السنيورة يصفع الولايات المتحدة حين طلب من «رايس» ألاّ تاتي الى بيروت.. الكيان الصهيوني وبوادر الهزيمة المذلة – احمد صالح غالب الفقيه

السنيورة يصفع الولايات المتحدة حين طلب من «رايس» ألاّ تاتي الى بيروت.. الكيان الصهيوني وبوادر الهزيمة المذلة – احمد صالح غالب الفقيه

جريمة قانا ليست جديدة على الصهاينة، فذلك دأبهم، وتلك مقتضيات عقيدتهم التلمودية التي تقول بإبادة الأغيار. ولم تكن “قانا” المجزرة الوحيدة في هذه الحرب، فهناك العشرات غيرها؛ فثمن الحرية باهظ، والمزيد في الطريق. الموقف الامريكي اغضب حلفاءها، فقال رئيس وزراء لبنان ما معناه ان رايس غير مُرحَّب بها في بيروت، ليثبت اللبنانيون مجددا انهم الناس بين العرب.
الأداء الرائع للمقاومة اللبنانية، سواء على صعيد الضربات الصاروخية أم على صعيد المواجهات البرية، ألحق هزيمة نكراء بالجيش الإسرائيلي، الذي دفع بنخبة قواته من المظليين ولواء “جولاني” إلى المعركة في مثلث: مارون الراس- بنت جبيل- عيترون، ثم في محور الطيبة والآن في محور العديسة – كفركلا عند أصبع الجليل. وكانت الخسائر الفادحة التي مني بها هذا الجيش في تلك المعارك قد أذهلت القيادة الإسرائيلية إلى حد إصابة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال دان حالوتس، بذبحة صدرية أدخلته المستشفى، حيث نصحه الأطباء كما قيل بالتنحي عن وظيفته.
هذه الانتصارات مثلت رسالة مخيفة، وإنذاراً صاعقاً لقوات الاحتلال الأمريكية البريطانية في العراق، بالمصير الذي ينتظرها على يد حزب الله الإيراني والعراقي، فيما لو قررت إيران استهدافهما في العراق. ومن جهة أخرى كانت إنذاراً صاعقاً لإسرائيل بما ينتظرها في مستقبل أيامها على يد المقاومتين الإسلاميتين في لبنان وفلسطين.

صواريخ حزب الله أوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى، وأشعلت حرائق امتدت من مستعمرات الحدود: كريات شمونه ومسكاف عام والمنارة. إلى مشارف سهل الحولة في الداخل الإسرائيلي، ودفعت مليونين ونصف مليون إسرائيلي إلى الملاجئ، وشلت جزءا كبيرا من الاقتصاد الإسرائيلي، وأصابت قواعد عسكرية وجوية، ومراكز قيادة.
كانت إحدى نتائج انفجار الأوضاع على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية تصاعد العمليات ضد قوات الاحتلال في العراق وفشل الخطط الأمنية هناك؛الأمر الذي اضطر القيادة الأمريكية إلى الدفع بثلاثة آلاف وخمسمائة جندي من الجيش الأمريكي وخمسة آلاف من قوات المارينز إلى بغداد، حيث ستخوض معركتها الأخيرة في المنطقة الخضراء قبل أن تضطر إلى الفرار من سطح السفارة بالسمتيات كما حدث لها في سايجون. ففي برنامج “أحداث الاسبوع” لمحطة “أي. بي. سي” الامريكية هذا الاسبوع تداول المحللون سيناريوهات الخروج من العراق، وكان من بينها انسحاب القوات الى اقليم كردستان والانتظار هناك لما ستسفر عنه الامور.

