التواطؤ على إقرار شرعية صامتة له مكنه من لعب دور مأساوي في التاريخ اليمني الحديث في ذكرى جارالله عمر،

التواطؤ على إقرار شرعية صامتة له مكنه من لعب دور مأساوي في التاريخ اليمني الحديث في ذكرى جارالله عمر،

الاغتيال أداة سياسية لم يتم استنفادها بعد!
ماجد المذحجي
في أواخر شهر ديسمبر من عام 2002 أطلق علي جارالله السعواني رصاصته على الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، جارالله عمر، عقب انتهائه من إلقاء كلمة أمام المؤتمر الثالث للتجمع اليمني للإصلاح، ليودي به صريعاً في مشهد مفزع تناقلته وسائل الإعلام والفضائيات بذهول، وبشكل أحدث صدمة عميقة في الحياة السياسية والاجتماعية حينها. الاغتيال الصاعق لهذا السياسي البارز تمر عليه الآن ستة أعوام، وباستثناء مهرجانات جماهيرية صغيرة لأحزاب المشترك في بعض المحافظات، فلم تُحدث هذه الذكرى أي حماسة سواء عاطفية أم نقدية لدى الطبقة السياسية والثقافية اليمنية. إن استحضار ذكرى هذا الاغتيال يتعدى بدلالته الولاء العاطفي لنموذج ديناميكي استثنائي وخلاق في الحياة السياسية اليمنية شكله جارالله عمر، بل هو فرصة لإثارة نقاش موسع، واتخاذ موقف حاسم، ضد الاغتيال كأداة مقرة ضمنياً في الأداء السياسي اليمني، حضرت في تاريخه الحديث بكثافة عالية وتم التواطؤ على استخدامها ومنحها شرعية صامتة بين “المتنازعين”.
الاغتيال كخيار متكرر في “سياسة” اليمنيين
قبل حدوث هذا الاغتيال، الأكثر علانية وتبجحاً في الاغتيالات اليمنية، لجارالله عمر أمام حوالي 2000 مندوب حزبي وأبرز الرموز السياسيين اليمنيين الحاضرين في المؤتمر الإصلاحي، كان هذا الفعل نشطاً كخيار سياسي بين الخصوم اليمنيين. فمنذ اغتيال الإمام يحيى، ومرورا باغتيال النعمان الابن، ومحمد علي عثمان، وتفجير طائرة الدبلوماسيين، واغتيال الحجري، والحمدي، والغشمي، وغيرهم، وحتى موجة الاغتيال التي طالت القيادات الاشتراكية قبل حرب صيف 1994، لم يبدُ أن أحدا اعترض عليه بشكل جاد، أو مس شرعيته كحق يسوغ للساسة ومراكز القوى استخدامه ضد “أعدائهم”. لقد تعاقد الجميع على تسويغه باعتباره “حل” اللحظة الأخيرة حين تعجز شروط السياسة الطبيعية عن توفير تنحية ملائمة لخصم ما. لقد كان الاغتيال فعلا أكثر نشاطاً في اليمن الشمالي من ناحية تطاوله على رموز سياسيين كبار، قياساً بالجنوب الذي وفرت دورات الصراع الدموية التي حدثت فيه الحاجة لاستخدامه، وبدا أن الطبقة السياسية المحافظة التي هيمنت على السلطة شمالاً بعد أحداث أغسطس عام 1968 استخدمته بكثافة لتسوية النزاعات بين أطرافها ولتكريس الهيمنة في يد عصبة أصغر بداخلها، وتغذى هذا الفعل الدموي المستمر على بيئة ثقافية واجتماعية تتبنى العنف وتقر نتائجه، وتعجز عن توطين أدوات سياسية طبيعية لتسوية الخلافات.
تفاقم حضور الاغتيال في الحياة اليومية للمواطنين من نهاية عقد السبعينيات وحتى بداية الثمانينيات أثناء المواجهات بين الجبهة الوطنية اليسارية ونظام الحكم في صنعاء، وسقط بسببه الكثير من كوادر ورموز الجهتين، ليصبح أحد أوراق النزاع العنيفة الأكثر أهمية في الصراع السياسي في الشمال، والذي تقف خلفه لعبة “كسر العظم” بين النظام في الجنوب والنظام في الشمال، ليصار إلى تهدئة مؤقتة في هذا النزاع المسلح، واستحضار متقطع للاغتيال، بعد وصول صيغة أقل راديكالية للحكم في الجنوب مثلها الرئيس علي ناصر حينها، وأنجزت اتفاقا سياسيا على التهدئة كان طرفاه الرئيسان ناصر وصالح.
