إلى محمود ياسين… بعض صدى

إلى محمود ياسين… بعض صدى

عزيزي محمود ياسين
منذ زمن طويل وأنا أود أن اكتب إليك، بل قل إن كتاباتك تحرك فيَّ الرغبة لأن أكتب إليك. وقليلاً ما يحدث هذا معي. ما عاد شيء يحرك فيَّ هذه الرغبة البليدة الغاربة، لا إعصار كاترينا، ولا قصف “غزَّة” الأكثر من وحشي، ولا حتى تفاهة الزعماء والملوك العرب ووزراء ثقافاتهم واعلامهم. أقسم لك بالله أن شهامة أحد ملوكهم وتبرعه بالدم لأبناء فلسطين النازفين لم تحرك فيَّ سوى قدرٍ يسير من الرثاء. كيف ينحدر ملك إلى هذا الدرك من البلادة والاستخفاف بمشاعر الناس؟ أي كتابة ترقى إلى مثل هذه الأحداث؟
دعك من هذا.
لقد ظللت أتهرب من الكتابة إليك، حتى لم يعد باستطاعتي أن أدفع هذه الرغبة التي قد لا تعني أحدا، ولا يهمني أن تعني أحداً.
قل لي يا سيد محمود: أين وكيف تعلمت الكتابة؟ ومن هو شيخك يا ترى؟ من أين لك هذه الفطنة، وهذه العذوبة، وهذا السحر؟
كيف استطاع قلمك أن يعيد للكتابة بهجتها وثراءها وكرامتها المسلوبة بعد أن عبثت بها الأقلام وابتذلتها الأيدي، وأهانتها الصحف؟ أي روح تنفخها فيها؟ وبأي فتنة ترقيها؟ وعلى أي نار تنضجها؟
هنيئاً لك، هنيئاً لنا، هنيئاً للكتابة.
كلما قرأت لك شيئاً، حضرني “إدوارد سعيد” وحضرني “كازانتزاكي” وحضرني “ماركيز” و”باولو كويلهو” وآخرون غيرهم ممن عرفت من الشرق والغرب على السواء، ثم يتوارون، وتبقى أنت وحدك. صحيح أن كتاباتك تبدو أحياناً تفكيكاً تأمليا مفعماً بالإحالات الكثيرة التي قد لا يتمكن القارئ العادي الذي لم يتدرب عقله على الصبر من مجاراتك. لكن، أليست هذا الكتابة هي ما يحتاجه هذا العقل الداجن، الآسن، الكليل؟
حماك الله من أعين السوء. حماك الله من عيني.
عبدالوهاب المقالح