جذور الحقد الإسرائيلي
الحقد الإسرائيلي الذي انفجر على شكل تدمير للبنية التحتية اللبنانية وقتل للمدنيين، تكرر أكثر من ست مرات خلال الثلاثين عاماً الماضية ولا يوجد تفسير لهذا الحقد أكثر وضوحاً وصحة من تفسير رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. يقول بري ان لبنان يمثل كياناً ديمقراطياً متسامحاً تتعايش فيه ثمان عشرة طائفة دونما عنصرية تعكس ما هو عليه الحال في الكيان الصهيوني العنصري الذي يطبق ديمقراطية انتقائية يجوز فيها لليهودي ما لا يجوز لغير اليهودي. ويضيف نبيه بري أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982م تزامن مع الطفرة النفطية في دول الخليج وقد بذرت إسرائيل بذور الفتنة من بدايات الطفرة من العام 1976 عندما أذكت نيران الحرب الأهلية لتمنع استفادة لبنان كمركز مالي وسياحي وصناعي من أموال النفط التي كانت ستتجه إليه. ويشير إلى أن الهجمة الحالية تتزامن مع الطفرة الجديدة لأسعار النفط وهو ما تحاول إسرائيل منع لبنان من الاستفادة منه.
الدبلوماسية الأمريكية بخبثها المعتاد تطلق الوعود يميناً ويساراً حول حل شامل يتناول جذور المشكلة وجميع أطرافها ولكن على شرط أن يتحقق وقف إطلاق نار في لبنان وفق شروطها أي وضع قوة عسكرية لحماية إسرائيل في الجنوب اللبناني مع حديث عن حلف الأطلسي لكي يقوم بالمهمة.

مصر
في إحدى أكثر تصريحاته غباء قال الرئيس المصري حسني مبارك إن مصر لن تخوض الحرب من أجل لبنان أو فلسطين، وإنه لن يدخل بلاده في حرب تستنزف مواردها.
المفارقة في هذا التصريح هو أن مالية مصر يتم نهبها على يد عصابة يقف على رأسها الرئيس نفسه وأسرته الصغيرة، ويبدو أن حسني مبارك يرى أن موارد مصر لن تكون كافية للحرب والناهبين في الوقت ذاته.
وزارة الداخلية المصرية تعمل، بجد وجهد، في التمهيد للثورة القادمة في مصر على نظامها الفاسد المرتهن كلياً للصهيونية والإمبريالية الأمريكية. فكل مظاهرة أو فعالية جماهيرية تتم في مصر، يشهدها المئات من جنود الأمن الذين تحشدهم وزارة الداخلية المصرية، كمظهر من مظاهر القمع والتهديد. وخلال هذه العملية التي تكاد أن تكون يومية هذه الأيام، يتم تثقيف الجنود عرضاً وتوعيتهم بمطالب المعتصمين والمتظاهرين الذين يستخدمون الميكروفونات في هتافاتهم وخطبهم. وكل جندي من جنود الأمن هؤلاء مناضل وطني كامن، وأخ مسلم محتمل، رضعوا المبادئ الإسلامية مع حليب أمهاتهم، وتم تثقيفهم بها في المساجد والزوايا المنتشرة في ريف مصر ومدنها.

