسمي في الحديدة منذ أكثر من عام مضى. ومركزاً على الفئة الأضعف في ذلك المجتمع، كثف التيار أجندته ضد النساء. بعدها، أعلن تأسيسه الرسمي في يوليو المنصرم تحت اسم “لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. اللجنة انتخبت رئيسا لها الشيخ عبدالمجيد الزنداني، الذي تتهمه بعض الأطراف الدولية وغيرها بتورطه في أنشطة داعمة لـ”القاعدة” منذ الثمانينيات. وقد خرجت اللجنة -في بيان إشهارها- بجملة مطالبات تمنع الحريات والحقوق المدنية والسياسية ومنها تجريم مشاركة النساء سياسياً، لأنها تسمح لهن بالخروج الى الشوارع والمشاركة في الحياة العامة، ما يؤدي إلى انتشار الفتنة والرذيلة، بحسب تصريحات قادتها للصحافة المحلية.
إحدى النساء المتواجدات في الشارع كانت شابة مغطاة تماماً بحجاب ونقاب أسودين وعباية سوداء أيضاً، تعمل في أحد مراكز الاتصال الصغيرة في حي فقير، 30 يوماً في الشهر وأحياناً 31، وتتلقى 10000 ريال شهري نظير ذلك. تحت حجابها الأسود الثقيل، يختبئ الكثير من العرق وبعض الجروح الدامية.
في منتصف أحد النهارات، وبينما الشوارع خالية من المارة المختبئين من الحرارة، داهم “الجني” عاملة مركز الاتصالات في حيها الفقير. ولمقاومتها تهديدات “الجني” بالقبض عليها بتهمة الفعل الفاضح إن هي واصلت العمل بين الرجال، تلقت عددا من الضربات خلفت بعض الجروح والدماء على رأسها. منذ ذلك الحين والشابة تتسلح بسكين مطبخ للدفاع عن نفسها أمام “الجني” في حال تعرض لها مرة أخرى.
قتال “الجني” بأيدي النساء أمر غير مستحب في معتقدات معظم الحديديين والحديديات! ليس لجرم الفعل، فالبشر ليسوا جميعاً كصديقنا الحمار في احترامه وحبه للقانون. كما أن الكثير منهم ليسوا من دعاة السلام ونبذ العنف. الحديديون، ببساطة، لا يرغبون برؤية زوائد أخرى من جسم “الجني”. يكفي ما يرونه يومياً من شعر لحيته الغزير والطويل، شعر ساقيه وربلتيهما غير المستورتين بثوبه الأبيض السلفي القصير إلى ما فوق كعبه بكثير. لذا، فهم، على الأرجح، يفضلون ألاَّ داعي أبداً لأن يزيدوا فوق رؤية كل ذلك، رؤية دمه!