المحاولات مستمرة لتهريب “معين” و”نشأن”

المحاولات مستمرة لتهريب “معين” و”نشأن”

تقف الجوف على مجمع مدن أثرية، وأودية زراعية قاحلة، لكنها تفتقد لأبسط الخدمات. وفرصة العمل الوحيدة المزدهرة: حمل البنادق. وبعد تزايد الاتهامات
بوقوف مسؤولين كبار وراء تهريب الآثار، بات التنقيب العشوائي عنها عملا
يقوم به البعض، ومربحا لآخرين.
 
عبدالعزيز المجيدي – تصوير: جميل سبيع
تنشط في الجوف أوسع عملية حفر عشوائي في البلاد. لكن “الوظيفة” الأكثر استقطابا، في محافظة تقف على واحد من أكبر الأودية القاحلة في اليمن، ليست بحثا عن الماء، بل عن الآثار.
بالنسبة لباحثين يحاولون جمع أجزاء التاريخ المتناثرة والمطمورة، فإن المهمة ستصبح أكثر تعقيدا، مع مرور الوقت.
“هناك أعمال حفر كثيرة تتم الآن، لا شك أنها ستؤثر على القيمة التاريخية والعلمية للآثار”، قال منير عربش، الباحث في المعهد الفرنسي للآثار بصنعاء.

قبل ثلاثة أسابيع كانت الجوف وجهة لباحثين أجانب ويمنيين، بالإضافة إلى صحفيين ومسؤولين في الهيئة العامة للآثار. وكان الهدف الأهم للزيارة: مشاهدة ما يحدث في المواقع الأثرية بالمحافظة عن كثب.
طوال الوقت الذي قطعته الرحلة كان مدير عام الآثار بالهيئة، محمد الاصبحي، يحاول تقديم بعض المعلومات عن الجوف كمتحف للمدن الأثرية وأعمال الحفر الشرهة أيضا. لكن الصورة على أرض الواقع مفزعة بكل المقاييس.
خلال قرابة العام زار الباحث الفرنسي بمنظمة اليونسكو، السيد ريمي، بعض المواقع الأثرية في الجوف مرتين، أخراهما قبل ثلاثة أشهر. في الزيارتين خرج الرجل بخلاصة وحيدة: المزيد من الحفر يتم دون أي محاولة لإيقاف أعمال الانقضاض على التاريخ.
بمقارنة مشاهدات الزيارة الأخيرة بالنسبة للسيد ريمي بتلك التي تمت قبل ثلاثة أشهر، فإن الحفر يجتاح أكثر ويزداد شراسة، وهو الأنشط على كافة الأصعدة.
وفقا للباحث عربش فإن المواقع تظهر أن كل يوم يشهد حفرا جديدا، وقطعا تخرج من المواقع، ليس إلى خارج الجوف فحسب، وإنما إلى خارج اليمن.
على بعد نحو 10 كيلومترات من مقر مزاولة حسين حازب وظيفته كمحافظ للمحافظة في مديرية الحزم، تتراكم أطلال مدينة معين، المملكة التي ازدهرت بين القرن الثامن والأول قبل الميلاد.
في أنحاء مختلفة من الموقع، الذي بدا كحقل أفخاخ، كانت ما تزال آثار الحفر طازجة. بعد مدخل المدينة من جهة الشمال مثلا لم تكن هذه الأعمدة الأربعة الضخمة، وتعود لقصر أحد الملوك كما يعتقد، قد ظهرت في الموقع عندما كان السيد ريمي وعربش هنا في زيارتهما قبل الأخيرة.
الأمر ذاته يحدث في موقع السودة الأبعد عن الحزم بحوالي 25 كيلومترا والأكبر نسبيا مقارنة بمعين، إذ إن الأعمدة التي يعتقد أنها لمقبرة ملكية، كانت مطمورة قبل أن تتمكن أيدي الحفارين من الاقتراب من أساساتها.
طبق حديث عربش فإن أعمال الحفر مستمرة، وازدادت ضراوة منذ عام 2004.
في موقع مدينة “نشأن”، وهو الاسم التاريخي للسودة، تبرز أساسات مبانٍ مطمورة، ويمكن ببساطة التعثر بقطعة حجر منقوش عليها بعض العبارات بحروف المسند.
على كل بقعة من الموقعين، يطل اليمني القديم من بطن التاريخ محاولا رواية قصة حضارة عرفتها البلاد في أزمنة سحيقة، لكن صرير المطارق وغرافات الحفر تصيبه بالخرس.
بحسب رواية بعض المواطنين فإن أعمال الحفر تنشط غالبا في الليل، وهو الوقت المفضل بالنسبة للمشتغلين بهذه “الحرفة”. ويأخذ بعض أعمال الحفر اتجاها رأسيا يوغل في العمق مسافة تصل إلى أكثر من عشرة أمتار، ثم تنحرف أفقيا إلى مسافات كبيرة على شكل أنفاق.