السعودية
بعد أن تصاعدت الأصوات الشاجبة والمستنكرة لتصريح المصدر المسؤول السعودي المخزي، الذي صدر إثر خطف الجنود الإسرائيليين من قبل حزب الله، والذي حمل حزب الله المسؤولية عن الحرب، ومن ثم مواجهة النتائج، قامت الحكومة السعودية بإصدار أحد تصريحاتها العنترية، التي اعتادت إصدارها قرب موعد وقف إطلاق النار، تهدد فيها بأنها لن تقف مكتوفة اليدين إذا استمر العدوان الإسرائيلي. العدوان مستمر والسعودية نقلت يديها المكتوفتين من وراء ظهرها إلى جيوبها الواسعة لتعلن عن هبات ومعونات للبنان، وأرفقت ذلك بإرسال مستشفى ميداني لا شك أن تجهيزاته تتضمن الكثير من أكياس الموتى وأكفانهم.
السعودية التي صرفت مئات المليارات على شراء الأسلحة البريطانية والأمريكية لم تكن في الحقيقة تشتري سلاحاً بل كانت طول الوقت تدفع الجزية على شكل أثمان الصفقات. القيادة السعودية تدرك منذ ركوع مؤسسها الملك عبد العزيز على ركبتيه أمام المندوب السامي البريطاني في العراق بيرسي كوكس، وتوسله إليه بأن يعتبره مثل ابنه، وأنه لا يستغني أبداً عن دعمه ونصائحه، وأنه لو أمره بأن يرمي نفسه في النار لفعل، وأنه خادمه المخلص المطيع، منذ ذلك الوقت، امعن أبناء سعود في الذلة أمام الامبريالية، وأخلصوا في خدمة مخططاتها وتلبية إشاراتها. وأجزم أنه لو دمر لبنان حجراً حجراً فلن تتحرك طائرة سعودية إلى أجواء لبنان دفاعاً عنه.
تزامن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 مع محاولة الاجتياح العراقية لإيران، وكلاهما كان من تدبير الولايات المتحدة الامريكية، وبغطاء عربي من الأنظمة العربية الدائرة في الفلك الأمريكي.
في كتابه “البحث عن الذات” قال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وهو يصف دوافعه للذهاب إلى إسرائيل ومن ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر من المواجهة مع إسرائيل، بأن الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية حرموا مصر من المساعدات إلا النزر اليسير، وقال: “انهم يعطونك ما يكفي بالكاد للبقاء على قيد الحياة”، وتحدث بمرارة عن أسعار النفط التي ارتفعت نتيجة للدماء التي بذلها المصريون في حرب أكتوبر، وهي المكاسب التي استأثرت بها تلك الدول تاركة مصر في ضائقتها.
وقبل أن يتخذ السادات خطوته، شنت أقلام ممولة من الدول الخليجية النفطية حملة واسعة لتلطيخ عهد عبد الناصر، ومحاولة إقناع الشعب المصري بمزايا الانفتاح الذي قيل أنه سيجلب الرخاء للشعب المصري، وانتهى بإغراقه في الديون والأزمات.
وفي لبنان عملت الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية على بث الفرقة بين لبنان وسوريا وهي الأحداث التي شهدناها جميعاً خلال العام المنصرم.
قبل ذلك كانت مملكة آل سعود والأنظمة الخليجية قد دفعت ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى أحضان إسرائيل، بعد أن تم التضييق على المنظمة ماليا ودبلوماسيا بعد حرب تحرير الكويت.
النظام السعودي عمل جاهداً على فصل منظمة التحرير الفلسطينية عن عمقها العربي، وذلك برفع مسؤولية تحرير الأراضي المحتلة عن كاهل كل من مصر والأردن، اللذين أدت هزيمتها العسكرية إلى احتلال الضفة الغربية وغزة، ومن ثم تحميل تلك المسؤولية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مبررين ذلك بإعطاء المنظمة وضعاً أقرب إلى وضع الدولة، مع الوعد بدعمها. إلا أن الناظر في الوراء اليوم يتبين كيف أن السعودية كانت تنفذ خطة صهيوأمريكية خبيثة لفصل الشعب الفلسطيني وقيادته عن عمقهما العربي.

الولايات المتحدة وحلف الأطلسي (الناتو)
محاولات الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط قديمة وقد عملت على ضرب كل قوى الممانعة في المنطقة. المقارنة بين المواجهة الأولى للمحاولات الأمريكية وبين المواجهة الثانية تظهر فرقاً كبيراً في موازين القوى.
في العام 1982 كانت إيران في حالة ثورة أدت إلى تطهير في صفوف الجيش الإيراني أدى إلى إضعافه، وكان التسليح الإيراني كله أمريكياً وقد انقطع عنها بعد قيام الثورة وكان هناك حصار اقتصادي.
وكانت منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان مخترقة من قبل الاستخبارات الغربية الصهيونية من أعلاها إلى أسفلها وكانت مكشوفة بالكامل أمام العدو الذي يعرف جيدا مواقع قواتها وأسلحتها إلا فيما ندر. وفي الوقت ذاته كان لبنان في معمعة حرب أهلية ضارية بين المارونية السياسية المتحالفة مع إسرائيل وبين الطوائف الإسلامية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية. سوريا وحدها كانت تتمتع بغطاء وحماية نسبية من قبل الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو.
ويختلف الوضع اليوم تماما، فإيران قد أصبحت قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، ومسلحة حتى الأسنان. وقد أعلن الرئيس احمدي نجاد أن إيران أصبحت الدولة النووية الثامنة. وهو إعلان واضح بأن إيران قد امتلكت السلاح النووي. فإضافة إلى الدول النووية الخمس التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن، ثمة دولتان نوويتان معلنتان هما باكستان والهند. أما الدول التي تملك دورة الوقود النووي فهي كثيرة.
المشروع وفي لبنان حل حزب الله بتنظيمه الحديدي المتماسك مكان المقاومة الفلسطينية المخترقة. وسوريا تتمتع بتحالف وثيق مع إيران التي أمدت حزب الله أيضا بأسباب القوة ولم تبخل عليه بشئ.
في الوقت ذاته تكافح الولايات المتحدة في المستنقع العراقي الذي أوقعت نفسها فيه، وفي المستنقع الأفغاني الذي جرَّت معها حلف الأطلسي للغرق فيه، وهاهي اليوم تسعى لدفع الحلف للغرق في المستنقع اللبناني، عن طريق اقتراحها تشكيل قوة ردع من قوات حلف الأطلسي للعمل في جنوب لبنان. ولا يسع المراقب إلا ملاحظة أن الولايات المتحدة تتبع خطة خبيثة ومريبة لتوريط أوروبا في خدمة مخططاتها الفاشلة، ومنع أوروبا من استغلال الفشل الأمريكي على أكثر من صعيد، ومن ثم البروز كقطب عالمي على حساب الدور والمكانة الأمريكيين.
توجهات المحافظين الجدد في هذا الصدد أفصح عنها رئيس الوزراء الأسباني السابق أزنار وهو من المحافظين الجدد؛ فقد طالب في حوار مع محطة “بي. بي. سي” البريطانية في الأسبوع الماضي بضم إسرائيل إلى حلف الأطلسي، حتى يصبح أي عدوان عليها عدواناً على الحلف يدفعه عنها متضامناً.
وتشهد أفغانستان عودة كبيرة لطالبان إلى الساحة الأفغانية، إلى درجة تطلبت تعزيز قوات الاحتلال الأنجلوأمريكية وقوات الناتو بأعداد كبيرة، وهي تواجه تصاعدا انفجارياً لعمليات المقاومة في تلك الساحة.