الوحدة: استعادة نشيطة للقتل
لم تُحدث علانية العمل السياسي وتعدده بعد الوحدة عام 1990 تعطيلاً لهذه الأداة الدموية، باعتبار أن هناك ثقافة وأدوات سياسية سلمية جديدة يمكن أن يتم التراضي على ما تقره من تسوية للخلافات بين الخصوم السياسيين، فلم يتعدَّ الأمر عامين فقط حتى بدأ “الاغتيال” يحضر كحليف سياسي وورقة تفاوضية ضاغطة تستخدم ضد الحزب الاشتراكي والشخصيات الوطنية المستقلة، فابتدأ الأمر بمحاولة اغتيال عمر الجاوي، والتي سقط فيها الحريبي أول شهيد للديمقراطية وفق الوصف الذي أطلق عليه حينها، ليعصف الاغتيال بعدها بقائمة طويلة من القيادات الاشتراكية. تطور الحال وقتها نحو تعطيل كامل للخيار السياسي السلمي، واستخدم العنف كحل حاسم بالنسبة للشريك الشمالي في الوحدة، تجلى في الحرب الدموية التي قادها ضد “الجنوب” معتمداً على تعبئة شعبية وثقافية حقيقية ضد “الشيوعيين” و”الانفصاليين”.
انتهى الأمر بانتصار الرئيس علي عبدالله صالح في حرب 94، وتكريس السلطة بأكملها ضمن “الأسرة” والتحالفات القبلية العسكرية التي يعتمد عليها، منح تقديرا عاماً بانتهاء الحاجة للاغتيال من قبل القائمين عليه باستمرار بعد الوحدة، كون السلطة استقرت تماما بصيغة ملائمة بيد طالبها، ولم تعد هناك قوى تشكل تهديدا فعليا له. لكن مسار السياسة لم يمض نحو ذلك التقدير؛ ليتم اغتيال جارالله عمر بشكل علني وبشكل مرعب فعلاً، وبطريقة بدت كوسيلة ترويع للآخريين، علاوة على كونها تتضمن إزاحة لخصم يبدو أنه يسير بالقوى السياسية في اليمن نحو إنجاز تحالفات جديدة خارج الاصطفافات القديمة، ويستخدم أدوات مختلفة، ويستطيع استثمار اللحظة السياسية والظروف العامة بشكل ديناميكي وفعال يمكن أن يهدد استقرار السلطة المريح منذ صيف 94.
الإسلاميون قاعدة أيديولوجية للعنف
علاقة الإسلاميين بالعنف بالعام في اليمن متينة تماماً، وهي قائمة منذ تشكلهم كقوة سياسية رئيسة في البلاد تعتمد أيديولوجيتها على وجود نقيض مستمر (علماني)، وتتعرف كينونتها بإنكاره كلياً. وبحكم اعتماد النظام في الشمال على أداتهم الأيديولوجية والتنظيمية التعبوية بشكل ناجح في الصراع مع الأيديولوجية الماركسية التي كانت خصماً قوياً له حينها قبل الوحدة، دخلوا إلى جانب النظام في الصراع المسلح العنيف مع “الجبهة” عبر صيغة المعاهد الإسلامية في تلك المرحلة، علاوة على شراكتهم في منظومة إقليمية تمولها السعودية وبإدارة أمريكية وموافقة رسمية في تغذية العمليات الجهادية في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي “الكافر”. عقب الوحدة عمل الإسلاميون، عبر التجمع اليمني للإصلاح، على تعبئة المجتمع ضد الاشتراكي، وكان خطابهم العام واليومي يعمل على نزع حق الاشتراكيين في الحياة عبر توصيفهم المستمر ب”أعداء الدين”، وهو ما شكل تبريراً دينياً ضمنياً لموجة الاغتيالات التي طاولتهم حينها. الصيغة الدينية التعبوية ضد الاشتراكي لم تنته فعاليتها بسقوط التحالف بين المؤتمر والإصلاح، ومقدرة جارالله عمر على هندسة تجربة سياسية فريدة اسمها “المشترك”، استطاعت أن تضع حدا للصراع المرير بين الإصلاح والاشتراكي، لتنشئ تحالفا جديدا في الحياة السياسية اليمنية شكل تهديداً حقيقياً لاحتكار السلطة اليمنية، وهو حدث كان دور جارالله البارز وفق التقدير العام أحد أسباب القرار الضمني باغتياله. لتمتد فعالية هذه التعبئة لاحقاً في وعي كثير من الإسلاميين الجهاديين، لم يتم إنكار “كفر” الاشتراكيين أمامهم من قبل شيوخهم، وهي تعبئة دينية متطرفة ومسكوت عنها تتيح القتل وتقر الاغتيال وتصفية المختلف، ومازالت تتغذى على قواعد متشددة تتم رعايتها وتوظيفها رسمياً، وأبرزها معاهد السلفيين وجامعة الإيمان.