وقد توفي في تلك الحفر -بحسب رواية البعض- 7 أشخاص جراء انهيارها فوق رؤؤسهم وهم يبحثون عن آثار.
ومع تزايد الاعتقاد بضلوع مسؤولين كبار في الدولة بتجارة الآثار وتهريبها للخارج، يصبح هذا النشاط أكثر جذبا ومشروعية، حتى بالنسبة للمواطنين الذين يشعرون بالتهميش.
“الدولة عندنا ما هي موجودة، وهي اللي تبيع الآثار حق الجوف”، قال صالح سعيد، وهو يحمل الكلاشينكوف أثناء مرافقته الزوار إلى موقع السودة.
لقد حاول الباحث عبدالباسط نعمان جذب انتباه صالح ورفيقه لأهمية الحفاظ على آثار المحافظة والمنفعة التي يمكن أن تجلبها للمواطنين.
تساءل عبدالباسط، الذي يعمل خبيرا للآثار بالهيئة: “كيف يمكن الآن للباحثين معرفة تاريخ هذه المدن وترجمة النقوش بعد كل هذا الحفر العشوائي؟”. “لا زاد عرفت!”، رد صالح غير مكترث بحديث الباحث الذي أبدى الكثير من الألم حيال النبش الواسع هناك.
مقابل توفر المواقع كمسرح مفتوح للنبش والتخريب العشوائي، تواجه البعثات المتخصصة صعوبة في التوجه إليها تصل حد المنع. إنها مناطق مغلقة للتخريب فقط.
لدى المواطنين الكثير من الشكوك حيال أي ظهور للبعثات الأجنبية أو الرسمية هنا. والأمر مرتبط باعتقاد سائد عن عملية بيع نشطة للآثار تبدأ بمحافظتهم لكن مركزها صنعاء، ويقودها مسؤولون في الدولة.
“المواطنين من أكثر الناس تجاوبا مع قضية المحافظة على الآثار، لكنهم يحتاجون إلى الثقة”، قال قائد الأمن المركزي، عبدالله الجوفي، أثناء لقاء الوفد الزائر بمحافظ المحافظة المعين حسين حازب.
والثقة التي يحتاج أبناء الجوف إلى جرعة كبيرة منها “إجراءات تؤكد أن الدولة ستمنع المتاجرة بالآثار في صنعاء أولا”. لكن إقفال المحافظة أمام البعثات واستمرار الحفر على ذلك النحو لن يحافظ على ثروة الجوف الحقيقة.
تعود بداية أول كشف أثري في الجوف إلى عام 1870 على يد بعثة أثرية فرنسية. وعاد الفرنسيون مجددا في ثمانينيات القرن الماضي وبدؤوا أعمال التنقيب في مواقع: كمنة، البيضة، السودة، ومعين.
بعد سنوات من العمل في تلك المواقع توقف التنقيب بسبب ما قيل إنها “مشاكلـ”؛ لكن البعثة كانت قد أنجزت عددا من الأعمال المهمة، كإعداد الخرائط بالمدن والمسح الأثري وجرد القطع المكتشفة وتسجيل النقوش.
وقتها كان السيد ريمي واحدا من أفراد تلك البعثة.
طبقا للباحث الفرنسي فإن الجوف لم يطرأ عليها أي تغيير منذ أن غادرها قبل 20 عاما بعد توقف عمل البعثة هناك. لكنه لاحظ تغييرا في المواقع الأثرية، مقارنة بما كانت عليه عندما تركتها البعثة: أعمال حفر مهولة تشهدها المواقع.
قبل أن تصل إلى الجوف، التي تقع إلى شمال شرقي صنعاء وتنتهي عند الحدود السعودية، عليك أن تقطع سهلا ممتدا بمسافة تصل إلى 30 كيلومترا على الأقل، ومعظمها أرض خصبة وغنية بالمياه الجوفية، وفقا للاصبحي.
مع ذلك فإن معظمها أرض قاحلة، ولا عمل يزدهر هنا سوى حمل البنادق.
بالإضافة إلى أن المحافظة تفتقد تماما للخدمات، وتعاني غيابا شبه كامل لسلطة الدولة، فإنها تخسر مع البلد برمته تاريخا يمحى ويتسلل إلى الخارج.
منذ أربع سنوات تحاول منظمة اليونسكو إقناع السلطات الحكومية والأجهزة المعنية بتسوير موقع “السودة”. والمشروع الذي طرحته بواسطة الهيئة تتحمل بموجبه اليونسكو تكاليف التسوير مقابل توفير الحماية من السلطات.
في السودة تحديدا ثمة أهمية استثنائية للموقع. فبالإضافة إلى مساحته الكبيرة، فإن في المكان معبد فيه رسوم هي نفسها موجودة في بلاد الرافدين في العراق.