مشروعات وقف إطلاق النار
المشروع الأمريكي البريطاني الأوروبي لوقف إطلاق النار في لبنان يهدف الى منح اسرائيل بالدبلوماسية نصرا عجزت عن تحقيقه بآلتها العسكرية. وقد تم تخفيض شروط المشروع تدريجياً من نزع سلاح حزب الله، إلى مجرد بعاده إلى ما وراء الليطاني، ووضع قوات الحزب تحت قيادة الجيش اللبناني تحوله إلى قوات حرس وطني. وكذلك تم تخفيض مطلب قوات الردع من الناتو إلى أن تكون قوة تحت راية الأمم المتحدة.
والحال أن العالم لا يزال يتذكر القوة المتعددة الجنسيات المكونة من المارينز الأمريكي والقوات الفرنسية والإيطالية التي تم إنزالها في لبنان للإشراف على خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في العام 1982. وكان المبعوث الأمريكي فيليب حبيب قد تعهد خطياً آنذاك بحماية عائلات الفلسطينيين التي بقيت في لبنان، وكان كل ما فعلته تلك القوات بعد خروج قوات المنظمة هو إزالة السواتر والدفاعات التي أقامتها المقاومة الفلسطينية واللبنانية في بيروت، ثم قامت بالإنسحاب من لبنان تاركة الطريق ممهدة لدخول قوات شارون إلى بيروت دون مقاومة، وهي التي كانت قد عجزت عن اقتحامها خلال 80 يوماً من القتال الضاري. وقد قامت بعد دخولها إلى بيروت بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا بالتعاون مع المليشيات المسيحية اللبنانية، وهي المجزرة التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني ولبناني مسلم جلهم من النساء والأطفال. وعلى إثر المجزرة عادت القوات المتعددة الجنسيات مرة أخرى إلى بيروت ليخرج منها الإسرائيليون، وأفسحت المجال لحكومة الجميل وميليشياتها لترتكب المزيد من الفظائع في بيروت، حتى جاء الرد المدوي من حزب الله، الذي كان قد تشكل للتو، فقام مقاتلوه بتفجير مقر قوات المارينز ومقر القوات الفرنسية في بيروت والقيادة الإسرائيلية في صيدا في ثلاث عمليات متزامنة تمت كلها في نفس التوقيت، ونفس اليوم، وأودت بحياة مائتين وأربعين من قوات المارينز، ومائة وستين جندياً فرنسياً، وأكثر من مائة عسكري وضابط إسرائيلي، لتفشل المؤامرة على لبنان، وتنتهي بانتصار القوى الوطنية التي أملت شروط الصلح في مؤتمر الطائف.
ولا شك أن ذكريات تلك الوقائع المزلزلة ستمنع أي دولة من إرسال قوات إلى لبنان دون موافقة حزب الله.