إن اغتيال جارالله عمر حدث على يد إسلامي متطرف، ولكن هذا الفعل الدموي لم يكن معزولاً ضمن دافعه الجهادي فقط، ولم يحدث أن اقتنع أحد ببراءة الأمر من الامتداد الأمني فيه، وإن كان يمكن التأكيد مرة أخرى على كون التعبئة الدينية الحماسية التي نهض بها حزب الإصلاح سابقا ضد “الاشتراكيين”، والتي تكررت عقب الحرب أيضاً وامتدت حتى الآن عبر رموز إسلاميين -أمثال: الزنداني، الذارحي، والتاج، وغيرهم- على “المثقفين” و”الصحفيين” والنخب اللبرالية الجديدة في اليمن، برعاية رسمية وأمنية ضمنية، أسهمت بشكل كامل في هذه الواقعة الدموية التي ذهب ضحيتها جارالله، رغم أنها أتت متأخرة قياساً لفترة الذروة في اغتيالات ما بعد الوحدة التي حدثت بين عامي 92 و93. ويمكن بالتأكيد لهذه التعبئة والتحريض الديني المستمر أن يستخدم لاحقاً في تسويغ أي قتل واغتيال ما دام جذره المتطرف يتلقى تغذية مستمرة.
لم يستنفد الاغتيال بعد
لقد تلقى الناس وفاة الكثير من الشخصيات العامة القوية التي صنفت بالاستقلالية السياسية في علاقتها بالسلطة، أو عملت في إطار قوي على معارضة سياسته، بكونها تصفية من نوع ما، وإن لم تأخذ هذه التصفية شكل الاغتيال العلني، إلا أن التقدير كان دوماً يخضع الحوادث المرورية مثلا لكونها مؤامرة من نوع ما، مثل تلك الحادثة التي أودت بحياة اللواء يحيى المتوكل، والحوادث التي أودت بآخرين، ويرى في أزمة صحية طارئة تودي بحياة فرد كونها تسميما مثلا، حيث تم تلقي الوفاة المفاجئة للصحفي والبرلماني عبدالحبيب سالم في هذا السياق، ليمتد الحديث عن الاغتيال باستمرار شكل الشائعات والظنون العامة باستمرار في وصف أي حادثة تؤدي لوفاة إحدى هذه الشخصيات السياسية ثقيلة الوزن. بالطبع لم تكن واقعة اغتيال جارالله عمر آخر محطات هذا الفعل الدموي، فمازال الاغتيال حاضراً في خلفية العلاقات السياسية وضمن أدواتها، يبدو ذلك ضمن الأخبار التي تتداول عن محاولة اغتيال الرئيس الأسبق علي ناصر محمد أكثر من مرة في سورية ومصر، وما أثاره أيضاً رئيس الوزراء السابق حيدر ابوبكر العطاس في لقاء صحفي أخير ب”النداء” عن وجود مخطط لاغتياله.
إن المناخ العام في اليمن لم يستبعد الاغتيال أبداً، بل هو يرجحه باستمرار ويستند في ذلك إلى الحقائق والظنون، باعتبار أن صيغة السياسة في البلد مازالت تستمد أدواتها من الذهنية القديمة نفسها، ذات الهوى الأمني والخيارات العنيفة، التي أدارت البلد باستمرار.
كان يمكن لمقتل جارالله أن يحدث فرقا
فشل الجميع في استثمار اغتيال جارالله عمر لتصفية الاغتيال كأداة سياسية صامتة، ووضع قواعد العنف وأسبابه في قلب النقاش والإدانة العامة، ولم يتمكن أحد من استثمار مد شعبي وعاطفي واسع اصطف بشكل واسع منكراً هذا الاغتيال، وكان يمكن أن يستجيب لأي خطوات ومواقف تحجم “القاعدة” السلفية الجهادية التي غذت السعواني بأسباب القتل وثقافته، ولم تنكر عليه أبداً وبشكل صريح شرعية فعله بعد قيامه به. إن اغتيال جارالله شكل فعلا صادماً بشكل حقيقي بحكم الرمزية الشديدة التي يشكلها نموذجه السياسي والإنساني والثقافي، ولذلك فقد أثار انفعالاً وتعاطفاً شعبياً جارفاً حينها. الأمر لم يتعدَّ ذلك الانفعال، ولم يحدث نقاشا واحتجاجا واسعا حول فعل الاغتيال، بشكل يتعدى مسؤولية الحزب الاشتراكي في معاقبة القائمين على اغتيال أمينه العام المساعد، لينسحب على المجتمع كله، باعتبار أن ذلك يقع تماماً ضمن مسؤولية جميع النخب السياسية والمدنية، لتصبح تلك “الروزنامة” التي تتضمن تأريخاً لكم مر على اغتيال جارالله عمر، وصورته، وعبارة “لن يمروا” بجانب ترويسة صحيفة “الثوري”، تذكيراً أسبوعياً مستمراً على فشل الطبقة السياسية والمدنية والثقافية اليمنية في وقف الاغتيال وسحب الشرعية منه، واستثنائه نهائياً من قائمة الخيارات التي يمكن أن تلجأ لها السلطة في مواجهة خصومها.
[email protected]