طبق القراءة الأولية للنقش فإن تاريخه ربما يعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد. والمرجح طبقا لعربش أنه أقدم نقش موجود في اليمن.
فضلا عن ذلك فإن النقش يوفر استخلاصا تاريخيا مهما: إن الدولة التي نشأت في السودة كان لها علاقات مع الدولة القائمة في بلاد الرافدين.
بفعل تباطؤ الجهات المعنية وعدم اكتراثها للأمر، وجد الكثير من القطع الأثرية طريقها إلى الخارج، وهي عبارة عن تماثيل وعروش ملوك وحلي وشواهد قبورية.
بعد العثور عليها ووقوعها في يد تجار الآثار تجد القطع طريقها غالبا باتجاهين: صنعاء، أو الأراضي السعودية الأقرب إلى الجوف.
من صنعاء والسعودية تمر القطع إلى الخليج وأوروبا وصالات العرض في أمريكا.
غير بعيد عن الآثار هناك في السعودية مثلا 5000 مخطوطة مهربة من اليمن تعرضها “بكل فخر” مكتبة الملك فيصل.
مقابل النقد الذي تتعرض له الهيئة العامة للآثار بشأن حماية المواقع، يعتبر مسؤولو الهيئة أن المسؤولية لا تخص الهيئة وحدها، بل تشمل جميع الأجهزة الحكومية.
“ماذا ستفعل الهيئة في الجوف مثلا للمواقع!؟ هل تريدني أن أنزل إلى هناك لأقاتل!؟ هذه مهمة وزارة الدفاع والداخلية”، قال محمد طه الاصبحي، ممتعضا من توجيه الاتهام للهيئة بالتقصير.
طبق الاصبحي فإن الهيئة كانت خصصت قبل عام تقريبا مبلغ 60 مليون ريال لتسوير موقع معين، بعد الاتفاق مع أحد مشايخ المحافظة كمتعهد بمقاولة المشروع (كونه قادرا على توفير الحماية)؛ لكن حتى الآن لم ينجز المشروع.
مجددا أعلن الاصبحي أثناء زيارة موقع معين برفقة المحافظ حازب استعداد الهيئة لتوفير المبلغ لتسوير الموقع، لكنه اشترط توفير الحماية الأمنية اللازمة، وهو ذاته الذي كانت تقدمت به اليونسكو لإنجاز تسوير السودة.
عندما توجه الوفد إلى موقع السودة لزيارته فضل مدير المديرية عدم مرافقة العسكر الذين قدموا من خارج الجوف “حتى لا يكون الأمر مستفزا”.
كان واضحا أن أي مظاهر عسكرية تثير حساسية مرتفعة لدى الأهالي.
مع ذلك فقد اعتبر محافظ الجوف أن “القبائل هم أسهل حلقة في سلسلة الصعوبات التي تواجه مشاريع تسوير المواقع الأثرية في الجوف”.
لقد أبدى الرجل تفهما كبيرا بضرورة الحفاظ على ما تبقى، وبدء صفحة جديدة في التعامل بين الجميع لحماية الآثار”. فضلا عن ذلك فقد أعلن استعداده لفتح بدرومات المحافظة لاستخدامها من قبل أي جهة للمساعدة في إنجاز عملية التسوير.
حتى الآن ما تزال اليونسكو تتابع بإلحاح -حد وصف عربش- لدى الجهات المعنية في البلد من أجل بدء تسوير موقع السودة وفتحها للبعثات للشروع في التنقيب.
بالنظر إلى الواقع المعقد فإن الهيئة العامة للآثار تبدو واحدة من مجموعة جهات معنية بتوفير الظروف الملائمة لإنجاز مهمة حماية الآثار.
هناك تجربة يفضل محمد الاصبحي اصطحابها معه عند كل حديث عن نموذج يعتبره ناجحا لحفاظ على المواقع الأثرية: مدينة براقش.
في هذا الموقع الأثري تمضي البعثة الايطالية قدما في أعمال الحفر والتنقيب بعد أن وضع الموقع تحت حماية لواء عسكري مرابط هناك بتوجيهات رئاسية.
ربما تكون الحماية العسكرية كأمر لا بد منه جزءا من مهمة عاجلة لحماية ما تبقى من المواقع، لكن البعض يرى أن الهدف لن يتحقق كأمر دائم ومستمر على المدى البعيد دون تنمية حقيقية في المحافظة المهمشة.
عمليا لم يعد ثمة الكثير من الوقت وتبدو الحاجة ملحة لتدارك ما تبقى.
“نحتاج إلى تكاتف كل المؤسسات العلمية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة لإيقاف العبث القائم في المواقع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه”، قال عربش باستياء شديد وهو يتحدث عما يجب عمله حيال ما يجري في الجوف.