إثارة النعرات
لقد أدت بطولات حزب الله ومآثره إلى التفاف الشارع الإسلامي كله حوله. وقد استنكر الإخوان المسلمين محاولات المفتين التابعين لآل سعود لإثارة النعرات المذهبية السنية ضد حزب الله، حتى أن الظواهري نائب بن لادن في قيادة تنظيم القاعدة دعا إلى تحالف بين المستضعفين ضد الإمبريالية والصهيونية وحلفائهما. وبعد خطابه الذي أذاعته “الجزيرة” وفضائيات أخرى تم تفجير مرقد عسكر الكاظم في العراق، في تصرف ذي مغزى يدل بشكل قوي على أن قوات الاحتلال هي التي تثير الفتنة الطائفية في العراق وليست القاعدة.
فرق الموت التي أشارت الكثير من التقارير إلى أنها من إنشاء السفير الأمريكي السابق نيجروبونتي، لا تزال تعمل في العراق، وتواصل فظائعها تماماً كما في السلفادور وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، التي كان نيجروبونتي سفيراً فيها، والتي شهدت فظائع فرق الموت.
محترفو الفتاوى من خدم آل سعود سعوا بقوة ضمن هذا النهج (النيجروبونتي) إلى إذكاء الفتنة الطائفية ومحاولة عزل شيعة لبنان عن السنة. وهو نفس النهج الذي عملت السعودية خلال فترة الحريري في لبنان على تنفيذه، بخلق تحالف ماروني سني درزي، وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير.
محترفو الفتاوى الذين يسمون بالعلماء، من أمثال بن جيرين والعبيكان، يشبهون الكهنة والكتبة الفريسيين الذين طردهم السيد المسيح من المعبد وبعثر أوراقهم. وقد شاهدت إحدى حلقات الفتاوى الخاصة بالعبيكان، فرأيت أموراً تضحك الثكلى: سأله أحد المشاهدين، وهو بحار يعمل على سفينة، عن جواز الاستعاضة عن الوضوء بالانغماس في ماء البحر، فأجاب عليه بأنه لا يجوز إلا بشرط المولاة في غسل الأعضاء، فقعدت أتخيل كيف سيخرج البحار أعضاءه من البحر ليحافظ على شرط الموالاة، مبتدئاً بمؤخرته، ثم كفيه، ثم رأسه، ثم ذراعيه، وانتهاء بقدميه. وهي حركات لا يستطيع أداءها حتى بهلوانيو السيرك. وبعد هذه الوصلة من التشدد الغبي الذي ما أنزل الله به من سلطان، تلقى العبيكان مكالمة أخرى سأله فيها صاحبها عن جواز الجهاد ضد قوات الاحتلال في العراق، فأجاب بأن ذلك لا يجوز إلا تحت راية الإمام، وهو يقصد بالإمام ملك آل سعود، وأنه طالما وأنه ليست هناك راية إمام مرفوعة يتم الجهاد في ظلها فإنه لا يجوز. تشدد وتنطع في غير مكانه واستخذاء وتفريط في جلائل الأمور.

فصل المسارات
الجدار والاحتياطات الأمنية الإسرائيلية أثبتت نجاحها في الحد كثيراً من العمليات الإستشهادية الفلسطينية، وعلى الرغم من تهديداتها المتكررة بذلك. وبقي سلاح المقاومة الفلسطينية الوحيد صواريخها الصغيرة القليلة التأثير من الناحية المادية، والعظيمة التأثير من الناحية السيكولوجية، إذ أصبحت رمزا لمواصلة المقاومة قفزا فوق جدار الفصل العنصري.
الحل الأمريكي للنزاع الحالي يقوم على فصل المسارات الفلسطينية السورية اللبنانية، لتمكين إسرائيل من إملاء شروطها على كل مسار على حدة. وقد أعلن الرئيس نبيه بري الذي فوضه حزب الله الحديث باسمه، أن شروط تبادل الأسرى قد تغيرت، في إشارة واضحة إلى أنه سيتم الربط بين الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين.
الخداع الأمريكي الذي يمارسه الرئيس بوش، قائم على تسويق وعد مبهم بحل قائم على دولتين في فلسطين، ولكنه مشروع بلا ملامح، ولا يفصح عن حدود الدولة الفلسطينية، وقد ترك للكيان الصهيوني تحديد حدود هذه الدولة وشروط قيامها التي هي التبعية الكاملة لإسرائيل، وكونها منزوعة السلاح، ومقطعة الأوصال.
ولابد أن المقاومة اللبنانية و الفلسطينية لن تسمح بهذا الفصل الذي يسوقه أبو مازن والأنظمة العربية وينادون به جهارا. وهناك اتفاق كامل بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة وحزب الله على ضرورة ارتباط المسارات.